كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رواية "مرهاة" للسودانية آن الصافي وإبداع تقنية السرد:

رواية "مرهاة" للسودانية آن الصافي وإبداع تقنية السرد:

تاريخ النشر: 2020-06-06 | 20:22

أوروبي ستيني متقاعد، محب للجمال الشرقي، يهيم بالزخارف والمنمنمات العربية الإسلامية، لدرجة استعارة طويلة لمخطوطين نادرين دون إذن المتحف، تدفعه الرغبة للسفر في الأمكنة والأزمنة، فيقرر الذهاب إلى بلد منشأ المخطوطتين، في الشرق العربي، فيقيم لا كزائر، ولكن كمقيم دائم، يندمج بالمجتمع هناك، بما في ذلك ما يحدث من اضطرابات، لا يسلم منها، فيتعرض للإيذاء كونه ابن بشرة بيضاء، من بلد مستعمر مكروه، فتتغير ملامح وجهه من أثر أحد الانفجارات فيما بعد، فيساعده أحد السكان المحليين في انتحال شخصية رجل ميّت، فيعيش بعدها مثلهم كأبن تلك البلاد، فيتنقل من عمل إلى آخر، وفي كل عمل يلتقي بشخصيات، بعضها تظل معه، وأكثرها تذهب لحال سبيلها، يكون خلال تلك الرحلة الشرقية مسكونا بطيف صانعة جمال، يحيا معها في خياله كثيرا، فتصير جزءا منه، بل يخلق سردا خاصا بها في الماضي والحاضر المتخيل، يصير سردا موازيا لما هو فيه في الحاضر.

تحصل المفارقة، حينا يحاولون تهريبه الى الغرب، كمهاجر لاجئ؛ فبسب ما تعرض له، وانتحاله المشروع لتلك الهوية، مع تغير لونه بعد الانفجار، فكيف لمثله أن يعود متسللا؟ ان ذلك كان بسبب خوفه من ملاحقة القضاء بسبب المخطوطين. لكنها مفارقة قعلا.

 تتسارع ظروف الاضطرابات بسبب الإرهاب، فيضطر جزء من سكان البلاد للهجرة الى الغرب الأوروبي، بما في ذلك بلده هو، فيما يختار هو البقاء في بلد التصارع والتنازع، متحملا آلام وجوده، وبصمة تلك الآلام على جسده، محتملا في صبر لكل ما يمرّ معه، وصولا لحالة تكون فيها حياته مهددة صحيا، تقرر فيها ابنته أو رفاق رحلته عودته الى بلده، حيث يقيم في نزل كبار السن، الذي يصبح مجالا لحوارات تاريخية وحضارية، بين الغربيين أنفسهم، وبينهم وبين شرقي هو صديقه ورفيق رحلته، الذي اختار اللجوء الى الغرب في لحظة تاريخية صعبة. تلك هي مفارقات أدبية وإنسانية، أن يقيم في الشرق، فيما يهرب أهله طلبا للأمان في الغرب.

سؤالان يظهران هنا:

-       ما هو سرّ ارتباطه بالجمال الشرقي لدرجة اختيار الإقامة هناك رغم الظروف الصعبة وحالة اللاأمان؟

-       السؤال الثاني مرتبط بالسؤال الأول، ما سرّ نظرته الحضارية المتصالحة والمتسامحة؟

ستكون ربما الإجابة عن الأول إجابة نفسية جمالية، فيما ستكون الإجابة عن الثاني إجابة معرفية وتربوية، حيث يبدو أن تلك الجوانب قد تفاعلت معا وشكلت شخصية "الغريب" أو سامر فاضل الأمير، التي تم تشجيعه على انتحالها حفاظا على سلامته، بعد حادثة الاعتداء عليه كأجنبي أبيض، من الفصل الخامس حتى الثالث عشر.

لماذا مرهاة؟

لغة تعني ما له علاقة بالسرعة، وهنا، ماذا ستعني من رمزية؟ تلك إجابة غير معجمية بالطبع.

لماذا مرهاة الشخصية في الرواية؟ ولماذا مرهاة الرواية؟

كأنها أرادت ان تقول رسالة إنسانية؛ تصب في احترام الإنسان، من خلال احترام الحضارات، حيث نجد الكهل حريص على إيداع، أو توصيل وثائقه لجهة أمينة تقوم بالحفظ. ويتم تعميق الاحترام، عبر نضج البشر، حيث نجد كبار السنة نزلاء بيت المسنين أكثر موضوعية وإنسانية ونقدا، خصوصا للإعلام الذي يكرس الرؤية النمطية السلبية تجاه الآخرين. وهنا نحن إزاء نضج إنساني، أو صحوة للضمير، ولو متأخرا. لذلك ثمة مسحة وجودية اكتسب بها الرواية. وثمة رؤية نقدية للذات الأوروبية، تمثل ذلك في قوله: أنا من "بلاد تعظيم الأنا)، فيما تشيع الرؤية الجمالية للشرق. لذلك أيضا لم تذكر الرواية لا اسم بلد الغريب، ولا البلد الشرقي، بل جعلته معوما مموها، حتى ينطبق المعنى على عالم الحضارتين.

لعل الدائرة في اكتمالها دلت على تلك الرسائل، فما أصابه من نضج مبكّر (الغريب) أصاب رفاقه في بيت المسنين، الذين رغم راحتهم كأفراد عن حياتهم الخاصة، إلا أنهم غير راضين عما آلت إليه الأمور في الفضاء العام والعالمي، وهم في ظل الشعور النقدي لما يرون الآن، بعد الوقوع في أسر الهرم، لم يعودوا قادرين لا على القيام بدور، أو حتى التأثير في عالم الغد.

في فضاء رحلة الغريب الأبيض، تتاح له أن يرى الناس كما هم من دون تكلف ولا تمثيل، فبعد حادثة التعرض للأذى بسبب شكله الغربي، نتيجة نفور المشرقيين، ومنهم العرب، للغرب المستعمر، الذي يحملونه وزر ما حلّ ويحل من اضطراب وفوضى ونزاعات، فإنه ببطاقة هويته الجديدة يصير مواطنا، فيرى الصورة من الداخل، لا من السطح الإعلامي. صار سامر فاضل الأمير، وعمل حارس متحف، الذي شهد سرقة الكنوز الحضارية وتواطئ الفاسدين، عمل مزارعا، بائع خضار، عامل مطعم، من الفصل الخامس حتى الثالث عشر؛ فكان من خلال هذا الوجود العادي، قادرا على رؤية الحقائق، وكأنه يكشف الغبار، ليرى بوضوح، وكيف أن هندسة (التحولات والربيع العربي) لم تكن هكذا، بل تم تصميمها لتخريب النسيج الاجتماعي والسطو عليه. وهو من مكانه ذلك، اختبر خوف الأبرياء وهم كثر، أولئك الباحثون فقط عن الأمن والسلام.

وهنا يصبح للحديث بين عيد وأسرة بيت المسنين معنى، يتجلى بالشعور بالذنب، من خلال رمزية أحاديث سام وآدم وليو.

شخصيات:

ظهرت الشخصيات متواصلة طوال السرد كشخصية عيد ومنار، أو متقطعة، كشخصية علم الدين، أو لمرة واحدة حسب كل عمل وكل مكان حل فيه على النحو حسب التوالي في الظهور:

-       ابنته وحفيدته وزوجها، يعاودان الظهور في الفصول الثلاثة الأخيرة.

-       يوسف الموظف والمصور، زميله وصديقه، في بلده الأصلي (الغرب الأوروبي كما قلنا) يظهر في البداية، وفي النهاية، حيث يكون السرد عنه من خلال مصيره كقتيل في الحرب.

-       الفنانة التي شجعته للتطوع في الشرق.

-       منار موظفة الاستقبال في المتحف.

-       سعادة صاحبة الفندق والعاملان كرم وزوجته. 

-       عيد، عامل الاستقبال والإدارة ليلا.

-       السيدة وطفلها مبتور الأطراف.

-       علم النجمي خال منار، وابنه مجد بعد حادثة الاعتداء عليه، وظهور بعد الهجرة من بلاده.

-       رمزي فني الحاسوب، خلال عمله كمصور.

-       الزوجان مروان وعفاف صاحبا محل الخضار حيث عمل لفترة حتى حادثة الانفجار.

-       شخصيات المطعم.

-       ضابط الشرطة غير السعيد بعمله، خاصة في ممارسة العنف ضد الإرهابيين.

-       شخصيات نزل كبار السن: سام وآدم وليو.

إن استعرض تلك الشخصيات يجد أن المحورية منها كانت قليلة، لقد هرت واختفت، فقط عيد كان الاستثناء لما ارتبطا به، حتى لكأن عيد كان يعرف حقيقة التخفي تلك لكنه كتمها، حتى يشعر الغريب بالخوف، وكان يتابع أمره مع ابنته في أوروبا. إنها إذن شخصيات عادية، من داخل المجتمع، مفعولا به، وقع عليها ظلم الفساد والإرهاب، المرتبط بشكل مباشر بعلاقات القوة في العالم.

هو يرى نفسه استثناء ما، وهو قريب من البشر، لذلك فقد أحبه الناس كعلم الدين ومنار وعيد بهويته الأوروبية، كما أحبه الباقون بهويته المنتحلة.

شكل وبنية

عبر وخيال فانتازي وحلم، وواقعية، قدمت آن الصافي روايتها، راوية بشكل متواز عن مرهاة، فتاة الحلم والخيال كرمز للجمال الشرقي، وعن الحياة الواقعية.

شغلت مرهاة، الحلم والخيال بما تحمل من دلالات، الفصل الثاني كاملا، وأجزاء من الفصول: الثالث والرابع والخامس (فتاة الوشاح الفيروزي)، والسابع، والتاسع، والعاشر، والفصول الثلاث الأخيرة.

تفاوت وتنوع حضورها، من خيال بصري إلى حوار، إلى معايشة وسكن في النفس والفؤادـ، وإن لم تحضر فقد كان صندوقها ينوب عنها؛ فكانت بذلك لها سيرتها الموازية لسيرة الغريب:

حياتها في أسرتها وزواجها، وعملها الإبداعي، وفكرها من خلال حوارها معه عن الجمال كما في الفصل العاشر.

وداخل رحلة البحث، ستطل عليه "مرهاة" امرأة الماضي الجميل والحضاري، لتمنحه الأمل، بأن هناك مجالا لوقف الاستلاب، ستكون هي الإنسانية الأكثر جمالا وبقاء.

تلك الثنائية، الواقع والحلم، وظفت تعميق الحالة الإنسانية من جهة، وخلق تشوقا، ازداد مع الروح البوليسية خلال فترة التخفي. ولم يكن ذلك ليتم بهذا الابداع والنجاح في السرد والبناء بدون روافع أسلوبية، خاصة رافعة التمكن من تقنية السرد، ورافعة اللغة في الوصف، والسرد، والرافعة البوليسية.

بقي أن نذكر، أنه لربما ليس هناك ضرورة لعبارات افتتاح فصول الرواية، لأنها تؤثر على القارئ/ة، كما أن زيادة جرعة الحوار الفكري في الفصول الثلاث الأخيرة، قد كان على حساب السرد، ونقلت جو الدراما الى الجو المعرفي، دون أن ننتقص بالطبع من أهميته في الإضاءة والتنوير على منطلقات الشخصيات.

فيما ترى الكاتبة آن الصافي، أن جمل الافتتاحية تشكل ثيمة في الكتابة للمستقبل ليس بالضرورة أن يكون لها علاقة بالفصل الذي تتصدره، هي فقط آلية توقف لتفعيل التفكير، ومن ثم الخوض في القراءة أي التعاطي مع النص بوعي كما في آليات علم النفس الحديث.

وهي من ذوي/ات اتجاه "الدمج بين الأدب والعلم والفلسفة والأدوات التقنية الحديثة كمشروع في هذه الحقبة، بل إن ذلك سيكون من مميزات أعمال الأجيال الحالية، لذا وجدت مسحة علمية- فكرية.

وأخيرا، وعودا على بدء، نجحت الرواية، في نقل العين الإنسانية المجردة والموضوعية، لترى الواقع الشرقي من داخله، من منطلق احترام الحضارات، والتضامن الإنساني، والإيمان بالخلاص المشترك للبشر. لقد نحت الرواية منحى التنفير مما آلت له الأوضاع من زعزعة السلام الاجتماعي وشيوع الخوف والقتل والاستلاب والعنف، في سياق كولينالي مستور، قامت بكشفه وإظهاره على الملأ، من خلال شاهد موضوعي منصف من بلاد الغرب نفسه سلم من البرمجة وهندسة العقل والشعور.

وآن الصافي، روائية وشاعرة من السودان، تقيم في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، حاصلة على بكالوريوس هندسة كمبيوتر، إعلامية، محاضرة ومدربة في مجال الإدارة والتطوير المهني الاحترافي. وهي من خريجي أكاديمية الشعر في أبو ظبي، الدفعة الخامسة، صدر لها: رواية "فلك الغواية" 2014، ورواية "جميل نادوند" ورواية "توالى".

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط