كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رصاصة الفراشة وصورة "إسرائيل"

لم يكن قد مضىت بضع ساعات على حرق الطفل الفلسطيني الرضيع علي سعد الدوابشة (18 شهراً) في قرية دوما بنابلس (شمالي الضفة الغربية) على يد مستوطنين «إسرائيليين» متطرّفين ومتعصّبين، بل ومتعطّشين للدماء، حتى أقدم جندي «إسرائيلي» على جريمة جديدة، حين أطلق النار على الفتى الفلسطيني ليث فضل الخالدي، (16 عاماً) على أحد الحواجز «الإسرائيلية» المقامة بين القرى الفلسطينية.
هاتان الجريمتان اللتان ارتكبتا بدم بارد، هما جزء من سلسلة متّصلة من الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات العشر المنصرمة التي بلغت 11 ألف اعتداء، حيث قتل في الشهور الماضية أكثر من 30 فلسطينياً، منهم الوزير زياد أبو عين، وقبل أيام قامت مجموعات مسلحة من المستوطنين بحرق منزلين أثناء نوم أصحابهما، وأصيب هؤلاء جميعاً بحروق متفاوتة، مثلما تخترق رصاصة الفراشة ظهر الفتى ليث فضل الخالدي وترديه قتيلاً.
وترتكب هذه الجرائم سواء في القدس الشرقية أو في الضفة الغربية في وضح النهار، وتحت حماية حكومية، سواءً بتقديم التسهيلات أو حماية المرتكبين، الأمر الذي يعني تصاعد الطبيعة العنصرية للاحتلال «الإسرائيلي»، وفقاً لتصنيف لجنة الأمم المتحدة للقضاء على أشكال التمييز العنصري كافة. فالاستيطان بحد ذاته يعتبر جريمة حسب القانون الدولي وبروتوكولي جنيف لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف، فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولأحكام القانون الدولي الإنساني، لاسيّما معاملة المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال، كما تنصّ على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة الصادرة عن الأمم المتحدة في 12 أغسطس/آب 1949.
ولم تتردّد صحيفة "الإندبندنت" البريطانية في وصف حرق الرضيع الفلسطيني علي الدوابشة، بأنه فاجعة تاريخية، وأن المستوطنين هم مرآة تعكس صورة «إسرائيل». والفاجعة لا تتعلق بقتل طفل أو بسنّ الضحية، ولكن دلالاتها هي المهمة، لاسيّما الكشف عن ساديّة لا مثيل لها من جانب المستوطنين «المستعْمِرين» إزاء الفلسطينيين المدنيين العزّل، من دون أن تتحرك السلطات «الإسرائيلية» لكبح جماحهم، مثلما اعترف به الرئيس «الإسرائيلي» رؤوفين ريفلين، حسبما ذكرت الصحيفة.
الإرهاب «الإسرائيلي» الحالي يجد مسوّغاته بغطاء ديني، خصوصاً عندما يتم تبريره وشرعنته من حاخامات متطرفين دأبوا على التحريض عليه، أو من سياسيين لا يتورّعون عن الدعوة لقتل الفلسطينيين، وقد كشف كتاب «توراة الملك» الذي صدر في العام 2009، وهو من تأليف الحاخامين إسحاق شابيرا ويوسف إليتسور، كما ذكرت مقالة تحليلية للصحيفة، الطبيعة العنصرية للممارسات «الإسرائيلية» التي تحاول التستّر بالدين. ويدعي هذان الحاخامان أن الشريعة اليهودية تسمح بقتل الأطفال غير اليهود لأنهم يشكّلون خطراً مستقبلياً. وبلا أدنى شك فإن مثل هذا التحريض العنصري، ليس دعوة للكراهية والانتقام والحقد والكيدية فحسب، بل لممارسة القتل جهاراً نهاراً بحق الأطفال العزّل، لاسيّما بتبرير العنصرية.
إن هدف المتطرّفين ليس حرق الطفل الرضيع ووالده وقتل الفتى الفلسطيني، بل الإساءة إلى العرب وإذلال الفلسطينيين، وبالطبع فهذه ليست جرائم فردية، وإنما هي جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وهو ما يذكّرنا بما قاله شارون "... وأقسم بأن أحرق كل فلسطيني يولد في هذه المنطقة"، فالمشكلة ليست بالأفراد المتطرّفين والإرهابيين، وإنما في دولة تأسست على الإرهاب والعنف والتطرّف منذ نشأتها، وعلى لسان قادتها كوزيرة العدل «الإسرائيلية» إيليت شاكيد التي قالت رداً على حرق الطفل: «الأطفال الفلسطينيون ثعابين صغيرة نقتلها قبل أن تكبر»، كما دعت إلى إبادة الشعب الفلسطيني، خصوصاً الأمهات «لأنهن ينجبن إرهابيين وثعابين صغاراً».
نقول، إن مثل هذه الجرائم ليست فردية، إذْ شكّل المستوطنون مجموعات إرهابية ومن أبرزها منظمة «تدفيع الثمن»، التي قامت بمئات الاعتداءات السابقة التي لا تختلف عن جرائم «داعش» بحق العراقيين والسوريين، ولعلّ جرائم "دواعش" الصهيونية لا تقوم بالقتل وتدمير الكنائس والمساجد والمباني والمنشآت فوق رؤوس أصحابها فحسب، وهو ما يقوم به المتطرفون، بل تعمد إلى عمليات إبادة، تلك التي يتولاها الجيش «الإسرائيلي»، كما حصل في العدوان على غزة، ثلاث مرات خلال 6 سنوات ونيّف فقط، وسبقها العدوان على لبنان الذي استمر 33 يوماً العام 2006.
وقد أشعلت حادثة حرق الطفل الفلسطيني فتيل الغضب في جمعة حزينة حين تصاعدت المواجهات الفلسطينية مع «الإسرائيليين»، علماً بأن ردة الفعل العربية كانت باهتة، ونبرة الغرب كانت خافتة في إدانة الإجرام «الإسرائيلي»، والأمر استمر بالتناقص منذ حرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس/آب العام 1969. إن الهدف من هذه الارتكابات هو دفع الفلسطينيين إلى ترك البلاد والهجرة، خصوصاً عندما تصبح أبسط مستلزمات الحياة عصيّة، بل ومنعدمة، لاسيّما أجواء العزلة المفروضة عليهم والمحاطة بالمستوطنات والمعسكرات والحواجز.
السلطة الفلسطينية اكتفت بتقديم وزير خارجيتها رياض المالكي ملفّاً خاصاً إلى المحكمة الجنائية الدولية، يتعلّق بحادثة حرق الطفل الفلسطيني الدوابشة. جدير بالذكر إن فلسطين التي قبلت عضواً في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني العام 2012، تقدّمت بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في العام 2014، وجرى قبولها في 1 إبريل/نيسان العام 2015.
وفي رسالة من والد الشهيد ليث فضل الخالدي إلى جامعة اللاّعنف جاء فيها ما معناه: حتى بعد رحيل ولدنا فإن قرارنا هو «الاستمرار في نضالنا اللاّعنفي» والمطالبة بحقنا، وطلبت الرسالة: مشاركتهم في النضال والمقاومة للاحتلال وضد الظلم الواقع عليهم، كما قرّروا التوجّه إلى المحافل الدولية وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، بهدف ملاحقة المرتكبين، بالوسائل القانونية الشرعية، خصوصاً وهم يعدّون ملفّاً عن الحادثة، ويمكن للسلطة الفلسطينية أن تضمّه إلى الملفّات الخاصة بالجرائم «الإسرائيلية»، وتقوم بتقديمه إلى المحكمة، كما حصل في قضية الطفل الرضيع علي سعد الدوابشة. رسالة والد الشهيد ليث، اطّلعت عليها، وأجرت في ضوئها د. أوغاريت يونان مؤسسة الجامعة وكاتب السطور، اتصالاً خاصاً مع والد الشهيد الخالدي ووالدته، في رام الله.
حتى بعد مقتل قرّة عينها، اختارت عائلة الخالدي المقاومة باللاّعنف، وهو خيار جدير بالاحترام، إنه خيار للنضال ضد الظلم ولردع العدوان ومنع قتل الأطفال، وطلبت عائلة الشهيد من الجامعة كإدارة تبنّي القضية، والبدء بتحضير مراجعة قانونية دولية لمحاكمة الظالمين، وكأساتذة ومحاضرين المشاركة في هذه القضية، وطلبوا من الأصدقاء والزملاء الطلبة، المشاركة من خلال دراسة الحالة والتفكير في تقديم مقترحات لا عنفية لاسترداد الحق ولمنع استمرار وقوع الظلم، كما جاء في رسالة والد الشهيد ليث.
ولعلّ مبادرة من هذا النوع تحتاج إلى جهود كبيرة، حيث يمكن التقدّم إلى المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تقديم لائحة اتهام إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بالتعويض، كجزء من الإدانة لارتكابات «إسرائيل»، كما يمكن التقدّم وعبر منظمات دولية وأصدقاء من مختلف البلدان الأوروبية بدعاوى ضد المرتكبين في بلدان، مثل إسبانيا وبلجيكا وبريطانيا وألمانيا وكندا، وغيرها من البلدان، التي تسمح قوانينها بالتقدّم بدعوى للتحقيق في حالة زيارة المرتكبين لهذه البلدان، بغضّ النظر عن جنسيتهم ومكان وقوع الجريمة.
كما يمكن تقديم ملف خاص إلى المنظمات الدولية، وفي مقدمتها المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، وإلى الاتحاد الأوروبي، وإلى المنظمات الدولية غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية (لندن)، ومرصد حقوق الإنسان (واشنطن) والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (باريس) والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة)، وغيرها بهدف تعبئة الرأي العام، خصوصاً الحقوقي ضد انتهاكات «إسرائيل» وعدوانها وجرائمها.
وإذا كانت عملية الحرق مسألة قديمة لجأ إليها المستوطنون، فإن استخدام رصاصة الفراشة، مسألة جديدة، لاسيّما حين تنفجر هذه الرصاصة في الجسم لتمزّق شرايين الضحية وأمعاءه وتقضي عليه في الحال، وهو ما حصل لليث فضل الخالدي.
أوَليس تلك نازية جديدة، عاناها اليهود أنفسهم؟ لكن المرتكبين لا يتّعظون من الماضي، وليس بمقدورهم رؤية المستقبل، خصوصاً عندما يركبهم الغرور والاستعلاء، وحينما تأكلهم نار الكراهية والحقد، ويتصرّفون على نحو بربري ولا إنساني، لا يعرفون سوى القوة وإذلال الآخر وسلب حقوقه، وتلك هي صورة «إسرائيل».
عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط