كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رسائل «الإمام الحاضر»

رسائل «الإمام الحاضر»

تاريخ النشر: 2026-08-12 | 13:58

محمد مصطفى أبو شامة
محمد مصطفى أبو شامة

حاصر المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، منذ توليه منصبه، لقب «الإمام الغائب»، الذي برغم ما يحمله من دلالات دينية في الفكر الشيعي، فإنه تحول في الوقت ذاته إلى صورة ذهنية حاول الغرب تكريسها حول القيادة الإيرانية الجديدة: مرشد لا يظهر، ولا يُرى، ولا يخاطب شعبه مباشرة، بينما تخوض بلاده حرباً مفتوحة وتتعرض مؤسساتها العسكرية والأمنية لضربات غير مسبوقة.

ومع مرور الوقت، لم يعد الغياب مجرد مسألة إعلامية أو أمنية، وإنما تحول إلى نقطة ضغط سياسي ونفسي، خصوصاً مع الاستفزازات المتكررة لإجبار المرشد على الظهور، ليصبح هدفاً واضحاً يسهل اصطياده، كما حدث مع والده المرشد السابق علي خامنئي، الذي استهلت به الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على الجمهورية الإسلامية باعتباره رأس السلطة، في محاولة لإجبار طهران على التخلي عن برنامجها النووي، مع إبقاء خيار إسقاط النظام قائماً.

لكن إيران لم تواجه فقط خطر الاستهداف الخارجي، وإنما عانت منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي حالة ارتباك ممتدة في كل مستويات السلطة، وبنيان النظام السياسي، فرضتها الاغتيالات التي طالت مواقع القيادة وعدداً من كبار المسؤولين والعسكريين، وأجبرت النظام على إعادة ترتيب مراكز القوة داخله أكثر من مرة.

ومن هنا تكتسب القرارات الأخيرة التي اتخذها مجتبى خامنئي أهميتها، وفي مقدمتها تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، بالتوازي مع إعادة توزيع عدد من المناصب العسكرية العليا في الجيش والحرس الثوري والباسيج. فهذه التغييرات قد لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في الاستراتيجية الإيرانية، لأن معظم الأسماء الجديدة تنتمي أصلاً إلى دوائر القرار، لكنها تكشف بوضوح أن المرشد الجديد بدأ يضع بصمته على منظومة الحكم التي ورثها، وأنه يسعى إلى تثبيت مركز القرار وإغلاق مرحلة الارتباك التي أعقبت الحرب.

اختيار محسن رضائي تحديداً يحمل دلالة إضافية؛ فالرجل قائد سابق للحرس الثوري، ويمتلك خبرة طويلة في الملفات العسكرية والأمنية، كما أنه ليس بعيداً عن دائرة مجتبى خامنئي، بعدما عُين مستشاراً عسكرياً له. وبالتالي فإن وجوده على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي يعكس رغبة في إحكام الصلة بين القرار السياسي والأمني والعسكري، خصوصاً في مرحلة لا تزال فيها إيران عالقة بين الحرب والتفاوض. ولا يعنى ذلك أن طهران تستعد بالضرورة لجولة عسكرية جديدة، وإنما يعنى أنها تريد أن تكون أكثر استعداداً لها، وفى الوقت نفسه أكثر قدرة على التفاوض من موقع لا يوحى بالضعف.

وهذا يفسر أيضاً طبيعة المشهد الحالى بين واشنطن وطهران؛ بعد أن وصل إلى ما وصفته في مقال سابق بـ«تنميط الحرب»، حيث يعرف كل طرف تقريباً حدود التصعيد التى يمكنه الوصول إليها، بينما يتجنب تجاوزها خشية الانزلاق إلى حرب أوسع يصعب التحكم فى نتائجها.

الولايات المتحدة لم تتمكن، رغم الضربات العسكرية الثقيلة، من دفع إيران إلى الاستسلام أو تقديم التنازلات التى كانت تراهن عليها، بينما لم تستطع طهران تحقيق انتصار حاسم يفرض شروطها. ولذلك نحن أمام حالة «لا حرب ولا سلام»، قابلة للانفجار في أي لحظة، لكنها محكومة حتى الآن بقواعد اشتباك غير معلنة، مع بقاء أدوات الضغط المتاحة للطرفين: ضربات أمريكية انتقائية، وضغط اقتصادى متزايد، مقابل أوراق إيرانية تشمل توسيع نطاق استهداف المصالح والقواعد الأمريكية فى المنطقة، والضغط على دول الخليج، والاستمرار فى استخدام مضيق هرمز كورقة استراتيجية.

وسط هذه المعادلة تظهر أهمية الرسائل التى بدأ مجتبى خامنئي يبعث بها من خلال الصور الحديثة ومقاطع الفيديو التى تؤكد أنه حي، ويمارس مهامه، ويؤدي دوره الديني بوصفه مرشداً للجمهورية الإسلامية وأتباع المذهب الشيعي. فبعد أشهر من الغياب، أصبح الظهور في حد ذاته جزءاً من معركة الشرعية؛ لأن الغياب الذى كان يوفر حماية أمنية للمرشد تحول مع الوقت إلى مشكلة سياسية، وفتح الباب أمام أسئلة حول قدرته على إدارة الدولة، بل وإلى حرب معلومات واسعة حول مكانه وحالته.

لذلك فإن الرسالة الأساسية التى يريد مجتبى خامنئى تثبيتها ليست أنه موجود فحسب، وإنما أنه صاحب القرار وأن النظام لم يفقد رأسه رغم الضربات التى تلقاها. وبالتزامن مع إعادة ترتيب المجلس الأعلى للأمن القومى والقيادات العسكرية، يبدو أن المرشد يريد الانتقال من صورة «الإمام الغائب» إلى صورة «الإمام الحاضر»: حاضر في مؤسسات الدولة، وحاضر في المؤسسة العسكرية، وحاضر في المجال الديني، وقادر على إدارة كافة أمور السلطة.

لكن الحضور الحقيقي لن تحسمه الصور، وإنما ستكشفه القرارات الصعبة المقبلة. فمجتبى خامنئي يواجه الآن مهمة تتجاوز مجرد إثبات بقاء النظام؛ إذ عليه أن يدير نتائج الحرب، ويحافظ على تماسك مؤسسات الدولة، ويعيد بناء الردع الإيراني، ويواجه الضغوط الاقتصادية، وفي الوقت نفسه يقرر متى وكيف يمكن العودة إلى التفاوض من دون أن تبدو إيران مهزومة أو مضطرة إلى التخلي عن جوهر مشروعها.

ولهذا فإن رسائل «الإمام الحاضر» تبدو موجهة إلى أكثر من طرف فى وقت واحد: إلى الداخل الإيرانى للتأكيد أن السلطة ما زالت متماسكة، وإلى المؤسسة العسكرية بأن القيادة تسيطر على القرار، وإلى واشنطن وتل أبيب بأن استهداف رأس النظام لم يحقق هدفه، وإلى أنصار الجمهورية الإسلامية بأن الوريث الجديد لوالده ليس مجرد اسم على قمة هرم السلطة، وإنما مرشد يمارس صلاحياته ويعيد تشكيل منظومة الحكم وفق حساباته.

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع مجتبى خامنئي أن يتحول من مرشد أثبت أنه نجا من الحرب إلى قائد قادر على إدارة نهايتها؟ فإثبات البقاء شىء، وصناعة التسوية شيء آخر، وإعادة بناء الردع شىء مختلف، وإخراج إيران من الحرب من دون أن تبدو مهزومة هو الاختبار الحقيقى الذى سيحدد ما إذا كان «الإمام الحاضر» قد أصبح بالفعل عنواناً جديداً للمرحلة الإيرانية، أم مجرد صورة أراد النظام من خلالها أن يقول للعالم إن رأسه ما زال موجوداً.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط