كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رحيل نبيل لحلو يوقظ أسئلة الفن المسرحي الفردي بالمغرب

رحيل نبيل لحلو يوقظ أسئلة الفن المسرحي الفردي بالمغرب

تاريخ النشر: 2026-05-08 | 11:12

كنتُ أشعر دائما أن أسماء قليلة فقط استطاعت أن تترك ندوبا جميلة في ذاكرة المسرح المغربي، وكان اسم الفنان المسرحي نبيل لحلو واحدا من تلك الأسماء التي يصعب أن تمر مرور العابرين. وحين بلغني خبر وفاته صباح الخميس 7 ماي 2026، أحسستُ أن جزءا من ذلك الزمن الثقافي المتمرد قد انطفأ بصمت، وأن خشبة المسرح المغربي فقدت واحدا من أكثر أصواتها اختلافا وجرأة. لقد رحل الرجل بعد معاناة مع المرض، لكنه ترك وراءه إرثا فنيا وفكريا سيظل شاهدا على مرحلة كاملة من تاريخ الإبداع المغربي.

لم يكن نبيل لحلو بالنسبة إلي مجرد مخرج مسرحي أو سينمائي، بل كان حالة فنية وفكرية خاصة. كنت أرى فيه ذلك الفنان الذي لا يهادن السائد، ولا يخاف من الأسئلة المحرجة، ولا يبحث عن التصفيق السهل. كان يؤمن بأن المسرح ليس مجرد تسلية عابرة، بل مساحة لمواجهة الذات والمجتمع والسلطة والخيبات أيضا.

منذ بداياته الأولى، بدا واضحا أن الرجل اختار طريقا صعبا. فقد تلقى تكوينه الفني بفرنسا داخل مدرسة شارل دولان التابعة لجامعة مسرح الشعوب، وهناك تشكل وعيه الجمالي والفكري، قبل أن يعود إلى المغرب حاملا معه حلم تأسيس مسرح مغربي مختلف، لا يقلد التجارب الأجنبية بشكل أعمى، ولا يستنسخ القوالب الجاهزة.

كنت كلما تابعت أعماله أشعر أنني أمام فنان يحاول باستمرار تفكيك الواقع المغربي وإعادة تركيبه فوق الخشبة بلغة رمزية وساخرة ومقلقة في الوقت نفسه. لذلك لم يكن غريبا أن تثير أعماله الجدل أحيانا، وأن تبدو لبعض الناس غامضة أو صادمة، بينما كان النقاد يرون فيها محاولة حقيقية لبناء مسرح حداثي مغربي يمتلك لغته الخاصة.

في الثمانينيات، تحول اسم نبيل لحلو إلى علامة بارزة داخل المشهد الثقافي المغربي. لم يكن يبحث عن الشعبية السريعة، بل كان يبحث عن أثر أعمق. ولهذا جاءت أعماله ممتلئة بالفلسفة والأسئلة الوجودية والقلق السياسي والاجتماعي. كنت أشعر وأنا أقرأ عنه أو أشاهد بعض أعماله أن الرجل يعيش داخل صراع دائم بين الحلم الفني والواقع الثقافي الصعب.

ولأن طموحه كان أكبر من حدود المسرح، فقد اتجه أيضا إلى السينما، لكنه لم يختر الطريق التجاري السهل، بل اختار ما يسمى “سينما المؤلف”، أي السينما التي تحمل رؤية صاحبها الفكرية والجمالية الخاصة. ومن بين أعماله السينمائية التي رسخت اسمه في الذاكرة المغربية فيلم “القنفوذي”، ثم “الحاكم العام”، و”إبراهيم ياش”، و”سنوات المنفى”، وغيرها من الأعمال التي حملت بصمته الواضحة من حيث الجرأة والأسلوب والتجريب.

كنت أرى أن قوة نبيل لحلو لم تكن فقط في موهبته الفنية، بل أيضا في شخصيته الثقافية المشاكسة. فقد ظل طوال حياته يرفض الرداءة والاستسهال، وينتقد تراجع الذوق الفني، وهيمنة التفاهة على جزء من المشهد الثقافي والإعلامي. كان يتحدث بحرقة المثقف الذي يشعر أن الفن الحقيقي أصبح محاصرا بمنطق السوق والاستهلاك السريع.

وما أثار إعجابي فيه أيضا أنه ظل وفيا للفن حتى في سنوات المرض والتعب. ففي الأشهر الأخيرة من حياته عاد إلى المسرح بمسرحية جديدة حملت عنوان “ماشا مشمشة تريد دورا في فيلم محاكمة سقراط”، وكأنه كان يعلن من خلالها أن الفنان الحقيقي لا يتقاعد أبدا عن الحلم.

اليوم، وأنا أستعيد سيرة هذا الفنان الراحل، أشعر أن المغرب لا يفقد مجرد مخرج أو ممثل، بل يفقد جزءا من ذاكرته الثقافية الحديثة. لقد كان نبيل لحلو ينتمي إلى جيل آمن بأن الثقافة ليست زينة اجتماعية، بل معركة وعي وتحرر وجمال أيضا.

ربما سيختلف الناس حول بعض أعماله أو مواقفه أو أساليبه الفنية، لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أنه كان واحدا من أكثر الفنانين المغاربة إخلاصا لفكرته الفنية. عاش حياته وهو يقاوم السطحية، ويحاول أن يمنح المسرح المغربي نفسا فلسفيا وجماليا مختلفا.

لقد غادر نبيل لحلو هذه الحياة، لكنني أعتقد أن صوته سيظل يتردد طويلا داخل ذاكرة المسرح المغربي، مثل صدى بعيد لفنان كان يؤمن بأن الخشبة ليست مجرد مكان للعرض، بل مرآة كبيرة لقلق الإنسان وأسئلته الوجودية العميقة.

برحيل الفنان المسرحي والسينمائي نبيل لحلو لا يفقد المغرب مجرد مبدع كبير، بل يفقد ضميراً فنياً ظل لعقود يقاوم الصمت والرداءة والتكرار. كان نبيل لحلو واحداً من أولئك القلائل الذين لم يعتبروا المسرح مهنة فقط، بل رسالة قلق دائم، ورسالة دفاع عن الجمال الحر والأسئلة المؤلمة التي يخشى الجميع الاقتراب منها.

لقد عاش الرجل وفياً لتمرده الثقافي، منحازاً للفن الذي يوقظ الوعي لا للفن الذي يكتفي بالتسلية العابرة. كان صوته مختلفاً، وصورته مختلفة، وحتى صمته كان يحمل معنى. لم يكن يساوم على رؤيته الفنية، ولم يركض خلف الأضواء السهلة، لذلك بقي اسمه محفوراً في ذاكرة المسرح المغربي كأحد أبرز المجددين الذين آمنوا بأن الخشبة يمكن أن تكون مرآة للإنسان المكسور والحالم في آن واحد.

برحيله تنطفئ شمعة من شموع الثقافة المغربية الحديثة، لكن أعماله ستظل حية، تقاوم النسيان، وتواصل طرح الأسئلة نفسها على الأجيال القادمة. لقد ترك لنا نبيل لحلو مسرحاً مشبعاً بالفلسفة والسخرية والألم والجمال، وترك لنا أيضاً درساً نادراً في الوفاء للفن حتى اللحظة الأخيرة.

رحم الله نبيل لحلو، الفنان الذي عاش خارج الأقفاص الجاهزة، وغادر الدنيا تاركاً خلفه خشبة أكثر حزناً، وذاكرة ثقافية أكثر وحدة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط