كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رواية «الأخ الأكبر»

رواية «الأخ الأكبر»

تاريخ النشر: 2024-03-22 | 07:18

أدت صيرورة التقدم في عالمنا المعاصر إلى بروز العقلانية، وتراجع أو حتى اختفاء الكثير من الخرافات في عدد من التراثيات البشرية، ومن بينها على سبيل المثال، خرافة «طاقية الإخفاء» والشعوذة والسحر «الأسود» الذي ساد تراثيات اسكندنافية. ونشر الملك الاسكتلندي جيمس الرابع في أواخر القرن السادس عشر وثيقة حول السحر، وكيفية إبطال أفعاله الشريرة، ويذكر التاريخ أن بابا الفاتيكان، غريغوريوس السادس عشر، في القرن 19 حرَّم بناء خطوط السكك الحديدية، ووصف الطرق السريعة بأنها تؤدي إلى جهنم، وعارض إنارة الشوارع.

لكن هذا التقدم، بما فيه من ثورات صناعية وتكنولوجية متلاحقة، أنتج فلسفات ونزعات مادية غيَّبت الشعور المعنوي الإنساني، بالجمال وبالعدل وهدأة البال، كما غيَّبت الرؤية الروحية الشفافة للوجود، وحضرت برودة في العلاقات مع الآخرين، وهيمنت أنساق ثقافية تُؤَلِّه قيم السوق والثروة والسلطة، وخَلَقت مجتمع الاستهلاك الشره، ومجتمع الفُرجة الافتراضي الذي يقدم عوالم خيالية، كما أدت هذه النزعات المادية والتنافس السلبي لتوزيع غير متكافئ لمكاسب التعاون بين البشر والمجتمعات، إلى زيادة منسوب الفقر وعرقلة النمو في بلدان العالم الثالث، ونشوء حلقة مفرغة من «التفكير الصفري»، مما فاقم الصراعات الجيوسياسية وقوَّض الأمن والسلم والبيئة والرخاء المشترك في العالم.

وفي مثل هذه التغيرات وفي ظلها، تفلَّتت العولمة من أي عقال، وتركزت الثروة في أيدي الأقلية التي تزداد ثراءً وشرهاً عاماً بعد عام، حتى وصل الوضع إلى أن يعيش نصف سكان العالم على أقل من خمسة دولارات في اليوم، وأصبحت ثروة 26 شخصاً فقط من أكثر الأثرياء ثراءً، تعادل ثروة 3.8 مليار من سكان العالم مجتمعين. وكلما اتسعت الهُوة بين الأغنياء والفقراء، تفاقمت شدة التأزم والإحساس بالظلم والاحتقان الاجتماعي والشقاء والبؤس وانتشار الكراهية والعنف والقلق والمفاسد.

يبدو العالم في ظل هذه النزعات المادية المفرطة، وبأنساقها الثقافية، مسطحاً يفتقد إلى العدالة، التي هي أم القيم والفضائل، وحيث لا تنمو الحرية في واقع إنساني بعيد عن مقتضيات العدالة ومتطلباتها.

وفي عالم الأتمتة الفائقة، حيث صار الإنسان المعاصر مجرد حلقات في سلاسل مالية واستهلاكية وصراعية، تحضر إلى الذاكرة رواية «1984» التي ألَّفها جورج أورويل ونشرها قبل نحو 75 عاماً، ورسم فيها ملامح مخيفة وقاتمة للحياة في المستقبل وفق توقعاته وتخيله.

وتدور أحداثها المتخيلة حول آليات عمل الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية، حيث تختفي الحرية والحقائق والرحمة والعدالة، وتشتد الرقابة والتزوير والخوف، ومن أبرز شخصيات هذه الرواية شخصية «الأخ الأكبر» الذي يسيطر على المجتمع، ويأتمر الجميع، حزباً وشعباً، بأوامره، ووضع شاشات وكاميرات مراقبة في كل منزل وشارع ومتجر ومكتب، وكانت لديه أربع وزارات أو دوائر، فوزارة الحقيقة مسؤولة عن تزوير التاريخ والأخبار والإعلام، ووزارة السلام كانت متخصصة في شن الحروب الهمجية، ووزارة الغرام أو الحب مسؤولة عن إرهاب الناس، وتحويلهم إلى جواسيس بعضهم على بعض، وبث العداوة بينهم، وإثارة دائمة للرأي العام من خلال الشائعات وطمس الحقيقة، وبث الأفكار المضللة.

وفي الرواية عالم مخيف يعامل فيه البشر كقطيع من الأغنام، ويساقون إلى مصير مجهول.

وفي ظل هذا الوضع، يتخلَّق إنسان بلا أحلام أو حقوق أو رأي، وتعمُّ ثقافة اليأس والعجز عن التغيير والتطوير، ويسود القلق، وتموت روح الإنسان أو تذبل، ويتوقف ذلك الجريان المتدفق بالمشاعر الإنسانية بين البشر.

ويبدو أن حقيقة «الأخ الأكبر» في رواية «1984» قد باتت واقعية في عصر ثورة الاتصال والمعلومات، وتطبيقاتها المستجدة والجارفة، وبما تحمله من مفاجآت غير مسبوقة، وأصبح الخطر الذي يهدد حرية التعبير والرؤية النقدية واستقلال الرأي، لا يأتي فقط من ازدياد قوة الدولة المتسلطة، كما يظهر في الرواية المذكورة، بل قد يأتي أيضاً من سطوة نفوذ الشركات الكبرى العابرة للقارات والفضاءات والأفكار.

وها هو الهاتف المحمول، و«غوغل» و«فيسبوك» وأمثالها، فضلاً عن أنظمة التجسس والاختراق المختلفة، للمواقع الإلكترونية والحاسوب الآلي، وللبنى التحتية، وللأفراد والجماعات والمركبات، والشركات والنظم، إضافة إلى «إخوة كبار» يعرفون عن البشر أكثر مما تختزنه ذاكرتهم وأجنداتهم، يراقبونهم في الحل والترحال، ويوجهون خياراتهم.

قال صديقي، وهو يهاتفني: إنه قرر قضاء إجازة الصيف القادم في جزيرة تخلو من الإنترنت والهاتف وشاشات التلفزة، وما شابه ذلك من تقانه.

قلت له: هذا ما فعله جورج أورويل حينما كتب روايته قبل 75 عاماً في جزيرة جورا الاسكتلندية والنائية، وروي عنه قوله: «السياسيون في العالم كالقرود في الغابة، إذا تشاجروا أفسدوا الزرع، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول».

كما روي عنه، قوله: «إن ما يتم التعتيم عليه، هو في الغالب أعمق وأكثر أهمية مما يقال».

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط