كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

زراعة الجريمة.. وأدواتها

زراعة الجريمة.. وأدواتها

تاريخ النشر: 2019-10-10 | 10:26

يمكن القول إن تصريحات نتنياهو وأركان حكومته بحق فلسطينيي الـ48 وأحزابهم وممثليهم هي تعبير سياسي محدَّثْ عن الإيعازات التي أعطيت للشرطة الإسرائيلية بإطلاق النار على المتظاهرين في «هبة القدس والأقصى» في بداية تشرين الأول من العام 2000.
وهي في الوقت نفسه تطبيق عملي لمنظومة العنصرية والكراهية التي بنت عليها الصهيونية مشروعها الاستعماري ـ الإحلالي في فلسطين، والتي انتجت عصابات القتل والتدمير التي عملت على تشريد الشعب الفلسطيني من أرضه وممتلكاته، بينما تولت حكومات الدولة العبرية ومؤسساتها الأمنية مهمة تجديد النكبة في حياة من بقي على أرضه من الفلسطينيين.
ضمن هذا الإطار نفهم دوافع السياسة الرسمية الإسرائيلية في زراعة وسائل القتل في البلدات والتجمعات العربية وغض بصرها وسمعها عن استفحال الجريمة في الوسط العربي، بينما تستنفر قواها وإمكاناتها في حال نشأت مثل هذه الظاهرة في الوسط اليهودي.
معظم الشعارات التي رددها المتظاهرون تنديدا بتفاقم الجريمة في البلدات العربية حمَّلت الشرطة الإسرائيلية مسؤولية رئيسية عن وقوعها واتساعها. وأوردت مراكز البحث إحصائيات كشفت أن نحو 50% فقط من جرائم القتل التي وقعت في العام 2017، وحققت فيها الشرطة، قد تم إلقاء القبض على مرتكبيها، فيما سُجل الباقي ضد مجهول، وهذه النسبة تنخفض إلى نحو 20% مثلما حصل في منطقة المثلث الجنوبي، التي وقع فيها منذ مطلع العام الجاري، تسع جرائم قتل، لم تفك الشرطة الإسرائيلية إلا لغز جريمتين فقط!
ومن الطبيعي ألا يحال هذا كلة إلى مشكلة تقنية أو استخبارية تعانيها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بما فيها الشرطة، وهي التي ترصد كل كبيرة وصغيرة في الأمور التي تضعها الحكومة في مقدمة أولوياتها، وتضع نشاط من تريد تحت مرصد الرقابة طيلة الوقت.
اللافت أن نتنياهو وحكومته حاولوا أن يظهروا كمدافعين عن تطبيق القانون عند إبداء حرصهم على اتخاذ التدابير لمعالجة ما يجري من جرائم وانتشار للسلاح في البلدات العربية، مع أن هذه الظاهرة المتفشية تعود لسنوات سابقة، فيما كان هو و عتاولة ائتلافه الحاكم منشغلين بصياغة القوانين العنصرية ضد الفلسطينيين، وبإطلاق التصريحات التي تهاجمهم وتحرض عليهم، وليس آخرها عشية هذه الانتخابات التي لم يجد تهمة يكيلها لمنافسه غانتس «أبلغ» من اتهامه بالتنسيق مع القائمة المشتركة.
ولهذا ، يرى محللون أن تقاعس المؤسسة الأمنية عن جمع السلاح غير المرخص في البلدات العربية ليس عفويا وغير ناتج عن ضعف في القدرة والإمكانات، بل هو سلوك واع يهدف إلى استنزاف المجتمع العربي وإرهاقه، ومن ثم إجباره على دفع أبنائه إلى الانخراط في سلك الشرطة تمهيدا لانخراطهم في الجيش الإسرائيلي. ويرى المحللون أن مثل هذا الأمر في حال وقوعه سيؤدي إلى التماهي (عمليا) مع الكثير من وظائف المؤسسة الشرطية التي تحددها وتخطط لها المؤسسة الصهيونية الحاكمة ، وتؤدي بالنتيجة الحتمية إلى تصادم حقيقي مع عناوين البرنامج الوطني الفلسطيني العام واستحقاقاته، خاصة في ظل حملات القمع والقتل والاعتقالات التي تتصاعد في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تستنفر لها قوات الاحتلال عناصر مؤسساتها الأمنية بما فيها الشرطة.
ولا يمكن تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي نشأت بين الفلسطينيين بسبب سياسات التمييز والتهميش التي مارستها المؤسسة الصهيونية الحاكمة وعملت على إفقارهم بشكل منهجي وقد وصلت نسبة الفقر بينهم إلى 50%، ويلمس انعكاس هذه السياسات بوضوح في مختلف المجالات، مثل السكن والصحة والتعليم والبنى التحتية وانخفاض موازنات البلديات العربية بشكل كبير مقارنة بالبلديات اليهودية، في ظل استمرار سياسة التهجير وهدم المنازل وفرص الضرائب الباهظة على ما تسميه «مخالفات السكن والبناء». وإذا كانت بعض الأنظار الغربية القليلة تشير إلى أثر الاستيطان المدمر على حياة الفلسطينيين في الضفة والقدس، فإن ما يجري في محيط البلدات والقرى العربية في المثلث والنقب على يد المستوطنات ومخططات التهجير خارج الملاحظة الغربية .. وغيرها.
من هذه الزاوية، يشكل التحرك الجماهيري الواسع في أراضي الـ48 استنكارا لتفاقم الجريمة أحد عناوين النضال ضد سياسات التمييز والتهميش، والتي لايقف تقاعس الشرطة الإسرائيلية وتواطؤها بعيدان عن التعبيرات العملية لهذه السياسات.
ومن الموضوعية بمكان ألا يوضع الاحتلال وسياساته العنصرية كسبب وحيد في تفاقم الجريمة في البلدات العربية. وهنا يمكن أن تلعب المجتمعات المحلية ونخبها الثقافية والأكاديمية والاجتماعية دورا مهما في عملية التوعية والتحذير من آفات اجتماعية ومسلكية يتعرض لها الفتية والشباب، في ظل وجود نسب عالية من تسرب الطلاب من المدارس في مراحل المراهقة، ونسبة كبيرة منهم يعيشون أوضاعا اجتماعية اقتصادية صعبة للغاية، قد تشكل تربة خصبة لتفشي تلك الآفات بين صفوفهم.
ويصبح الأمر أكثر تعقيدا، في ظل الوضع الذي يعيشه فلسطينيو الـ48، وهم عمليا بلا «دولة» ترعاهم وتحميهم، وقد شبه أحد المحللين الوضع بمثل «هر كُلفَ أن يحرس عصفورا». فما يحتاجونه من موارد ومؤسسات متخصصة لمكافحة الجريمة وتحصين أولادهم من السير في طريقها أو يصبحوا من ضحاياها غير متوافرة لديهم. و«الدولة» المعنية افتراضا بتوفير ذلك تقف في الطرف الآخر من قضاياهم ومشاكلهم، وهي بمؤسساتها المختلفة سبب رئيسي في تردي أوضاعهم وتفاقمها.
من هذه الزاوية، يأخذ النضال في أراضي الـ48 ضد اتساع الجريمة ومحاربتها وتجفيف مصادرها بعدا مزدوجا يجمع ما بين الاجتماعي والوطني. ومن الطبيعي أن تكون هذه المسألة قيد النقاش والتداول في صفوف الأحزاب العربية للوصول إلى الصيغ الأفضل لتأطير التحركات الجماهيرية في هذا الخصوص ورسم أهدافها بدقة على المستويين القريب والبعيد. ويلعب زخم المشاركة في هذه التحركات، التي تجاوز عدد فعالياتها الجماهيرية الواسعة الـ30 تظاهرة ووقفة احتجاج، دورا مهما في تسليط الضوء على هذه المشكلة الكبيرة التي تهدد أمن فلسطينيي الـ48 وتضعهم في خطر يومي، وتعرض نسيجهم الاجتماعي لخطر التمزق، بما يؤدي إلى تعميق الانعزالية والتقوقع العائلي والأسري، الذي يقصيهم عن الانتماء الجماعي كأقلية عربية تقيم على ما تبقى لها من أرضها وأملاكها وتخوض معركة البقاء والدفاع عن حقوقها ومستقبل أبنائها ضمن أهداف موحدة تعكس وحدة انتمائها الوطني تحت راية البرنامج الوطني الفلسطيني العام.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط