كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رواية" الخاصرة الرخوة" أنوثةٌ تُجلد باسم الطهارة ووطنٌ يُستباح باسم الشرف.

رواية" الخاصرة الرخوة" أنوثةٌ تُجلد باسم الطهارة ووطنٌ يُستباح باسم الشرف.

تاريخ النشر: 2025-10-15 | 14:22

صدرت عام ٢٠٢٠ رواية "الخاصرة الرّخوة" للأديب المقدسيّ جميل السلحوت عن مكتبة كل شيء في حيفا.

 أولا: رواية تُشبه جرحنا الجمعي

في روايته «الخاصرة الرخوة»، لا يكتب جميل السلحوت عن امرأة واحدة، بل عن وطنٍ بكامله يتأرجح بين الخوف والعار، بين الدين والذنب، بين الموروث والكرامة.

الرواية تُعرّي البنية العميقة لمجتمعٍ عربيٍّ يمارس استعمارا داخليا ضد نسائه، بينما يرفع الشعارات الكبرى عن الحرية والمقاومة.

فجمانة — بطلة الرواية — ليست شخصية خيالية، بل وجه آخر لكل فتاةٍ فلسطينية أو عربية حوصرت باسم الفضيلة، فصمتت كي لا تُدان، ثم صارت الصمت نفسه تهمة جديدة.

منذ الصفحات الأولى، يضعنا السلحوت أمام معادلة موجعة:

“نحارب الاحتلال الخارجي، لكننا نصنع احتلالا داخليّا أشد قسوة.”

 ثانيا: من مشهد الخطبة إلى لحظة الاغتصاب تطور درامي يفضح السلطة.

يبني السلحوت روايته عبر تصعيدٍ سردي ذكيّ: يبدأ بالبساطة المألوفة -" جاهة"، أب، إمام، بنات في البيت، حديث عن الستر-  ثم يُحوّل المألوف إلى مأساة.

حين ترفض جمانة الزواج المبكر، يُقال لها:" البنت ما إلها رأي؛.

وحين توافق مكرهة، تُغتصب بعد العقد باسم “الحق الشرعي”.

الكاتب لا يرفع صوته، بل يجعل الحدث نفسه يصرخ؛ لأن الجريمة المغلّفة بالشرع لا تحتاج إلى صوت مرتفع، بل إلى ضمير حيّ.

الرواية هنا ليست عن “ذكرٍ يظلم أنثى”، بل عن نظام ثقافيّ يزوّر الأخلاق. كل شخصية تُشارك في الجريمة — الأب الذي يسكت ضميره باسم الخوف، الإمام الذي يبرّر باسم النص، الأمّ التي تبرّر باسم العرف، والمجتمع الذي يغسل يديه باسم الله.

 ثالثا: علم النفس في الرواية – المرأة ككائن يتنفس الذنب.

يُعيد السلحوت تشكيل جمانة من الداخل. هي ليست ضحية جاهلة، بل مثقفة تعرف أنها تُغتصب مرّتين: مرّة بالجسد، ومرة بالمعنى.

كل “نصيحة” تُقال لها تُغرس في وعيها كخطيئة، وكل آيةٍتُتلى أمامها تُحوَّل من وعدٍ بالرحمة إلى سيف على رقبتها.

في التحليل النفسي، ما تعيشه جمانة هو ما يسميه" لاكان" الاغتراب الرمزي:

أن تفقد قدرتك على تعريف نفسك لأن الآخر (الأب، الزوج، المجتمع) هو من يملك اللغة التي تُسمّيك.

وحين لا تملك المرأة لغتها، تصبح مجرد “خاصرة رخوة” في خطاب الجماعة.

 رابعا: تفكيك الخطاب الديني – حين يتحوّل النص إلى أداة هيمنة

من أعظم جرأة السلحوت أنه لا يهاجم الدين، بل يهاجم احتكار تفسيره.

في مشهدٍ بالغ الرمزية، يحضر الإمام ليبارك الزواج ويقول إن “الستر فريضة”، فيسلب الكلمة من البنت ويمنحها للجماعة.

لكن الكاتب يُقلب المعادلة: يجعل القارئ يرى أن “السّتر” في الرواية ليس سوى دفنٍ للوعي.

هنا تتجلى براعة السلحوت في تفكيك الخطاب: هو يفضح كيف يُنتقى من النصّ ما يخدم السيطرة، بينما تُغيب المقاصد الكبرى للرحمة والكرامة والمودة.

بهذا المعنى، «الخاصرة الرخوة» ليست فقط نصّا أدبيّا، بل نقد لفقه الحياة اليومي الذي يُحوّل الأخلاق إلى قوانين تأديب، ويُصادر الحريّة باسم الفضيلة.

خامسا: البنية الرمزية – بين الجسد والقدس، بين الحلال والوجع.

الرموز في الرواية تعمل كشبكةٍ فكرية متكاملة;    

الرمز

الدلالة

العمق الفلسفي

الخاصرة الرخوة

موضع ضعف الأنثى

نقطة انهيار الوعي الجمعي الذي يخاف مواجهة ذاته.

المقدس: فضاء المقدّس المقهور الجسد/الوطن كلاهما يُغتصب تحت راية الطهر، العقد الشرعي قناع الهيمنة، الشرعية التي تفقد معناها الأخلاقي حين تغيب العدالة.

الجامعة: فضاء الوعي المكبوت، المعرفة كتهديدٍ لبنية القهر،القبلة القسرية، العلامة الأولى للاغتصاب المقدس

العلاقة بين العنف والحلال في الثقافة الذكورية، هذه الرموز تُشكّل شبكة من المرآة المزدوجة: كل مشهد اجتماعي في الرواية يعكس واقعًا سياسيًا. فالمرأة هنا ليست “الخاصرة” فحسب، بل جبهة الوعي الأولى في معركة التحرّر.

سادسا: الأسلوب واللغة – بلاغة الوجع وصدق الشهادة

لغة السلحوت ليست شعرية، لكنها مشحونة بطاقة صدقٍ مذهلة.

هو يكتب كما يتنفس الغضب. جمله قصيرة كطلقاتٍ مكتومة، يخلط بين السرد والاعتراف، بين القهر والصمت.

وكل سطرٍ في الرواية يبدو كأنه يُكتب بالدم لا بالحبر.

أسلوبه يقترب من الواقعية الأخلاقية الجديدة: واقعية لا تكتفي بالوصف، بل تُدين، وتفضح، وتُحاكم.

 

سابعا: فلسفة الرواية – من ملكية الجسد إلى حرية الروح

 

في العمق، هذه الرواية ليست عن زواجٍ قسريّ، بل عن معركة الإنسان ضد التشييء.

إنها بيان ضد تحويل المرأة إلى “أرضٍ تزرع”، وضد تحويل الزواج إلى عقد ملكية.

السلحوت يسأل القارئ — من خلال جمانة — سؤالًا أخلاقيًا قاطعًا:

“إن كان الحلال يُذلّ، فبأي حقٍّ ندعوه حلالًا؟”

وهنا تكمن عبقرية النص: أنه يُنقّي فكرة الدين من أوحال التسلّط، فيعيد الإنسان إلى جوهر العلاقة الإلهية — الرحمة لا القهر، الاختيار لا الإكراه، الوعي لا الخضوع.

✨ ثامنا: أهمية الرواية اليوم – لأننا ما زلنا نحاكم المرأة على جسدها.

«الخاصرة الرخوة» عملٌ يتجاوز الأدب إلى الاجتماع والسياسة واللاهوت. هو مرآة زمنٍ عربيٍّ يقدّس الشرف أكثر مما يحترم الإنسان. وفي زمنٍ تتجدد فيه جرائم “الشرف” وتُقتل النساء تحت مسمّى الفضيلة، تبدو الرواية أشبه بإنذارٍ ثقافيّ يقول لنا:

“إن لم نحرّر المرأة من خوفها، فلن نتحرّر نحن من هزيمتنا.”

 خاتمة: الكلمة التي تُنقذ الحياة

ليست “الخاصرة الرخوة” رواية عن امرأةٍ تُجلد، بل عن الوعي حين يبدأ بالتمرّد.

حين تُدرك جمانة أن صمتها شراكة في الجريمة، تختار الكلام.

وحين تتكلّم، تبدأ المعجزة: تتحوّل الأنثى من موضوعٍ للحديث إلى صاحبة حديثٍ.

وهذا هو النصر الحقيقي الذي تمنحه الرواية: أن تكتب المرأة مصيرها، لا يُكتب عنها.

“الستر الذي لا يترك للروح أن تتنفس… ليس عفةً، بل قبرٌ مؤجل.”

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط