كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رسالة هادئة إلى الفلسطينيين

رسالة هادئة إلى الفلسطينيين

تاريخ النشر: 2020-10-24 | 11:17

قد يرى البعض في هذا المقال أنه بعيد عن الاهتمامات العامة في مجال متابعة الأحداث الإقليمية والدولية الراهنة، وقد يكون هذا الأمر صحيحًا إلى حد ما، ولكن الواجب الوطني يفرض علينا أن نستمر في التركيز على القضية العربية المركزية وهي القضية الفلسطينية، وتوضيح مدى تأثرها باتفاقات التطبيع. وأعتقد أن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة المتخصصين المنصفين هو: كيف يمكن أن تؤدي اتفاقات التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية، والتي كان آخرها ما أعلن يوم 23 أكتوبر حول التطبيع الإسرائيلي-السوداني، إلى حل القضية الفلسطينية أو حل النزاع العربي الإسرائيلي؟.

عمومًا سوف أحاول في هذا المقال أن أجيب عن سؤال يأخذ منحى آخر ومفاده: ماذا يريد الفلسطينيون في خضم هذا الزخم وهذه المتغيرات المتسارعة التي من المؤكد أنها لا تتجه لتكون في صالحهم، ومن ثم كيف يمكن للفلسطينيين أن يمتلكوا الأدوات التي تمكّنهم من مجرد الصمود أو في أفضل الأحوال المواجهة؟ وفي رأيي أن أية أدوات فلسطينية محتملة أو ممكنة يجب ألا تخرج عن الإطار العام الذي يقبله المجتمع الدولي مهما كانت طبيعة الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.

ومن واجبي أن أشير إلى أن محاولتي التعرض إلى هذا الموضوع تنطلق من كوني مواطنًا مصريًّا متابعًا للملف الفلسطيني، ويعلم علم اليقين أن القضية الفلسطينية هي أحد أهم المؤثرات على الأمن القومي المصري، وأن علاقتنا بهذه القضية المحورية هي علاقة عضوية يشهد التاريخ على أنها كانت وما زالت وستظل أهم أولويات القيادة السياسية المصرية وأحد محاور سياستها الخارجية، بل إنها جزء لم ولن يتجزأ من الضمير المصري.

لم تغب القضية الفلسطينية يومًا عن الاهتمامات السياسية المصرية، ولعلي أضرب هنا مثالًا حديثًا يؤكد هذا التوجه، فقد حرص الرئيس “عبدالفتاح السيسي” خلال القمة الثلاثية المصرية-اليونانية-القبرصية التي عُقدت يوم 21 أكتوبر الجاري في قبرص، على التأكيد على ضرورة استمرار الجهود لتسوية القضية الفلسطينية على أساس مقررات الشرعية الدولية، وأهمية إنهاء حالة الجمود الراهنة، واستئناف المفاوضات سعيًا لتحقيق هذا الهدف المنشود.

ولن أكون متحيزًا عندما أؤكد أن مصر من أكثر الدول التي تحظى بثقة كافة الأطياف الفلسطينية، بل وكافة الأطراف الأخرى المعنية بالقضية، وأعتقد أنني لن أضيف جديدًا عندما أتحدث عن مدى تمسك مصر بالثوابت الفلسطينية، وتأكيد الرئيس “السيسي” أكثر من مرة وعن قناعة كاملة بأن مصر لن تقبل إلا ما يقبله الفلسطينيون وسوف ترفض ما يرفضونه، وأنا على يقين بأن هذا المبدأ لم ولن يتغير مهما كانت الظروف.

من المهم أن نستذكر -ولو قليلًا- الدور المصري في بعض جوانب القضية، حيث احتضنت مصر لسنوات طويلة عشرات الاجتماعات بين الفصائل الفلسطينية حتى تم التوصل إلى الاتفاق التاريخي الشامل للمصالحة في القاهرة في الرابع من مايو عام 2011، وإنجاز صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل في نوفمبر 2011، وكذا نجاح مصر في وقف الحروب الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة أعوام 2009 و2012 و2015، بالإضافة إلى عقد مؤتمرين دوليين لإعمار غزة في شرم الشيخ 2010 والقاهرة 2015، وهي كلها تمثل بعض النماذج الفاعلة في طبيعة الحركة المصرية تجاه القضية الفلسطينية.

وتجدر الإشارة إلى أن مصر لم تعارض يومًا ما أي تحرك يمكن أن تقوم به أية دولة على المستويين الإقليمي والدولي إزاء القضية الفلسطينية ما دام هذا التحرك سيصب في النهاية لصالح الفلسطينيين، كما كانت مصر حريصة دائمًا على ألا تمثل قيدًا على التحركات الفلسطينية الخارجية، بل ترحب بها وتدعمها في إطار ما يمكن أن تؤدي إليه فقط من دعم للقضية أو تسهيل الحياة المعيشية للفلسطينيين.

وهنا أعود إلى السؤال الذي طرحته في البداية وهو: ماذا يريد الفلسطينيون في الوقت الذي تحيط بهم مجموعة من العوامل شديدة الصعوبة؟ أذكر منها العوامل الخمسة التالية:

العامل الأول: استمرار حالة الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني الذي دخل عامه الرابع عشر وما زالت الأمور لم تراوح مكانها دون أي تقدم يمكن أن ينهي هذه الكارثة.

العامل الثاني: وجود حكومة إسرائيلية يقودها “نتنياهو” أقل ما يقال عنها إنها لا ترى أي أفق يمكن أن يؤدي إلى تنفيذ مبدأ حل الدولتين، وأن أقصى مرونة يمكن أن تقدمها تتمثل في تنفيذ خطة السلام الأمريكية التي تقدم حلًا منقوصًا تمامًا للقضية الفلسطينية يصب في صالح متطلبات الأمن الإسرائيلي فقط.

العامل الثالث: أن الأرض الفلسطينية يلتهمها الاستيطان الإسرائيلي الذي لم يتوقف بل تزايد منذ طرح خطة السلام الأمريكية في يناير عام 2020، ثم ازدادت وتيرته بشكل أكبر خلال شهر أكتوبر الجاري (الموافقة على بناء حوالي 12 ألف وحدة سكنية منذ بداية العام، من بينها حوالي خمسة آلاف وحدة استيطانية خلال الأسبوع الماضي فقط).

العامل الرابع: أن مسألة ضم منطقة غور الأردن تسير بشكل ممنهج، وبدلًا من إعلان إسرائيل الضم الرسمي لهذه المنطقة تقوم بتغيير الواقع على الأرض تدريجيًّا وعلنيًّا دون أن تلغي من أجندتها عملية الضم التي ستتم في الوقت الذي تراه مناسبًا.

العامل الخامس: أن قطار التطبيع الإسرائيلي العربي الذي انطلق مؤخرًا يسير قدمًا إلى الأمام بدون أية معوقات، وتلحق به الدولة تلو الأخرى، ولم يصبح للفلسطينيين -للأسف- موقع مؤثر قادر على أن يغير هذا الواقع سوى مراقبة هذا الموقف المتسارع.

وقد يكون من المهم أن أشير إلى أن أحد الأبعاد الرئيسية المرتبطة بتصعيد إسرائيل سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية -بصفة عامة- ومدينة القدس الشرقية -بصفة خاصة- يتمثل في أن “نتنياهو” يهدف من جراء هذه السياسة إلى توصيل رسالتين هامتين: الأولى موجهة إلى اليمين الإسرائيلي بأن سياسة الاستيطان لن تتوقف تحت أية ظروف، والرسالة الثانية -وهي الأهم- ومفادها أن اتفاقات التطبيع الأخيرة مع الإمارات والبحرين والسودان حتى وإن ساهمت في تعليق الضم الرسمي لمنطقة غور الأردن لفترة مؤقتة إلا أنها لن تمنع إقدام إسرائيل على مواصلة سياساتها الاستيطانية.

وما زالت قناعتي الكاملة تتمثل في أنه بالقدر الذي يرفض فيه الفلسطينيون “صفقة القرن” فإنهم يرفضون أيضًا فكرة الدولة الواحدة، تلك الفكرة الخبيثة الخادعة التي لا تهدف إلا لإنهاء القضية الفلسطينية تمامًا، مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل نفسها لا يمكن أن توافق على هذه الفكرة إلا إذا تيقنت من أن الفلسطينيين سيكونون مجرد مواطنين من الدرجة الثانية ليست لديهم أية حقوق، ويعيشون في ظل دولة يهودية، وهو أمر من المستحيل أن يوافق عليه الفلسطينيون تحت أية ظروف، ولديهم بالطبع كل الحق.

وبالتالي، فمع وضوح الموقف الحالي، إسرائيليًا وعربيًا وأمريكيًا ودوليًا، فإني أرجو أن يفكر الفلسطينيون في الخطوتين التاليتين:

الخطوة الأولى: ضرورة أن يَظهر الفلسطينيون في إطار وحدة موقف سياسي تنصهر فيه مواقف ثلاثية السلطة الفلسطينية والتنظيمات والفصائل والشعب الفلسطيني حتى لا يتركوا أي مجال أمام أية انتقادات أو اتجاهات تحاول تقسيم الفلسطينيين إلى أكثر من قطاع، ولا يمكن لي أن أنفي هنا استمرار وجود خلافات في وجهات النظر على الساحة الفلسطينية، ولكن الأمر الجيد والمطلوب أن هذه الخلافات بعيدة تمامًا عن الثوابت المعروفة، وخاصة إزاء قضيتي القدس واللاجئين.

الخطوة الثانية: ضرورة أن يحرص الفلسطينيون على عدم خسارة أو فقدان الحاضنة العربية مهما كانت طبيعة المشكلات الحالية، حيث إن هذه الحاضنة -سواء كلها أو معظمها أو أركانها الرئيسية- يجب أن تظل قائمة وحاضرة بل وضرورية مهما تعرضت لمشكلات أو اختراقات.

وبالتالي، ففي رأيي أنه ليس أمام الفلسطينيين خلال هذه المرحلة سوى التركيز على عنصر رئيسي واحد وهو إنجاز المصالحة، وإنهاء الانقسام، ومحاولة ترجمة الزخم الإيجابي الذي بدأ باجتماع الأمناء العامين للفصائل في الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي، واللقاءات التي تمت في أعقابه، وترجمة كل ذلك إلى إجراءات تنفيذية.

كما أن الحديث المتواتر حول وجود معوقات وأطراف لا تريد المصالحة يجب أن ينتهي تمامًا من القاموس الفلسطيني، ويسقط عند أقدام المسئولية الفلسطينية والمصلحة العليا، وهو ما يعني أنه بدون تحقيق المصالحة فعليًا وواقعيًا على الأرض فليس أمام الفلسطينيين إلا أن يلوموا أنفسهم، خاصة في ضوء ما يلي:

أن الأطراف التي تنتقد الموقف الفلسطيني تستند إلى فشل السلطة والفصائل في الوصول إلى إنهاء الانقسام رغم وجود اتفاقات مسبقة لحل هذه المشكلة.

أن إسرائيل ما زالت تتذرع بأنه من الصعب استئناف عملية السلام مع سلطة فلسطينية منقسمة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

أن إسرائيل حريصة على أن يستمر الانقسام الفلسطيني، وأن تظل حماس مسيطرة على الأوضاع في قطاع غزة، بل من المؤكد أن إسرائيل لا مانع لديها من أن ترى غزة دويلة فلسطينية مستقلة.

أن استمرار الانقسام لا يُضعف الموقف الفلسطيني فقط، بل يُضعف الموقف العربي ككل، ويسقط عن العرب الحجج اللازمة للدفاع عن الموقف الفلسطيني.

أن مصر المفوضة من الجامعة العربية بملف المصالحة على استعداد لبذل كل الجهود المطلوبة من أجل تطبيق اتفاقات المصالحة في أقرب وقت ممكن.

الخلاصة كما أراها ولن أتوقف عن ترديدها في كل محفل، أن على الفلسطينيين -قيادةً وفصائلَ وشعبًا- أن يمتلكوا زمام المبادرة الآن، وبدء الإجراءات الضرورية لإنهاء الانقسام، فهذه هي الرسالة الوحيدة أو الرئيسية التي بحوزتهم والتي يمكن من خلالها مخاطبة كل دول العالم بأن الفلسطينيين قد توحدوا مرة أخرى، وأن خلافاتهم الداخلية قد انتهت إلى غير رجعة، وأنهم أصبحوا أكثر قوة في مواجهة “صفقة القرن” وسياسات الاستيطان والضم والتطبيع، وبالتالي لن يسمحوا لأي طرف أن يزايد عليهم، أو يفرض عليهم تسوية لا تلبي مطالبهم المشروعة.

وفي رأيي، إذا تحققت هذه المصالحة، وهي مسئولية فلسطينية-فلسطينية بامتياز، فمن المؤكد أننا سوف نشهد متغيرات إيجابية سوف تصب في صالح الموقف الفلسطيني، أما دون ذلك واستمرار بقاء الوضع الفلسطيني على حالة الانقسام فلن نجد سوى مزيد من التطبيع الإسرائيلي العربي والإسلامي، ليس ذلك فقط بل سنجد إجراءات تنفيذ “صفقة القرن” تتسارع على الأرض الفلسطينية العربية بكل جوانبها، ولعلي لن أكون مبالغًا إذا ما قلت إن الطريق إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية يمر فقط عبر باب المصالحة وإنهاء الانقسام.

عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط