كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رصد مقتضب للنص النقدي الحديث..في ظل تموقعاته في خانة التقصير..

رصد مقتضب للنص النقدي الحديث..في ظل تموقعاته في خانة التقصير..

تاريخ النشر: 2024-12-03 | 14:59

-ما على النقد الأدبي-كفكر و فن وعلم-الإ أن يكون في مستوى التحدي وفي طليعة هذه -الثورة الثقافية الشاملة -كي يسجّل بحضوره الفعال علامة مضيئة في طريق التحول ومنعطف الإنتقال..” (الكاتب)

 

قد لا أجانب الصواب إذا قلت،أنّ الأدب يسبق النقد،فلولا وجود الأدب لما وُجد النقد الأدبي، فالأدب صنعة إبداعية والنقد هو الذوق لذلك الإبداع. الأديب مُطالب بالتعبير الإبداعي والناقد مُطالب بنقد ذلك التعبير بموضوعية وحيادية،وبما أن الأدب إبداع فيفترض أن يكون النقد إبداعاً هو الآخر.

يُعد النقد الأدبي عملية تحليل وتفسير وتقييم الأعمال الأدبية،وتتم عملية النقد من خلال أربع مراحل،وهي الملاحظة والتحليل والتفسير والتقييم.يتم في المرحلة الأولى قراءة النص الأدبي ومحاولة فهم معناه،ويقوم الناقد في المرحلة الثانية بتحليل النص الأدبي وتفكيكه إلى عناصره الأولية ومعرفة طريقة تنظيم الأجزاء مع بعضها البعض. في المرحلة الثالثة يشرح الناقد العلاقة بين الأجزاء والعناصر ومعرفة ما يود المؤلف قوله،وأخيراً يُصدر حُكمه المبنى على فهمه للنص ككل.

يركز النقد الأدبي على تقييم الجوانب الجيدة والرديئة في النص،أي أنه لا يقتصر على البحث عن عيوب النص فقط،وتكون هنالك أُسس ومعايير يرجع إليها الناقد أثناء تحليله للنص الأدبي، إلا أن عملية النقد أحياناً تُعبر عن وجهة نظر القارئ لما يحدث في النص،فقد يرتاح قارئ ما لنص ما وقد لا تعجبه بعض الأشياء في النص نفسه،فما يَعد جيد وجميل لقارئ معين قد يكون غير لائق وغير جميل لقارئ آخر.قد لا يلقى نص ما رواجًا وقبولاً بين مجتمع القُراء في زمن ما،وربما يقفز قفزة نوعية في زمن آخر.

على سبيل المثال،لم تلق رواية (موبي ديك) للكاتب الأمريكي هرمان ملفيل التي نشرت عام 1851م القبول بعد صدورها مما جعل كاتبها يشعر بخيبة الأمل،فقضى بقية حياته موظفاً بسيطاً،ويموت مجهولاً في نهاية القرن التاسع عشر.

في القرن العشرين بدأ النقاد وأساتذة الجامعات يهتمون بهذه الرواية وصاروا يكتبون عن جمالياتها مما جعلها تحتل مكانة مرموقة بين الروايات العالمية،وبالمثل لم تلق رواية غاتسبي العظيم (1925) للروائي الأمريكي إف سكوت فتزجيرالد القبول في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي،لتتحول في الخمسينات إلى تُحفة فنية. وفي السبيعينيات تُعد من روايات فحول الأدب الأمريكي وتحتل المرتبة الثانية بين أفضل مائة رواية أمريكية وفقاً لتصنيف المكتبة الحديثة (Modern Library) في أمريكا.

إن معرفة المعنى الحقيقي للنص والمُراد منه أمرٌ ليس سهلًا،وهذا ما يجعل دراسة الأدب مُعقدة ومُمتعة في الوقت نفسه،ولذلك يُعد النص الأدبي مصدر للتأمل والجدل غير المنتهيين،حيث يتنافس النقاد في تقديم قراءات وتفسيرات مقنعة للنص كما يراها كل منهم من منظوره.

 قد تكون هذه التفسيرات مستقاه من النص نفسه أو من كل ما يحيط بالنص. 

هنا يمكننا أن ننوه إلى أن النقد الأدبي مر بتحولات عديدة،فقد كان تركيزه على المؤلف وتحول إلى النص ثم تحول أخيرًا إلى القارئ،وهذا ما أدى إلى ظهور العديد من المناهج النقدية، خاصةً في القرن العشرين ومنها النقد النسوي والماركسي ومدرسة النقد الجديد ونقد استجابة القارئ والنقد البنيوي والنقد التفكيكي.

 النقد النسوي

يدرس النقد النسوي الطرق التي تكشف الاضطهاد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنفسي للنساء وما إذا كان  الأدب يُعزز هذا الاضطهاد أو يقف ضده. ينظر الناقد إلى النص بطريقة مختلفة عن تلك الطريقة الذكورية التي ظلت مهيمنة على النص لفترة طويلة من الزمن،ويهتم النقد الماركسي بإعادة بناء الماضي على شواهد تاريخية لمعرفة إلى أي مدى يكون النص الأدبي تشييدًا دقيقًا وصحيحًا للواقع الاجتماعي في فترة زمنية معينة.ويرى أصحاب المنهج البنيوي أن الأدب نظام دلالي ثانوي يستخدم النظام البنائي (اللغة) الأولي كأداة،ويري فردناند دي سوسير (مؤسس البنيوية) أن اللغة نظام مستقل بذاته له قواعده الداخلية وهو بهذا يعارض الرأي الذي يقول أن وجود الأشياء في هذا العالم هو الذي يحدد طبيعة اللغة.

لذلك،يُركز النقد البنيوي على التحليل الداخلي للنص،وبالمثل تهتم مدرسة النقد الجديد بالنص ولا شيء غير النص،مستبعدة دور المؤلف أو أي تضمينات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية أو نفسية. 

على العكس من ذلك يرى أصحاب النقد التفكيكي أن هناك تفسيرات لا حصر لها للنص وأن المعنى يكمن في القارئ ولا يحدده المؤلف.وبشكل مُشابه يهتم نقد استجابة القارئ بمعرفة استجابات القُراء للنصوص التي يقرؤونها، وكما أنهم يمتلكون شخصيات أيديولوجية وسياسية مختلفة فإن قراءاتهم للنصوص ستختلف حتمًا. 

أدى ظهور هذه المدرسة إلى ضرورة وجود نظرية نقدية تهتم بتأسيس قواعد عامة تُوضح عمل الأدب والنقد معاً. 

وهنا يجب أن نفرق بين النظرية النقدية (المرتبطة بمدرسة فرانكفورت) التي تُعنى بدراسة الثقافة والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية وبين النظرية النقدية الأدبية.

إن ما يفضي إليه الرصد المقتضب للخطاب النقدي الحديث استتباعا لما تقدّم هو أن النص النقدي يتموقع في خانة التقصير-التي يعسر الخروج منها بغير السعي الحثيث إلى أن يكون همزة وصل بين نهضتنا والحضارة الحديثة في العالم،وهذا يقتضي منه “النضال” بقدر ما يستطيع في سبيل المشاركة الفعلية في نبض العالم بالإنتاج والعطاء،لا بالإستهلاك أو النقل لاسيما وأن الثقافة لم تنته بعد بانتهاء الحضارة الغربية أو انقطاع العطاء الغربي للحضارة بتعبير أدق .

على أية حال،بقليل من التفاؤل وبمنآى كذلك عن التعسفية أو الإسقاطية الذاتية أقول : إن النقد العربي الحديث قد حقّق بعض النجاحات سوى بتحويل مجموع اجتهاداته إلى “حركة من تيارات” لا مجرد التماعات فردية،أو بإقترابه الجسور من جوهر التجربة الأدبية المحلية،أو بإلتصاقه الحميم بالطبيعة الخاصة للأدب.و مع ذلك فليست النيات-على طيبتها-هي المقياس أو الحكم في مثل هذه المسألة ،بل الفعالية الإجرائية العملية في مقاربة النصوص الأدبية،وهي تتجلى في مدى اتساق المنهج البحثي وملاءمته للعمل الأدبي المتناول،و مدى إقناعه بتماسك طرحه وخصوبة نتائجه..

وما يجب الإشارة إليه في هذا السياق،هو أن القراءة الجادة هي التي تسعى إلى إخراج النص إلى عالم الممكن.فالقراءة ليست مسحا بصريا للنص،ولا تفسيرا معجميا لألفاظه واستنباطا لمعانيه المباشرة، فهي فعل خلَّاق/ كالإبداع نفسه يقوم على الهدم والبناء بدرجة أولى،وليست أبدا تقمصا لتجربة ما،ومن ثم،فإن تلقي الأدب يتطلب مرونة نظرية وذخيرة علمية.وعموما فإن عملية القراءة ينبغي أن لا تتجه نحو الألفاظ بمعزل عن سياق تأليفها،إذ من شأن هذا الإغفال أن يحجب عن القارئ إبداعيتها وفنيتها،ولهذا فإن فعل القراءة يقتضي من الباحث جهدا غير يسير،وهذا الجهد يتدرج عبر معرفة اللغة وتركيبها وضروب القول فيها. وتحقيق هذه الغايات يستدعي من القارئ خبرة تساعده على إدراك جمالية الإبداع.

و تظل المفارقة في حالة توالد مع الأصوات النقدية الجديدة التي تنحت دربها في الصخر بالأظافر،حتى أنها ” تؤسس لتحويل نقدنا العربي الحديث الى حركة قومية من ناحية وتخصصات نوعية من ناحية أخرى..الأمر الذي يشير ببطء شديد إلى إحتمالات نظرية أكثر شمولا في المدى المنظور (1).

على سبيل الخاتمة :

إن العمل الفني الجدير بصفة الإبداع هو ذاك الذي يصوغ جدلية العلاقة بين الماضي و الحاضر والمستقبل في حوار مجلجل ومساءلة عميقة . كما أن النقد المنهجي الجدير بصفة الإبداع هو أيضا ذاك الذي يعتقد في جدلية التطور التاريخي و ينآى عن التضخم النرجسي والأحكام المسقطة ليستشرف المستقبل بعمق وثبات.

و أخيرا،فإن التقصير في النقد العربي الحديث ليس خاصا بالنقاد كأفراد، بل كحركة نقدية عربية معاصرة شهدت إشراقات خلاقة على درب الإبداع،منذ فجر النهضة إلى مغيبها. 

وكل ما أقصده هنا،أننا غدونا نعيش في ظل متغيرات كونية كاسحة تعبق برائحة التحديات،إذ أننا على هذه الأرض في مفرق الطرق بين الإنسحاق خارج التاريخ أو الولادة الجديد في ” ثورة ثقافية ” تصحح التاريخ باشراكنا من جديد في العطاء الحضاري للعالم.وما على النقد الأدبي-كفكر و فن وعلم-الإ أن يكون في مستوى التحدي وفي طليعة هذه -الثورة الثقافية الشاملة -كي يسجّل بحضوره الفعال علامة مضيئة في طريق التحول ومنعطف الإنتقال..

ختاما،أقول : إن النقد الأدبي وليد معايشة وجدانية بالعمل الأدبي،وأنه نوع من الإبداع القائم على المعاناة،وأن عدة الناقد تكمن في البصيرة والأدوات المكتسبة،وأن الكتابة النقدية نوع من الاكتشاف.

1-الدكتور الراحل –غالي شكري- كتابه :سوسيولوجيا النقد العربي الحديث – ص 223.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط