كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

زهير أبو شايب: مطر الشعر السرّي (صبحي حديدي)

زهير أبو شايب: مطر الشعر السرّي (صبحي حديدي)

تاريخ النشر: 2016-09-13 | 10:59

في سنة 2011 نال الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب جائزة محمود درويش، بإجماع لجنة التحكيم، التي تشرفتُ يومئذ بعضويتها. كذلك شرّفني ـ وأبهجني، شخصياً، إزاء شاعر كبير وصديق عزيز وقريب ـ أنّ اللجنة كلفتني بكتابة نصّ نقدي، وتعريفي، حول تجربة أبو شايب.

اعتبرتُ آنذاك، كما أعتبر اليوم أيضاً، أنّ أبو شايب ينتمي إلى قلّة قليلة من الشعراء العرب المعاصرين، الذين امتلكوا بصمة أسلوبية رفيعة الأداء وناضجة الأدوات. وهذه لا تعزّز صوته الخاصّ بقوّة بين أقرانه، فحسب؛ بل تفضي كذلك إلى إطلاق تجربة ثرّة لا تكفّ عن الارتقاء، وترسّخ صوتاً شخصياً يتميّز بقوّة داخل المشهد، رغم أنه لا ينفصل عن خيرة تقاليد الكتابة الشعرية العربية، ولا ينعزل عن تفاعلاتها في آن معاً.

فهو، من حيث خيارات الشكل، لا يزال يعتمد صيغة التفعيلة، ويلحّ على استكشاف طاقاتها الإيقاعية التي لا تنفد، ويتوصل إلى نتائج باهرة جديدة ومتجددة، لعلّ بين أبرز فضائلها أنها لا تعيد ترجيع أصداء تجارب الروّاد، من جانب أوّل؛ ولا تقتفي أثر المعلّمين الكبار المعاصرين، من جانب ثانٍ. لكنه، في السنوات الأخيرة بصفة خاصة، جرّب كتابة قصيدة النثر، وأعطى في هذا الشكل الشاقّ قصائد بديعة، أثبتت أنّ اشتغاله على استكشاف طاقات النثر الإيقاعية لا يقلّ حساسية عن مراسه في تطويع مخزون موسيقى الوزن.

والنبرة الفلسفية تشكّل، على صعيد المحتوى والموضوعات، علامة فارقة في نتاج أبو شايب، ويندر أن نجد في الشعر العربي المعاصر هذا الإغراق الشامل في مشهدية ميتافيزيقية ـ نفسانية؛ قائمة على موقف الشاعر من الوجود، وعلى تصالح، أو تأزّم، علاقته بعناصر محدّدة في شبكات ذلك الوجود: الجسد، الظلّ، الطبيعة، الكون… وإذا كان الشاعر يستعيد بذلك تراثاً شعرياً مُفتَقداً كثيراً هذه الأيام، فإننا هنا أيضاً لا نشمّ رائحة شعراء روّاد عكفوا على التأمل الفلسفي، أو جعلوه سمة طاغية في قصائدهم. ومن جانب آخر، ليس بين غوايات أبو شايب أن يعيد إنتاج لائحة الشخوص الأسطورية التقليدية، التي درج الشعر العربي المعاصر على استلهام مدلولاتها ورموزها.

موضوعاته ليست بالصوفية، على النقيض مما قد توحي به اقتباسات هنا وهناك، من النفري وابن عربي مثلاً؛ ولا ينهض معجمه الشعري على ما بتنا اليوم نعرفه، وربما نحفظه عن ظهر قلب، من عدّة لفظية تصف الوجد الإشراقي، والتوهّج النبوئي، والانزياح الحلولي، والرؤية الحدسية، وسواها. الشاعر الناطق في قصائد أبو شايب بطل نيتشوي بالأحرى، مستغرق في معادلات القوّة إزاء الجسد والظلّ والطبيعة والكون، الصدفة والحلم والماضي، الكلام والصمت والذاكرة، العزلة والصداقة والحرية. أقدامه عالقة في طين أرضي يسمّيه صلصال الوجود، ورأسه يتطامن نحو الأعالي، مكبّلاً بظلّه، أسيرَ خُطاه التي تردّه إلى ماضٍ سحيق.

ومن اللافت أن أبو شايب شاعر مقلّ عموماً، إذْ أصدر خمس مجموعات شعرية فقط، هي «جغرافيا الريح والأسئلة»، 1986؛ «دفتر الأحوال والمقامات»، 1987؛ «سيرة العشب»، 1997؛ «ظلّ الليل»، 2011؛ و»مطر سرّي»، مجموعته التي صدرت قبل أيام. لكن هذه المجموعات كانت كافية لكي ترسّخ صوته المنفرد على النحو الذي نعرفه اليوم، أو نلحظه من أوجُه تجريب وبحث وتطوير تضيفها القصائد الأخيرة.

وإذا كانت فلسطين لا تحضر في معظم قصائد أبو شايب على نحو مباشر أو سياسي أو خطابي، ولا على نحو ملحمي أو أسطوري أو تجريدي؛ فذلك لأنّ ما يحضر، في المقابل، ويمتزج في صياغات مركبة آسرة، هو قِيَم الوجود الفلسطيني ذاته، في جوانبه الإنسانية والشعورية والحضارية والإبداعية، وفي ما تستولده هذه من ثقافة مقاومة وحسّ بقاء ونزوع ارتقاء، على أرض الفلسطيني، في تاريخه وجغرافيته وفضائه، وداخل كينونة وطنية عبقرية غير منفصلة عن أبعادها الكونية. وهذا ما ظلّ الراحل الكبير محمود درويش يحثّ الشعراء الفلسطينيين الشباب على مقاربته، ورأى في تجربة أبو شايب مستوى عالياً من تحقّق ذلك المسعى الجمالي والثقافي الكبير.

يبقى أنّ المجموعة الأخيرة تستحق وقفة تثمين أخرى مطولة، ومفصّلة، بالنظر إلى أنها تستجمع الكثير من شعريات أبو شايب التي سبق ذكرها هنا، وسواها كثير؛ على غرار ما قصده إدوارد سعيد حين تحدّث عن الأسلوب المتأخر، حيث تتجمع أساليب الفنان السابقة في حصيلة تركيبية جديدة. هي، كذلك، مجموعة مكرّسة، بأسرها، لموضوعة قصيدة الحبّ، الأمر الذي يدفع بالقصائد إلى منطقة تحدٍّ شاقة، تقتضي استكشاف بواطن الشعور الأعمق، والجماليات الأعلى، والأداء والأدوات الأرفع.

ولعلي، هنا، أقترح هذا النموذج، من قصيدة «أمس ارتعشتُ كشتلة الليمون»:

 

عرفتِ الآن معنى أن تجيئي

في الزمان، وفي المكان، وبالبراءة ذاتها،

وتُفاجئي مطراً لأولَدَ؟

هل عرفتِ الآن؟

ميلادي تأخر ريثما تأتينَ

والماضي تأخر خطوتينْ.

ها أنتِ غيّرتِ الحكاية كلّها

وأضعتِ قلبي مرّة أخرى،

ولم أسألكِ أينْ؟

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط