كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

زواج القاصرات في زمن الحرب... حين تُغتال الطفولة باسم الخوف

زواج القاصرات في زمن الحرب... حين تُغتال الطفولة باسم الخوف

تاريخ النشر: 2026-02-09 | 13:42

في الحروب لا تُقصف المدن وحدها، بل تُقصف المفاهيم أيضاً. تنفجر فينا القيم كما تنفجر البيوت، وتتشوه معاني الرحمة والحماية والستر حتى تُصبح أقنعةً نرتديها لنُخفي بها خوفنا. وفي غزة، حيث الموت يمرّ في الأزقة كريحٍ معتادة، لم تعد الحرب تقتل بالصواريخ فقط، بل بالقرارات التي تُتخذ تحت وطأة الرعب والفقر وقلة الحيلة، وأبشعها على الإطلاق تزويج القاصرات، تلك الجريمة التي تتخفى في ثوب “الضرورة” وتُقدّم كخلاصٍ زائفٍ من المجهول.
نعم في حرب الإبادة، لا تتغيّر الأماكن وحدها… يتغيّر الناس، تنقلب القيم، ويُعاد تعريف الخير والنجاة، ويصبح الصمت حكمة أحياناً، والأنانية وسيلة بقاء. ما كان بديهياً يُساوَم عليه، وما كان محرّمًا يُبرَّر. الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تُعيد تشكيل الوعي والضمير.

تُنتزع الطفلة من طفولتها كما تُنتزع الزهرة بمنجل القمح. تُسلَب أحلامها الصغيرة، دفاترها، ضحكتها المبحوحة في فناء المدرسة، ويُستبدل كل ذلك بعقد زواج يُكتب على عجل، خوفاً من العار أو من الحاجة أو من الحرب نفسها. يُقال إنّ في الزواج ستراً، لكن أي سترٍ هذا الذي يُطفئ النور في عيني طفلة لم تتعلّم بعد كيف تهرب من عروسةٍ من قماشٍ ممزّق؟

الحرب تغيّر كل شيء، تُربك العقول، وتُربّي الخوف حتى يُصبح سلوكاً عاماً. ومع اشتداد الفقر والدمار وانعدام الأمان، تتراجع القيم التربوية والاجتماعية لتُفسح المجال أمام فكرةٍ قاسية تقول: “الزواج حماية”. فيغدو الزواج المبكر قراراً تُبرره الحاجة وتدفعه الرهبة. لا يراه الناس جريمة، بل “ضرورة”. لكن الضرورة التي تُسلب فيها الطفلة حريتها ليست سوى جريمة مضاعفة، جريمة يغلفها الخوف وتُشرعنها العادات.

في زمن الإبادة، انهار النظام التعليمي، وضاعت البيوت، وتشرّدت الأسر. أصبح الفقر سيد اللحظة، واليأس ضيفاً دائماً في كل بيت. تحت هذه الظروف، تتحول الفتيات الصغيرات إلى “عبءٍ” يخشاه بعض الآباء. فيبحثون لهنّ عن مخرجٍ آمن في ظنهم، عن رجلٍ “يسترها” ويحميها من الفقر أو التحرش أو النزوح. لكن الحقيقة أن هذا المخرج ما هو إلا بابٌ جديدٌ للمعاناة.

فكم من طفلةٍ وجدت نفسها زوجةً لرجلٍ يكبرها بعشرين عاماً!
كم من طفلةٍ لم تعرف بعد لغتها الداخلية، وجدت نفسها مطالبة بأن تكون زوجة وأماً وربة بيت في وقتٍ واحد!
كم من طفلةٍ عادت إلى بيت أهلها بعد شهورٍ قليلة محطّمة الجسد والروح، لا تعرف ما الذي حدث، ولا كيف انتهت حكايتها قبل أن تبدأ!

هذه الزيجات لا تُنتج إلا الفقر والطلاق والعنف. تخلق جيلاً من الأمهات الأطفال، وجيلاً من الأطفال المحطمين نفسياً، الذين لم يعرفوا من الحياة سوى الخوف. ومعها يتآكل النسيج الاجتماعي شيئاً فشيئاً. فزواج القاصرات ليس مجرد مأساة فردية، بل ظاهرة اجتماعية تفتح باباً واسعاً لدوامةٍ من الجهل والعنف والفقر.

في الحرب، قد يغيب المنطق تحت ركام الدمار، لكنّ الأخلاق لا يجوز أن تُدفن معه. الطفلة التي تُزوّج قسراً ليست رقماً في إحصاء، بل حلماً مكسوراً في سجلّ الوطن. وحين يفقد الوطن أحلام بناته، يفقد مستقبله كله. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تُنيرها المعرفة، وبالقلوب التي تُزهرها الطفولة الآمنة.

إنّ أخطر ما في هذه الظاهرة أنّها تنمو في الظل، تُبرّرها كلمات دافئة مثل “الستر” و“الأمان”، لكنها في جوهرها اغتيالٌ مبكّرٌ للبراءة. والسكوت عنها جريمة أخرى، لأنّ من يبررها يشارك في قتل الطفولة مرتين: مرةً حين يصمت، ومرةً حين يقنع نفسه أنّه يحميها.
الحرب ستنتهي، كما انتهت كل الحروب. لكن ما سيبقى بعدها هو الجرح الأخلاقي، والآثار الاجتماعية التي ستدفع ثمنها الأجيال القادمة. فتاة حُرمت من التعليم لن تُعلّم أبناءها. وطفلة عرفت العنف باكراً ستعيد إنتاجه يوماً ما، من غير قصدٍ وربما من غير وعي. وهكذا يتحول الخوف الذي بدأ لحظة حربٍ إلى سلسلةٍ طويلةٍ من الانكسارات.

إنّ حماية الفتيات اليوم ليست مسؤولية الأسر فقط، بل مسؤولية المجتمع بأكمله — مؤسساته، مناهجه، إعلامه، وكل من يملك قلماً أو صوتاً أو موقفًا. فالسكوت عن زواج القاصرات في زمن الحرب يعني المشاركة في حربٍ أخرى على الطفولة، حربٍ بلا مدافع ولا طائرات، لكنها أكثر فتكاً لأنها تقتل الحياة من الداخل.

فلنحرس الطفولة كما نحرس الوطن.
ولنعلنها بوضوح: لا تبرير لجريمةٍ تُرتكب باسم الخوف، ولا كرامة لوطنٍ يسمح بأن تُزف الطفلات إلى المجهول. فالحرب التي تُنهي الطفولة قبل أن تنتهي، تكتب النهاية للإنسانية كلها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط