كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رفح الخضراء.. اختبار مبكر لمستقبل غزة

رفح الخضراء.. اختبار مبكر لمستقبل غزة

تاريخ النشر: 2026-08-13 | 12:11

عبد الباري فياض
عبد الباري فياض

في رفح، تتواصل أعمال إزالة الأنقاض وتسوية الأرض وتهيئة المنطقة التي يشار إليها باسم «رفح الخضراء»، في واحدة من أولى الخطوات العملية على طريق إعادة البناء بعد الحرب. وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع ترتيبات يقودها «مجلس السلام» المرتبط بالخطة الأميركية للمرحلة التالية في قطاع غزة، وسط حديث عن بدء أعمال إعادة الإعمار خلال نحو ثلاثة أشهر. غير أن الانتقال من إزالة الركام إلى بناء مدينة جديدة يظل مرتبطًا بالسؤال الأصعب الذي لم تحسمه المفاوضات حتى الآن: من سيدير غزة، وبأي ترتيبات أمنية وسياسية، ومن يملك القرار في تحديد شكل المرحلة المقبلة؟

أهمية «رفح الخضراء» لا تكمن في حجم المشروع بقدر ما تكمن في احتمال تحولها إلى اختبار مبكر للنموذج الذي سيُستخدم لاحقًا في بقية غزة. فإعادة بناء مدينة أو منطقة كاملة تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وإدارة مدنية واضحة، وضمانات تسمح للجهات المانحة بالاستثمار لسنوات، لا لأشهر فقط. ولهذا فإن إزالة الأنقاض قد تكون بداية عملية، لكنها لا تعني بالضرورة أن الطريق إلى إعادة الإعمار الشامل أصبح مفتوحًا.

الصورة السياسية لا تزال أكثر تعقيدًا من المشهد العمراني. فخطة المرحلة المقبلة التي ترعاها الولايات المتحدة تقوم على سلسلة مترابطة من الخطوات، بينها نزع سلاح الفصائل، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة استقرار دولية تساعد في حفظ الأمن وتدريب الشرطة وتسهيل وصول المساعدات. وفي أحدث التطورات، أكدت مصادر أميركية أن الخطة لا تزال قائمة رغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه الانسحاب من غزة قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة، بينما تدفع الحركة باتجاه ربط ملف السلاح بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار.

وهنا تظهر الفجوة بين طموحات الإعمار وواقع السياسة. فإسرائيل تعتبر نزع السلاح شرطًا أساسيًا لضمان عدم عودة القتال، بينما ترى حماس أن التخلي عن أوراق القوة قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن الانسحاب ومستقبل القطاع قد يتركها أمام اتفاق لا تملك ضمانات كافية للالتزام بتنفيذه من جانب الطرف الآخر. وبين الموقفين تتعقد خطوات أخرى، من تشكيل الإدارة المدنية إلى نشر القوة الدولية، ليصبح الإعمار نفسه جزءًا من عملية التفاوض بدل أن يكون نتيجة طبيعية لنهايتها.

وفي هذا السياق، تواجه حماس اختبارًا سياسيًا لا يتعلق فقط بمصير السلاح، وإنما بقدرتها على الفصل بين حضورها السياسي وبين إدارة الحياة اليومية في القطاع. فالغموض حول مستقبل السلاح ينعكس على استعداد الأطراف الدولية لإطلاق برنامج إعمار واسع ومستقر، بينما يصعب في المقابل مطالبة الحركة بتقديم تنازلات أمنية كبيرة من دون مسار سياسي واضح وضمانات بشأن الانسحاب ومستقبل الحكم في غزة.

لذلك فإن فتح المجال أمام إدارة مدنية مهنية لا تكون امتدادًا لأي فصيل قد يكون أحد الشروط الضرورية للانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب. وهذا لا يعني إقصاء حماس من المشهد السياسي، بقدر ما يعني أن إدارة الخدمات والاقتصاد والأموال وإعادة الإعمار تحتاج إلى جهة مدنية واضحة، وإلى تقليص تعدد مراكز القرار داخل القطاع.

وفي الجهة المقابلة، لا تستطيع إسرائيل أن تتعامل مع إعادة إعمار غزة باعتبارها ملفًا أمنيًا يمكن التحكم به من خلال خرائط السيطرة.وأفادت تقارير حديثة بوجود موافقة إسرائيلية على أعمال تأهيل في أجزاء من رفح تقع خارج سيطرة حماس، في إطار ما يعرف بمشروع «رفح الخضراء». وتثير هذه الخطوة سؤالًا أساسيًا حول ما إذا كان البدء من منطقة محددة يمثل مدخلًا عمليًا لإعادة إعمار القطاع، أم أنه قد ينتج واقعًا جغرافيًا جديدًا يجعل فرص الإعمار مرتبطة بالمناطق التي تملك إسرائيل القدرة على التحكم في الوصول إليها.

إعادة إعمار رفح ليست مشكلة في حد ذاتها، بل قد تكون خطوة ضرورية بالنظر إلى حجم الدمار الذي لحق بالمدينة. لكن المشكلة تظهر إذا تحول المشروع من بداية لإعادة بناء غزة إلى نموذج منفصل لإدارة أجزاء منها. فالقطاع مساحة جغرافية واحدة، ومجتمع مترابط، وشبكة خدمات واقتصاد يحتاجان إلى إعادة تشغيل متكاملة، ولا يمكن أن تستمر عملية البناء بصورة مستقرة إذا بقيت مناطق واسعة منه عالقة في ترتيبات الحرب.

كما أن الحديث عن بدء البناء خلال ثلاثة أشهر ينبغي التعامل معه باعتباره هدفًا أو إطارًا زمنيًا متوقعًا، وليس موعدًا مضمونًا. فالفارق بين إزالة الأنقاض وإقامة بنية تحتية متكاملة كبير، وأي مشروع واسع سيحتاج إلى مواد بناء ومعدات وتمويل، فضلًا عن ضمانات أمنية وسياسية تسمح للمنظمات الدولية والشركات بالعمل دون انقطاع. ومن ثم فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الأطراف على تحويل الوعود إلى خطوات قابلة للتنفيذ.

ويظل الدور المصري والقطري مهمًا في دفع المفاوضات نحو ترتيبات قابلة للتطبيق، خصوصًا أن رفح ترتبط مباشرة بالحدود المصرية وبملفات المعابر وحركة السكان والمواد. ولهذا فإن أي تقدم في مشروع إعادة الإعمار سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بشكل التسوية السياسية والأمنية التي يجري التوصل إليها في القطاع.

وفي الوقت نفسه، سيبقى مستقبل الإدارة الفلسطينية للقطاع أحد المفاتيح الأساسية. فلا يمكن لمشروع إعادة إعمار بهذا الحجم أن ينجح في ظل غياب جهة مدنية واضحة تتولى الخدمات والاقتصاد والشرطة وإدارة الأموال. وقد تكون فكرة الإدارة التكنوقراطية الانتقالية محاولة لتجاوز الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية، لكنها لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تحظ بغطاء فلسطيني حقيقي، ولم تتحول إلى مجرد أداة لتنفيذ ترتيبات تفرضها الأطراف الخارجية.

أما القوة الدولية المقترحة، فنجاحها سيعتمد بدوره على وجود اتفاق سياسي واضح يحدد مهمتها وصلاحياتها وعلاقتها بالإدارة الفلسطينية وبالقوات الإسرائيلية. فمجرد نشر قوة على الأرض لن يحل مشكلة السلاح أو الانسحاب، لكنه قد يصبح عنصرًا مساعدًا إذا جاء ضمن تسوية متكاملة وقابلة للتنفيذ.

لهذا يمكن أن تكون «رفح الخضراء» فرصة حقيقية إذا جاءت ضمن خطة أوسع لإعادة إعمار القطاع كله، لا باعتبارها منطقة منفصلة تبدأ فيها الحياة بينما تبقى بقية غزة عالقة في ترتيبات الحرب. فالنجاح لن يقاس بعدد المباني التي ستقام، وإنما بقدرة المشروع على الارتباط بتسوية سياسية تضمن وحدة القطاع، وتحدد من يديره، ومن يضمن أمنه، وكيف يتم الانسحاب الإسرائيلي، وما موقع الفصائل الفلسطينية في المرحلة المقبلة.

ومن هنا تصبح رفح اختبارًا مبكرًا لمستقبل غزة. فإذا انتقلت أعمالها من إزالة الأنقاض إلى بناء مساكن وخدمات ضمن خطة تشمل بقية القطاع، فقد تصبح نموذجًا يمكن البناء عليه. أما إذا بقيت محصورة في منطقة تخضع لترتيبات أمنية وسياسية خاصة، فقد تتحول من مشروع لإعادة الإعمار إلى جزء من واقع جديد يجري تشكيله على الأرض. والسؤال في النهاية ليس أين يبدأ الإعمار، وإنما أي غزة ستنشأ عندما يبدأ البناء فعليًا.

 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط