كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رحيل العقرباوي: عن ذاكرة بلون الغرق...

رحيل العقرباوي: عن ذاكرة بلون الغرق...

تاريخ النشر: 2025-12-31 | 15:58

فلاّحٌ دربته الأرض على لغتها، ودلته إلى دهليز ذاكرتها، وحتى لكنته ببحة صوته، كانت ريفية أصيلة. وكذلك قامته ظلّت مربوعة ومشدودة كما لو أن صاحبها أدرك فضاء البلاد بجسده فعلاً. وكذلك في مشيته، كان حمزة ينهبُ الأرض بأرجله كما لو أنها تعودت حفّ التراب أكثر من دوس الإسفلت. وبسحنته القمحية، التي لوّحتها شمس سفوح جبال نابلس وسهولها، مبطوحًا على حرّ وجهه تحتها.

قلما نجد فلسطينيًّا يشتغل في الأرض وأسئلتها معًا، منهم حمزة أسامة العقرباوي. قاصّ وقصّاص لأثر الحق المسلوب، وحكّاء يحكُ ذاكرة البلاد وأرضها بحثًا عن نبضها.. كانت آخر مرة التقينا فيها العام الماضي، صدفة في شارع ركب رام الله، سلّم مطمئنًا، وكعادته مداعبًا سألني ليذكرني بمطلع بيت عتابا عَجِز شُعّار الحِداء الشعبيين عن إتمامه، كنت قد حدثته عنه منذ سنوات، يقول:

شفت الحمامة مع السبع بومات
راحوا يعزوا السبع بو مات...

ضحكنا، ثم استأذن مستعجلًا "قاعدين منسنسل بعقربا". كان حمزة من باقي بقايا جيل يُجيد صفّ الحِجارة سناسلاً، تلك السناسل التي ما زالت تزنر كروم وحواكير تلال أرياف الضفة الغربية. كانت قبضة حمزة العقرباوي بمستوى فكرته وأسرع منها أحيانًا، دق متواصل على أبواب الأرض، وها هو يدق بابَ الله.

يقول المؤرخ والأديب الإفريقي أمادو هامباتي با: "إن موت شيخٍ في أفريقيا يعني احتراق مكتبة بكاملها". لم يشخ العقرباوي، لكنه كان مكتبة شفهية عن بلادٍ مسنّة فعلاً، فاضت مع روحه في نهر نيل مصر. لم يكبر حمزة في سنّه للحد الذي يدفعنا للبحث في تاريخ ميلاده، إنما يرحل اليوم وهو في عقده الرابع.

وُلد في عقربا، القرية المنداحة إلى الشرق الجنوبي من نابلس المدينة، هناك حيث جبل سَرطبة المُجلل بالقمر، ومدرج طفولة حمزة يدهور من علو سَرطبة الجبل الحجارة شرقًا ليسمع صوت دحرجتها تهوي إلى الغور المصفرّة سهوله، والممتدة حتى شارب النهر المخضرّ. نهر الأردن أو "الشريعة" - بتسكين الشين - الذي ظلَّ حمزة مأخوذًا بمائه من وحي ووجع حكايات الذين "أخذتهن الميّة" كما ظلَّ يقصّ علينا متفجعًا، إلى أن أخذته منّا مياه النيل.

لم يكن الراحل يتقن قصّ الحكاية الشعبية فقط، إنما كان من أفضل مَن يُحسن كتابتها وتدوينها. وقد ترك في مشوار تقصّيه وبحثه إرثًا من المكتوب والمَحكي، والمرئي والمسموع، منه ما طفا على وجه شبكات تواصل أبناء وبنات شعبنا الاجتماعية في فلسطين والشتات والمهجر فور انتشار نبأ غرق ورحيل حمزة المفجع. كان حرمان أهلنا في الضفة الغربية من البحر والطريق إليه، وذلك منذ عام 1948 مع ضرب واقتلاع ريف "مغاريب" بعض مدن فلسطين التي صارت تُحسب على الضفة الغربية مثل طولكرم وقلقيلية وحتى نابلس حيث كان لها امتداد ريفي يصلُ بساحل البلاد غربًا - لذلك سميت بـ"المغاريب"- قد جعل للبحر شوقًا وتوقًا في نفس صاحبنا. ونذكر جيدًا يوم أن زار قبل سنواتٍ البحر بصحبة مجموعة من مولعي تجوال البلاد، اتصل يومها ليسأل عن البحر في ذاكرة أهالي مدن وقرى فلسطين الساحلية - البحرية المقتلعين منها عام النكبة. "إلنا بالبحر سبع موجات..." كان هذا ما علق في ذهن حمزة وأخذ يصيح لرفاقه في الحافلة المتوجهة إلى الساحل، مكررًا "إلنا بالبحر سبع موجات".

كان الماء الجاري "الميّة الجارية" في الأنهار يسحر العقرباوي أكثر من ذلك الراكد في البحيرات والبحار. وهو الذي يعرف نهر الشريعة "الأردن" وقد قصّ ودوّن حكايا قطعه من ضفته الغربية إلى الشرقية طردًا وتهجيرًا في النكبة عام 48، والنكسة عام 67، وبالعكس من الشرقية إلى الغربية تسلّلًا وتهريبًا للسلاح أيام ثورات وانتفاضات البلاد على مدار القرن العشرين. وكذلك أدب تأسي الفلسطينيين الشعبي من قسوة النهر في تدفقه وغدره لقاطعيه كان أكثر ما يُثير أسى صاحبنا من ذاكرة النهر كلما حاول خدشها، وها هو حمزة يمضي منّا إلى برزخه عبر النهر تحديدًا.

تخسر فلسطين "أبا أسامة" وهذه كنيته، في الوقت الذي تزداد فيه أنياب الاستيطان توحشًا وغرسًا في لحم الفلسطينيين، في تلال وجبال الضفة الغربية التي بقي صاحب حكايتها يجوبها بحثًا عن معرفة غير مسطورة منها وعنها. حكايات فيها من واقع البلاد بقدر ما فيها من مخيال أهلها يعرفها ابن قرية عقربا الذي ظلَّ يثابر على إدارة عقارب الزمن باتجاه فلسطين العربية ما بين البحر والنهر.

كان العقرباوي ممن تصدّوا لإيقاع زمن الحداثة وغزوتها على شكلها الاستعماري - الاستيطاني في فلسطين في مواجهة تقويمه عبر تشبثه برزنامة الأجداد الاجتماعية، وبتقاليدهم الفلاحية التي جدلت أهليتهم بالأرض كأهلٍ لها. فلكل ساعة من نهار البلاد وليلها، اسمها من دغشة الفجر، لجهجهة الضو، للصبح، للصبحيات وحتى الضحاوي من رزنامة صباح فلسطين، يعرفها حمزة العقرباوي وكان يُغنيها. فمن منّا لم يرَ حكّاء بلادنا يقنّي للماء في الأرض ويغني لهما، أو متعرشًا زيتون الكرم مخاطبًا ومستنطقًا إياه. لم يترك العقرباوي طقسًا ولا شعيرة من طقوس وشعائر مواسم البلاد والأعياد فيها إلا وحدّث عنها.

لا يمكن التعرّف إلى فلسطين إلا بعيون ومعجم أهلها، فالوثائق الرسمية والأرشيفية تتيح لنا كتابة تاريخ البلاد، بينما تذكّرها غير ممكن إلا عبر أرشيف أهلها المحكي ومنه المخفي الذي ظلَّ حمزة العقرباوي يُقلّب حجارة الأرض بحثًا عنه ليرويه ويدونه بحبر قلبه. ففلسطين ليست موضوعًا للبحث، بقدر ما أنها قضية، قضية شعب مسلوب الأرض.

يرحل حمزة أسامة العقرباوي "أبو أسامة" مبكرًا، ولم يُوارَ ثرى البلاد التي أحب بعد، ملفّحًا بحكايا المكان وقصص الزمان فيه، بأساطير الأرض وأسرارها وسردية دماء أهلها المجبولة بترابها طينًا للخلود والبقاء. بأقولها وأمثالها، بغنائها، ومراثيها، ترثيك البلاد وأهلها بدموعٍ من لون الغرق يا حمزة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط