كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"رمضان" على خارطة مُفزِعة

ما للمرارة والحامض الكاوي والرمل الناشف في حلوقنا؟ رغم شهقة التلقّي لشهر رمضان الكريم ؟ كأننا ننتظر تلك الطمأنينة والسكينة من خير الشهور ، عسى أن تبتلّ لهاتُنا بشَهْد الذّكْر ، والصبرِ على ما يمور من خراب ودم وتشريد وفرقة واقتتال وفتن وضلالات وكوارث ومفاسد وجنون ، على امتداد خارطتنا الكبيرة ، التي يومض كلُّ شيء فيها سريعاً نحو هاوية مرعبة ! 

وها إنّي أتحسّس دبقَ الشريان المفتوح ، مجّاناً ، على الأصابع المضطربة، والسخونةُ تهمُّ بالتلاشي ، والظمأُ عتيق .

ولا رعد فوق الخبب، يترنّح بجذعه ، ليُنادي الفارس وراء دغل البلح ، لأنه الغزال يتحسّس الموقدة المندلعة بشعاب الضوء ، وخياله الجامح يجتاح صدره بالنار ، ولا يرى زوابع الهلع التي تشلع المكانَ من مكانه !

أيّ موجة حارقة تلك المنداحة على سُكّرنا الأسود المرّ ؟ وعمّتنا النخلة تكدّ جدائلها اليابسة ، ليسقط عن ألواحها الحبّ المترمّد المذرور، إثر الحريق المدوّي الذي أخذ أعذاقها للعدم ؟

وما للطير ببراءة الغموض، يلفّه الخوف ، في غربة مجهولة ، وشجرهُ يسيل على الحواف كهرماناً من النسغ المشعوط ؟

ليس للبلّور المجعّد في هذا المدّ البعيد من صوت آخر ، سوى ما تدفعه الأعماق إلى البيوت المُرهقة المهدّمة العطشى ، وللشبكة المقطّعة التي تنوء بمخلوقات الليل المتغضّنة .

أيها المتفّرد ، المُعاكس للمشهد المتشقّق ، العميق الواسع الشهيّ المخيف ! ستفقد ملوحتك الثقيلة إنْ وصلت الدماء إلى صفحتك ، وصار لها لون غروب دميم ، وسنكون أمام شواطئك المهجورة  نبكي ، فلا صدى ، سوى ما يتهيّأ للمدّ من شراع يتهاوى في القيعان !

***

 وألفّ حولي ، فلا أجد في الوجه المتناسخ سوى سحنة مركّبة من ضدّين ، ولا اتساق في الملامح إلاّ ما يتماهى من قُبْح وشناعة ، مبطّنة بفولاذ معقّد ، وصلت غرابته اللسان والألوان والخطوات .

أيها الغُراب الذي فقد مشيته الراسخة على ترابه الأصل ! حان هامش الرماد الجشع ، الذي تحرسه شهوات النقيض ، وأحالته إلى مذابح لكل خلايا الحياة ، ليعيدك إلى ناووس العجز ، واللهاث وراء الصغائر ، وأسئلة الذات المبهمة .

ويا ليتني ذالك الفارس الذي أنصف الخيول ، وشرب من أعرافها عسل الكرامة والعدل . لكنني الموزّع في الملايين التائهة ، المفرومة باستراتيجيات البرامج ، ورغبات الكارتيلّات ، وأطماع المؤسسات الغريبة ، واستحقاقات تثبيت النير على الأكتاف، بعد أن صار المواطن المُسَرْنَم بلا رأس، أو يقع تحت اشتراطات الإقليم المبهظة ، التي تنازع الطفل دفتره ، والرضيع حليبه ، والمرأة شالها المسروق.

وما فتئت داحس تدقّ حافرها الشيطاني ، على عتبات القرى والحواضر، وتجنّح بزعيقها المصنوع الشائخ الكريه ، وقد تداخلت رماحنا المستوردة في نحورنا ، وسال دم الرُضّع على أقدام الطريق الموحل .

إن الحالة أكثر عمقاً وتعقيداً مما كنا نظنّ ! وإنّ الدائرة المُطبقة أكثر شراسة مما نعتقد ! وإنّ الأيدي التي تعيد تركيبنا مُرابية إلى حدّ الحريق والإلغاء .

فلا يغترّ راءٍ بأيّ معلّقة مهما سطعت وأشرقت ، ولا يردّد فمٌ أيَّ نشيد ، قبل أن يسبر غور المؤلّف والملحّن والبادئ بالغناء . إن هذا لا يعني تبريراً  للمذابح ! فلا مرافعة تجيز كل هذا السفْح والسفْك والمجازر ، التي تترى كلّ رمشة عين ، أو وجيبٍ أثقله النجيع .

وإن المتسيّد ، الغارب أو المشطوب ، ليس ابن إله مصفّى ، بل لعنة مكثفة ، أو أخطبوط مجنون ، أخرج الجغرافيا وما فيها وراء الزمان والمكان ، وترك الناس على حبل المشنقة يتلمّظون بالنزيف ، على جوعٍ  وجهل ومذلّة ومرض وانكسار . وهو ذريعة الخراب لأنه  الحاكم بأمر أسياده ، وهو الذي دعاهم الى وليمة المقدّرات ، وكانت أمُّه الذبيحةَ الطازجة .

ولا خلاصة نهائية ، نعصرها في فنجان ، لنبلغ الحقيقة أو الحكمة ، بقدر ما نقصد ضرورة التمعّن الهادئ الحصيف ، في المعروض من الحقوق والأعراض والأوردة المفتوحة ، أو في الرصاص الساديّ الغليظ ، الذي يفتت الشظايا المتبقية تحت أقدام المحتفل الآفل ، وكان يتهدّل على القطع المجزّأة ، مثل سالومي الراقصة حول رأس النبي المقطوع .

***

وبالفعل ، عندما يعود المحارب من المعركة ، يذهب لمقاتلة نفسه ، لأن " الأعداء" كانوا يشغلونه عن غيره الجوّاني والخارجي ، لكن الغرابة في أن المحاربين الأشقاء يتنازعون الغنائم قبل عدّها أو حتى امتلاكها تماماً ، ما يعني أن الأذْرع البعيدة هي التي تهندس الحرب ، أو تؤسس لرؤية مُريبة ، أو أننا لم نخرج بعدُ من مرحلة تعريف الذات ، أو تحديد الهدف ، أو أننا مهزومون لم نبلغ أهدافنا ، أو نقاتل لأننا نبحث عن الخلاص الشخصي .

ولا طهارة في كل ذلك ، غير ما تسكبه الأمّ من دمعٍ بريء على ولديْها وهما يتجالدان على طراوة الجثث المتراكمة ، في ادّعائهما للوصول إلى أفعى العرْش المجرمة .

وأعودُ من فجيعة الخلْق ، إلى حسرةٍ ، في كل ما تقع عليه بصيرتي ، فأحتشد بأوار، لا أجد متنفّساً له سوى الكلام ، الذي ينقذنا من كآبة المشاهد ، التي تسعى لاستعادة أناقتها ، رغم التلوّث ، الذي يحطّ أقدامه على ما تبقّى من زينة فطرية تغري الفَرس بالصهيل ، وإنْ كان وحشيّاً  أو مجروحاً ، مثل جرح الكرز ، في ظهيرة الحقول المنسيّة .

وأعود فلا أجد سوى أن أصرخ في وجه هذه المذبحة الهائلة ، مستعيناً بقوة الحياة ، والحضارة التي شوّهوها ، والإيمان الحاسم بأن هذا المخاض الدامي العنيف ، سيتجلى ولادةً لعيد أكبر من عيد الفطر الحزين ، والذي نرجو أن يكون أكثر قبولاً للبهجة.. الضائعة. 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط