كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ردود الفعل على صفقة ترامب أخطر من الصفقة ذاتها

ردود الفعل على صفقة ترامب أخطر من الصفقة ذاتها

تاريخ النشر: 2020-01-29 | 12:06

في مؤتمر أقرب لحفل إشهار فرح أو عرس تخللته الابتسامات والغمزات والتصفيقات والمديح المتبادل والتوافق التام ،أعلن الرئيس ترامب عما نعتها بـ (مبادرة السلام)  والتي بَشَّر بها أثناء حملته الانتخابية عام 2017 . كثير مما ورد في خطاب ترامب كان معلوماً بل وتم تطبيقه على أرض الواقع كالقدس عاصمة لإسرائيل وضم المستوطنات وتجاهل قضية اللاجئين ،وما يمكن اعتباره جديداً أو لم يكن واضحا في التسريبات السابقة هو حديثه عن أنه في حالة قبول الفلسطينيين بالخطة ستكون لهم دولة فلسطينية ضمن الحدود التي وضَّحها في الخريطة التي نشرها على حسابه الخاص ،وهي دولة منزوعة السلاح ،بدون سيادة ،بدون حدود مع دول الجوار العربي سوريا ولبنان والأردن ،متصلة مع بعضها بأنفاق وجسور تسيطر عليها إسرائيل ،على مساحة تنتقص حوالي 30% من مساحة الـ 22% وهي مساحة الدولة التي يطالب بها الفلسطينيون والتي تعترف لهم بها الشرعية الدولية ،والوصول لهذه الدولة سيكون بعد مفاوضات مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ،مع التلويح بإغراءات مالية .

مع أن مبادرة ترامب تم إعدادها من طرف أمريكيين يهود وبالتنسيق الكامل مع إسرائيل إلا أن نتنياهو وفي خطابه الذي ألقاه مباشرة بعد ترامب وبالرغم من أنه أعلن موافقته على المبادرة إلا أنه وضع اشتراطات  نسفت المبادرة مما يذكرنا بالاشتراطات أو التحفظات الأربع عشر التي وضعها أرييل شارون على خطة خارطة الطريق التي وضعتها الرباعية الدولية عام 2002 مما نسف الخطة وأوصلها لطريق مسدود .فعندما يقول نتنياهو أنه يوافق على مبادرة ترامب وفي نفس الوقت يقول إن الخطة تمنحه الحق بضم الغور والمستوطنات ،وأن يهودا والسامرة (الضفة الغربية) ليست أراضي محتلة ،وأن المبادرة تعترف بيهودية الدولة ،وأن مشكلة اللاجئين تُحل خارج دولة إسرائيل ،ولا يذكر شيئاً عن دولة فلسطينية وأن هناك فترة اختبار لمدة اربع سنوات سيستمر الوضع على حاله ،يقول كل ذلك دون أن يُعقب ترامب ولو بكلمة واحدة فهذا معناه أن هناك ما هو غير مُعلن في المبادرة .

خطورة مبادرة ترامب لا تكمن فقط في انتقاص أراضي الدولة الفلسطينية وفي الشروط التي وضعها ،بل في كونها منحت حالاً لإسرائيل ما تريد كالقدس وضم المستوطنات والغور وتأمين حدودها ،أما ما يتعلق بالفلسطينيين فمتروك للمفاوضات حيث قال ترامب إنها خطة افتراضية تشكل أساساً لمفاوضات ستؤدي للسلام في المنطقة ،والعودة للمفاوضات في ظل الوضع الفلسطيني المنقسم على ذاته ،والوضع العربي الضعيف ،والوضع الدولي المرتبك وغير الواضح ،ومع غياب الأمم المتحدة والمرجعية الدولية ،فهذا سيؤدي لمفاوضات ستكون أكثر عبثية من المفاوضات التي استمرت لخمس وعشرين سنة في إطار تسوية أوسلو .

كثير من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على ما تسمى صفقة القرن أو العصر ،وهي في حقيقتها صفقة بين ترامب ونتنياهو فقط لإثارة فتنة فلسطينية داخلية من خلال مطلب نزع سلاح غزة وخصوصاً حركة حماس والجهاد الإسلامي وتصفية القضية الفلسطينية ،ولكن ما هو أخطر من الصفقة والذي يثير القلق هو ردود الفعل الواهية والمثيرة للريبة سواء من الأنظمة العربية مثل حضور سفراء ثلاثة دول عربية ومواقف ملتبسة لدول عربية أخرى أقرب للتأييد والموافقة على المبادرة ،أو من منظمة المؤتمر الإسلامي أو من الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي ،والأكثر خطورة هزال ردة الفعل الفلسطينية الشعبية والرسمية .

عندما تقتصر ردة الفعل الفلسطينية على تكرار الخطابات والشعارات ورفض الصفقة والتمسك بالثوابت ،وعندما تطالب القيادات من الشعب أن ينزل للشارع في مقاومة سلمية دون وجود استراتيجية وطنية للرد ودون أن تكون هذه القيادات في المقدمة ،عندما تسير الأمور في الضفة وغزة وحتى في الشتات بشكل طبيعي باستثناء بعض المظاهرات والمسيرات التي يشارك فيها عشرات أو مئات فقط بينما عندما كانت تُحيي الأحزاب ذكرى انطلاقتها أو تريد استعراض قوتها كانت تتباهى بالحشود المليونية ؟وعندما تلتزم فصائل المقاومة بالهدنة وهي التي كانت تمطر إسرائيل بالصواريخ لمجرد مقتل أحد قادتها أو لمجرد إعلان الحضور وللمناكفة السياسية أو بتعليمات من الخارج ،وعندما لا تتخذ السلطة أي موقف تجاه الدول التي تؤيد صفقة ترامب-نتنياهو .... عندما تكون ردة الفعل بهذا الشكل فمعناه أحد أمرين ،إما أن الطبقة السياسية فاشلة وعاجزة أو أن هناك قوى نافذة فيها متواطئة ،وإن استمرت ردود الفعل بهذا الشكل فستكون أفضل حافز وتشجيع لترامب ونتنياهو على الاستمرار بفرض الصفقة على أرض الواقع دون خوف من ردود فعل ذات تأثير.

أما بالنسبة لحديث الرئيس أبو مازن عن تغيير وظيفة السلطة .فبينما كان البعض يتوقع أن يُعلن الرئيس تطبيق قرارات المجلس المركزي المتعاقبة وحل السلطة الوطنية وسحب الاعتراف بإسرائيل أعلن عن إعادة تغيير وظيفة السلطة .ومعنى تغيير وظيفة السلطة أمر يحتاج لتوضيح والتفكير به جديا ، لأن حل السلطة قد يكون مغامرة لا تُحمد عقباها ،وقد كتبنا مقالاً عام 2010 بعنوان (تغيير وظيفة السلطة بدلا من حلها ) وذلك رداً على وقف المفاوضات واستمرار الاستيطان ،ولو تم مباشرة تغيير وظيفة السلطة آنذاك ما وصلنا للوضع الذي نمر به اليوم ،ولكن ماذا يعني تغيير وظيفة السلطة ؟ وهل هو كافي للرد على صفقة القرن ؟ .

حتى يكون تغيير وظيفة السلطة مدخلاً وطنياً لمواجهة صفقة ترامب نتنياهو - يجب أن يتضمن التغيير إعادة النظر بشكل التنسيق الأمني وبروتوكول باريس الاقتصادي ، توظيف أموال الدعم الخارجي للسلطة بما يخدم صمود الشعب الفلسطيني ، الاستمرار بالتمسك بالحقوق والثوابت الوطنية ، تفعيل منظمة التحرير وإعادة بنائها كحركة تحرر وطني ، إنجاز المصالحة بعيداً عن المكابرات السياسية فإن نقدم تنازلات لبعضنا البعض أشرف من تقديمها للعدو ، إدخال تغييرات عميقة في الطبقة السياسية من خلال انتخابات عاجلة ،تفعيل المقاومة الشعبية في كل ربوع الوطن ، مقاطعة شاملة للمنتجات الإسرائيلية ، وأهم عنصر هو توحيد مرجعيات الشعب والسلطة من خلال إنهاء الانقسام .

تغيير وظيفة السلطة معناه إعلان الدولة الفلسطينية وأن تصبح السلطة سلطة دولة خاضعة للاحتلال وجزءاً من حركة نهوض وطني شعبي شامل وتدخل في مواجهة مع إسرائيل وهذا هو جوهر فكرة السلطة الفلسطينية كما وردت في النقاط العشر للبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير عام 1974 الذي تحدث عن سلطة وطنية مقاتلة على أية اًرض نحررها أو تُعطى لنا ، ولتُقدِم تل ابيب وواشنطن على حل السلطة أو خلق سلطة بديلة تابعة لهما ، آنذاك ستتحملان مسؤولية انهيار التسوية والسلام ، ونعتقد أن كثيرين من داخل السلطة بما فيهم عناصر الأجهزة الأمنية مستعدون ليقوموا بهذا الواجب الوطني إن لمسوا إرادة سياسية تعمل في هذا الاتجاه .

لن أكون متشائماً أو مشككاً ،ولكن كل ما سمعناه خلال اليومين السابقين من دعوات للوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام واتصالات هاتفية بين أبو مازن وإسماعيل هنية مع تلميحات بزيارة ابو مازن لغزة ،واجتماع للقيادة بحضور كل الفصائل ،ودعوة الرئيس أبو مازن لتغيير وظيفة السلطة ،ما أخشاه أن كل هذا الحراك والتفاؤل عند البعض سيتبدد بعد أيام ،وسيعود كل طرف إلى مواقفه ومواقعه السابقة ،قابلاً بما في يده ومنتظراً دوراً في الصفقة القادمة .

وأخيرا ،صحيح أن إسرائيل تستطيع ضم الضفة كلها وتستطيع واشنطن إضعاف السلطة الفلسطينية ومحاصرة الشعب الفلسطيني ومعاقبته بالحصار ،إلا أن مصير ومستقبل القضية الوطنية ليس أمرا تحدده واشنطن أو تل أبيب أو الدول العربية أو حتى النخب السياسية الفلسطينية الحاكمة بل الشعب نفسه ،ونصف الشعب الفلسطيني (6 مليون) متجذر في أرضه ولن يستسلم والنصف الآخر في الشتات أيضا متمسكا بحق العودة وبالحق في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية ،والرئيس ترامب ونتنياهو غير دائمين في السلطة كما أن موازين القوى الدولية والإقليمية غير دائمة ،المهم إدارة حكيمة دون التسرع بإنهاء الصراع في هذا الوقت .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط