كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

روسيا وأزمتها الاجتماعية

روسيا وأزمتها الاجتماعية

تاريخ النشر: 2016-07-01 | 10:29

ظهر في روسيا خلال اليومين الأخيرين استطلاعان للرأي يتعلقان مباشرة بالأوضاع الاجتماعية في البلاد. الاستطلاع الأول أجراه «مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام»، أما الثاني فقام به مركز «ليفادا» الروسي للرأي العام. ويبين المركز الأول في استطلاعه أن 42 في المئة من الأُسر في روسيا تُؤكد أن وضعها المالي تدهور بقوة خلال العام الأخير، بينما يشتكي نحو 40 في المئة من صعوبات في سوق العمل. واللافت في هذا الاستطلاع أن حوالي نصف المشاركين فيه يعوّلون على دعم الدولة لهم في هذه الظروف. ولكن الحكومة الروسية ليست في وضع يسمح لها بتقديم مثل هذا الدعم، حيث قلصت النفقات العامة على البرامج الاجتماعية بنحو 10 في المئة. وهذا، بالطبع، يعود في المقام الأول إلى تراجع الأسعار العالمية للنفط وما تبع ذلك من تراجع كذلك في أسعار الغاز الطبيعي المُصدَّر إلى الخارج. فمن المعروف أن عوائد النفط والغاز كانت تُغذّي ميزانية الدولة الروسية بأكثر من 50 في المئة من إيراداتها. وتشير مصادر روسية إلى أن هبوط سعر النفط بمقدار دولار واحد يُحرم الميزانية الروسية من حوالي 2.5 مليار دولار. ولذلك، فإن أي تخفيضات كبيرة في الأسعار العالمية للنفط تؤثر حتماً على النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي وميزانية الدولة وميزان المدفوعات والبرامج الاجتماعية للحكومة، وكذلك على سعر صرف العملة الوطنية. وهذا ما حدث بالفعل مع الاقتصاد الروسي، في وقت لم تُسفر فيه السياسات الحكومية في العامين الأخيرين لتنويع الاقتصاد ومواجهة العقوبات الغربية عن نتائج ملموسة، وذلك باعتراف الخبراء الروس.
في العام الماضي، كشفت هيئة الإحصاء الحكومية الروسية أن القدرة الشرائية للروس انخفضت بأكثر من 9 في المئة على خلفية ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وأن انخفاض الدخول الحقيقية في روسيا يتواصل، حيث كان آخر ارتفاع لها في خريف 2014. وفي هذا السياق تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية الروسية بأن هذا الاتجاه سيتواصل حتى العام 2018. ووفق تقديرات وزير المالية الروسي السابق، اليكسي كودرين، فإن الدخول الحقيقية للمواطنين في روسيا في العام 2016 ستنخفض بحوالي 7 في المئة، والأجور الحقيقية بــ 10 في المئة. ويتضرّر من هذا الاتجاه في الاقتصاد الروسي أصحاب الدخول والأجور الثابتة وأصحاب معاشات التقاعد. وتشير تقديرات إلى أن نحو 40 ــ 45 في المئة من الأُسر الروسية تضمّ العديد من المتقاعدين، حيث يمثل ما يحصل عليه هؤلاء من معاشات تقاعدية جزءاً مهماً من مجمل الدخول التي تحصل عليها هذه الأُسر. فمدفوعات معاشات التقاعد تعتبر «وسادة أمان اجتماعية» لمثل هذه الأُسر في حال فقدان العناصر الشابة فيها للعمل أو عدم الحصول على فرص جديدة للتّوظّف. ولذلك، فإن وقف الحكومة الروسية جزئياً تعويض أصحاب معاشات التقاعد عن ارتفاع التضخم هذا العام يُزيد من احتمال ارتفاع خطر الفقر وتفاقم الوضع الاجتماعي للكثير من الأُسر في روسيا. وبحسب الإحصاءات الروسية الرسمية، ارتفع عدد الفقراء في روسيا بنسبة 3 في المئة، ووصل عدد المواطنين الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر حوالي 23 مليون نسمة، أي نحو 16 في المئة من عدد السكان الإجمالي للبلاد، البالغ عددهم ما يقرب من 143 مليون نسمة. هذه النسبة، بالطبع، أقلّ مما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، الذي وصلت فيه إلى حوالي 29 في المئة من إجمالي عدد السكان. وما يُعقّد من هذه المشكلة أن نسبة تتراوح بين 55 و60 في المئة من السكان يعيشون، بحسب تقديرات روسية غير رسمية، عند حدّ الكفاف.
كثير من الاقتصاديين الروس باتوا يحذّرون في الفترة الأخيرة من أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في روسيا قد تتفاقم أكثر خلال الأعوام القليلة المقبلة، حيث لم تعُد الحكومة قادرة على الإنفاق بسخاء على البرامج الاجتماعية ودعم الفقراء ومحدودي الدخل بسبب تراجع إيراداتها من تصدير النفط والغاز. ولكن هذا لم يمنعها من زيادة الإنفاق العسكري في مشروع الموازنة الحكومية لعام 2016 بـأكثر من خمس مرات مقارنة بالإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية. ويقول اقتصاديون روس إنه خلال الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، لم تترك الحكومة الروسية الدخول الحقيقية للمواطنين عُرضة للانخفاض والتراجع، أما الآن فالوضع بات مختلفاً.
الاستطلاع الثاني، الذي أجراه مركز «ليفادا» للرأي العام، يوضح أن 90 في المئة من الروس يعتقدون بوجود توتر في البلاد بين الأغنياء والفقراء، 40 في المئة من هؤلاء يرون أن هذا التوتر يتسم بالقوة والحدّة. فالفجوة بين الأغنياء والفقراء في روسيا بحسب البيانات الرسمية، تصل إلى 16.8 مرة. وهذه الفجوة الرسمية في الدخول تزيد بـ1.6 مرة عن الحد المسموح به، الذي حددته منظمة الأمم المتحدة. ولكن صحيفة «الأخبار الجديدة» الروسية تُشير إلى أن التقديرات غير الرسمية توضح أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في روسيا قد تتراوح بين 40 و50 مرة، وربما أكثر من ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار الدخول والأرباح المُستترة لقطاع الأعمال الروسي وخاصة طبقة كبار رجال الأعمال المعروفة بطواغيت المال أو «الأوليغاركية» المتحالفة مع الدولة. ولذلك يصف البعض النظام الذي تشكل في روسيا خلال العقد الأخير، على أقل تقدير، بـ «رأسمالية الدولة الاحتكارية الأوليغاركية»، حيث جرى استبدال بعض رموز أوليغاركية عهد يلتسين برموز جديدة مع الحفاظ على طبقة «الأوليغاركيا»، نفسها في ظل خضوعها التام للكرملين وتحــــالفها مع الدولة وقطــــاعها الاقتصادي، الذي توسّـــع بشكل كبير في الســــنوات الأخيرة.
في مثل هذه الأوضاع الاجتماعية التي تعكسها استطلاعات الرأي، لا بد وأن «يحلُم» المواطن الروسي بتغيّرات ما خلال الشهور القليلة المقبلة. ولذلك يتوقع البعض في روسيا إجراء تغيير حكومي بعد الانتخابات البرلمانية في أيلول المقبل، يكون مصحوباً بتغيّرات في السياسة الاقتصادية في اتجاه الاهتمام بالبعد الاجتماعي. ولكن مثل هذا الحُلم يبدو غير قابل للتحقق في ظل الظروف الراهـــنة، وعــدم رغبة الحكومة في الضغط على «الأوليــغاركية» لتحمُّل المسؤولية الاجتماعية.

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط