كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رسالةٌ فلسطينية عنوانها الوحدة وإطارها الاتفاق

إنها رسالةٌ أخويةٌ رائعةٌ صادقة، بليغةٌ ومعبرةٌ، وواضحةٌ ومعلنة، ومقصودةٌ ومتعمدة، رسمها أهلنا الأصلاء الكرام المرابطون في فلسطين المحتلة عام 1948، في حيفا ويافا واللد والرملة، وفي كفر قاسم وكفر كنا وأم الفحم وقيسارية، وفي النقب والناصرة وجت وقلنسوة وغيرهم، وقد أرادوها لنا درساً وعبرة، ووصيةً ونصيحة، وحكايةً ومنهاجاً، وطريقاً للنجاة، وسبيلاً للفوز، يرسمون بها لأنفسهم صورةً بديعةً، جميلةً قشيبة، حلوةً زاهية، تعجب الناس، وترضي الشعب، وتغار من بهائها الأمم، وقد جربوها ونجحوا فيها، وسلكوها ووصلوا من خلالها، فأحبوا أن تكون مثالاً عن شعبهم، وصورةً يقتدي بها أهلهم، وتتأسى بها أحزابهم.

إنها صورةٌ وحدويةٌ نادرةٌ، غريبةٌ على القوى الفلسطينية، ولا تعرفها فصائلها المقاومة، ولا تسعى قيادتها إلى تحقيقها وتجسيدها واقعاً على الأرض، بل تحسبها عيباً، وتفسرها ضعفاً، ولا تؤمن بها ضرورة، ولا تسعى إليها حاجةً، ولكن الأحزاب العربية والتجمعات الوطنية في أرضنا المحتلة، الإسلاميين واليساريين والديمقراطيين والشيوعيين والمستقلين جميعاً، نجحوا في ترجمة الشعار واقعاً وحقيقة، وأسعدوا أهلهم باتفاقهم، على اختلاف مشاربهم، وتعدد أفكارهم، واختلاف نظرياتهم، وتعدد أديانهم.

فكانوا كتلةً واحدة، وجبهةً مشتركة، وفريقاً متوافقاً متجانساً، جمع كلمته، ووحد برنامجه، وحدد غايته، واتفق على هيكلته واختار قيادته، وقد أدرك بوحدته أنه جبهة لا تخترق، واطارٌ لا يمزق، فكانت القائمة العربية الموحدة التي خاضت لأول مرةٍ الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بصورةٍ موحدةٍ، وتحت قائمةٍ وشعارٍ واحد، مفاجأةً للجميع، ومثاراً لفخر الفلسطينيين وسعادتهم، وسبباً في نقمة الإسرائيليين وغضبهم.

أما الأهل المرابطون في الوطن، والساكنون في عمق الأرض، والمزروعون في قلب البلاد، فقد صدقوا الرسالة وآمنوا بها، فاتحدت كلمتهم، وانصبت أصواتهم في صناديق الاقتراع صوتاً واحداً، ينتخب القائمة العربية ويزيد في حظوظ فوزها، ويرفع توقعات مقاعدها، فكانوا بوحدتهم في حلق العدو شوكة، وأمام أطماعه صخرة، وفي طريقه عثرة، ينتخبون ممثليهم، ويقصون أعداءهم، ويؤكدون في الوطن وجودهم، ولفلسطين انتماءهم، وهم الذين يلونون الأرض، ويصبغون التراب، ويعمرون الوطن بأسمائهم وأشخاصهم، وأفكارهم وعقيدتهم، ولا يخافون أنهم يسكنون الوحش، ويربضون في مواجهة المفترس، الذي يبدي أنيابه ويكشف عن مخالبه، ويهدد ويزبد ويرغي، أنه سيعاقبهم على فعلهم، وسيحاسبهم على وحدتهم، وسيكون أمام طموحاتهم بالمرصاد، وأنه سيتحالف مع من يدعو لطردهم، ويخطط لترحيلهم، ولكنهم قالوا له بأصواتهم أننا ها هنا باقون، وعلى أرضنا موجودون، لا يزحزحنا عنها أحد، ولا يقوى على طردنا من أرضنا عدو.

أهلنا الذين ظن البعض أنهم يتحدثون العبرية أكثر من العربية، وأنهم يتقنونها أكثر من لغتهم الأصلية، وأنهم نسوا الانتماء وتخلوا عن الولاء، وصارت مصالحهم مع العدو، ومنافعهم بعيداً عن الأشقاء في الوطن، أثبتوا أنهم إلى العربية ينتمون، وإلى فلسطين ينتسبون، وإلى الحرية والاستقلال يتطلعون، وأنهم أكثر وعياً وإدراكاً من اخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل أكثر احساساً بالمسؤولية من سواهم من الفلسطينيين، فهم يعرفون مصالح شعبهم ويحرصون عليها، ويتنازلون عن ذواتهم من أجل شعبهم، ويتخلصون من عصبياتهم حرصاً على مستقبلهم، وينبذون خلافاتهم ضماناً لفوزهم، ولا يقفون عند المكاسب الحزبية، والمطامع الفئوية، والشعارات الفضفاضة، والجعحعات الفارغة، بل ينفذون برنامجاً يقربهم من بعض، ويرفع من صوتهم، ويقوي مطالبهم، ويزيد من تأثيرهم، ويزرعهم في الأرض أعمق، ويربطهم بالوطن أكثر، ويمكنهم من الحفاظ على الهوية والشخصية والدفاع عنها وتحصينها أفضل.

الأهل في عمق فلسطين وأرجائها أكثر وعياً وحصافةً ممن يحترفون النضال ويمتهنون السياسية منذ عقود، فهم يفكرون بحكمة، ويتحالفون لمنفعةٍ عامة، ويتحدون لقوةٍ مطلوبة، وقد تأكد لديهم أنهم يواجهون عدواً لا يرحم، وخصماً لا يفرق ولا يميز بين الفلسطينيين، بل إنه يراهم جميعاً عدواً له، ويتطلع إلى طردهم كلهم من الأرض، وحرمانهم من الحق، ومساواتهم بغيرهم من اللاجئين والنازحين، وقد نطق بالحق في أول تعليق على تشكيل القائمة المشتركة، عدوهم الأفَّاق أفيغودور ليبرمان، وهو الكذاب الأشر، العتل الزنيم والمعتدي الأثيم، الساعي إلى ترحيلهم وطردهم، أو مبادلتهم والمساومة عليهم، "إن الأحزاب العربية المتحدة تكشف علناً ما كانوا يحاولون إخفاءه في السابق، انكشف علناً لنا اليوم بأنه لا يهم إن كنت شيوعياً أو إسلامياً أو جهادياً، ففي نهاية المطاف لهم هدفٌ واحدٌ هو إنهاء وتدمير الدولة اليهودية وهذا ما يوحدهم".

أهلنا الذين نرفع بهم رأسنا ونفاخر، لا لأنهم خاضوا الانتخابات التشريعية للكنيست الإسرائيلي، بل لأنهم رفعوا شعاراً حقيقياً، ونفذوا برنامجاً مشتركاً، وكانوا صادقين في وحدتهم، ومخلصين في تحالفهم، وكان شعارهم الصادق، الذي لا ينكره عاقل، ولا يهمله إلا جاهل "معاً أقوى"، وقد أثبتوا لأهلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة أولاً قبل غيرهم من فلسطينيي الوطن والشتات، أننا معاً أقوى، ومعاً أقرب إلى الهدف، ومعناً أدعى إلى النصر، ومعاً أجدر بالانتصار، ومعاً نثير الإعجاب، ومعاً نحقق الأهداف، ومعاً نصل إلى الغايات، ومعاً نستعصي على عدونا، ومعاً نجبر العالم على أن يصغي لنا، ومعاً نكسب ثقة شعبنا وحب أهلنا، ومعاً تحترمنا الشعب، وترفع القبعة لنا الأمم.

هل تتعلم فتحٌ وحماس، والشعبية والديمقراطية، والجهاد وكل القوى والأحزاب الفلسطينية، وتعي الدرس من أهلهم في شطر الوطن الأصيل، فتتحد وتتفق، وتتصالح وتتلاقى، من أجل الشعب الذي يعاني المر، ويكابد الصعب، ويواجه الصلف، ويلاقى الأذى، ويذوق العذاب من العدو وغيره صنوفاً وألواناً.

ألا يتحدون معاً ويتفقون، ويتخلون عن ذواتهم الحزبية، وفئوياتهم الضيقة، ومنافعهم الشخصية، ويكونون مع شعبهم أصدق ومنه أقرب، وبه أقوى، أم أن المثال ليس لهم، والدرس لا يعنيهم هم، فهم أقوى بفرقتهم، وأشد على العدو باختلافهم، وأكثر صبراً وأشد ثباتاً بمعاناة وتعذيب شعبهم، وتيئيس أهلهم، الذين هم في ظل قيادتهم التي لا تعي ولا تتعلم، أسوأ حالاً وأشد بؤساً وأكثر ألماً.

 

بيروت في 20/3/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط