كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

زيارة السيدة العجوز!

زيارة السيدة العجوز!

تاريخ النشر: 2018-08-08 | 11:02

الجيل الذى شهد الستينيات من القرن الماضى سوف يتذكر فيلم الزيارة (1964) حيث كان من أفلام فوكس للقرن العشرين التى لا تنسي، وتقاسمت بطولته الحسناء إنجريد بيرجمان والممثل الأسطورى أنتونى كوين، وأخرجه بيرنارد ويكي. القصة قامت على زيارة سيدة بالغة الحسن (كارلا) إلى قرية أوروبية جار عليها الزمان بالفقر والعوز والبطالة حيث عرضت على أهلها صفقة قوامها الاستعداد لتخليص القرية من كل أمراضها فتكون غنية وراضية، مقابل قتل أحد رجالها (سيرجى ميللر) الذى أنكر بنوة ابنها منه. فى بداية الأمر ترددت القرية، فلم تكن تقبل إملاء يخص عدالة القرار فيها، لكن تدريجيا ظهرت علامة القبول وبات ناسها على استعداد لتصحيح خطأ تاريخي، وأكثر من ذلك كان الخروج الكبير لمنع الرجل الذى بات مجرما من الهرب. السيدة بعد أن وصلت التراجيديا إلى القمة، أعلنت عن عفوها عن الرجل، ولكنها فى نفس الوقت أدانت القرية كلها التى سكتت عن الجريمة فى الماضي، وباتت على استعداد لانتهاك العدالة مقابل المال فى الحاضر. قصة الفيلم كانت مأخوذة عن مسرحية فريدريك دورينمات «زيارة السيدة العجوز» (1956) التى كان فيها الخطوط الرئسية فى الفيلم، وعمدت إلى استكشاف الجوانب المظلمة فى الطبيعة الإنسانية التى تجعل الحياة يُشترى فيها كل شيء بالمال.

من الناحية الأدبية فى المسرحية، والفنية فى الفيلم، فإن الزيارة سواء كانت لحسناء أو لسيدة عجوز رسمت حالة تراجيدية عميقة تتصاعد فيها الدراما حول قضايا أخلاقية بالغة العمق والتأثير. وكما هى العادة فى تلك الفترة فإن العمل الفنى والأدبى تجاوز النص المسرحى والسيناريو السينمائى إلى التفسير السياسى الذى أعاد تركيب الأحداث مرة أخرى لكى تجعل الهبوط الأمريكى على أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية ومشروع مارشال لبناء القارة بعد دمار الحرب بمثابة الزيارة التى كشفت الكثير من الذنوب الأوروبية. كانت الحرب قد تركت أوروبا مدمرة فقيرة وعاجزة عن الدفاع عن نفسها، وكاشفة عن العمق النازى والفاشى فى الثقافة الأوروبية، وأتت أمريكا بعنفوانها وشبابها وليبراليتها لكى تواجه كل ما هو قديم وعفن ومذنب وعاص ظهر فى ميادين القتال، ومعسكرات الاعتقال النازية. كشفت الزيارة عن الخطيئة التاريخية لأوروبا وتركتها مكللة بالعار عن ماض كان لابد من كشفه.

بعض من هذا جرى خلال الزيارة الأخيرة التى قام بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى أوروبا وكان فيها حضور قمة حلف الأطلنطي، ثم زيارته الرسمية لبريطانيا التى قابل فيها الملكة، ثم أخيرا كانت قمة هلسنكى التى التقى فيها بفلاديمر بوتين رئيس روسيا الاتحادية. فى كل محطة من هذه المحطات كانت الزيارة الأمريكية كاشفة لعورات الليبرالية الأوروبية، على الأقل من وجهة النظر الأمريكية. ترامب ظل دوما يرى حالة النفاق البريطانية فى ملكة عجوز تقف حارسة على تقاليد قديمة، وفى رغبة تريزا ماى فى أن تنفذ البريكسيت للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكنه خروج ناعم يبقى بريطانيا مرتبطة بالاتحاد فى كل الأحوال. ألمانيا كان لديها نفاقها الخاص، فهى ترى فى بوتين الشر الأعظم، ولكنها فى ذات الوقت لا تمانع من التجارة معه، وإعطائه سوقا للغاز توفر مليارات الدولارات للخزانة الروسية؛ وبينما الحال كذلك فإنها تريد الحماية الأمريكية من الشر الروسي. وقبل أن يترك ترامب الحلفاء فى الأطلنطى كان قد ذكر فى حديث صحفى أنه يعتبر أوروبا خصما تجاريا على الأقل، بينما روسيا فى تصريحات تالية باتت طرفا يمكن التعامل معه والوثوق فيه.

عقدة المسرحية أو الفيلم أو الحياة أو السياسة تدور دوما عن الغياب أو الحضور؛ الأول دائما فيه حالة انتظار مترقبة تتأرجح بين الأمل واليأس، وبين الأحلام والكوابيس، وهل تظل الدنيا دوما فى انتظار جودو أو أنه سوف يأتى كالضوء الكاشف لما هو أصيل أو زائف. الأصل فى الموضوع هو المفاجأة، وسواء كان الحضور للسيدة العجوز أو السيدة الحسناء أو دونالد ترامب فإن العقدة ممكنة فى بلاد أخري. فى الحالة الأمريكية الأوروبية فإن الأوضاع ليست بالضرورة متناقضة ساعة الكشف، فكلاهما لا يزال فى حلف الأطلنطي، بقدر ما كانا معا يمثلان الغرب بكل ألوانه الديمقراطية والليبرالية الظاهرة، وما يوجد فى باطنه من فاشية وعنصرية تتبدى بقوة ساعة الخطر. الفارق بيننا وبينهم ـ ربما ـ أن الأدب والفن يمكنه أن يتعدى الظواهر، ويدلف إلى أعماق سحيقة حيث تفصح الأرض عن أسرار كامنة ولها تجلياتها المرعبة.

القصة ذاتها يمكن مشاهدتها لدينا فى عالمنا العربى حيث يوجد فى علاقات الأشقاء ما هو كامن تحت الرماد أو مسكوت عنه فيما يحدث ويجرى ويكون. الزائر هنا ليس بالضرورة غنيا فى شكل سيدة عجوز أو حسناء أو بالضرورة فى سطوة دونالد ترامب، وقد حدث فى حالتنا أنه شاب ظهر فى القاهرة فجأة من بلد شقيق لم يكن أحد يعلم عنه شيئا، ولكنه على أية حال جاء محبا لمصر وللنادى العريق. وبعد عام من الحضور فإن مجمع الأحداث والتغيرات تبدو غير قابلة للتصديق من مجمع التدخل فى انتخابات الأندية إلى الصفقات الرياضية إلى التليفزيونية إلى نخبة كروية وإذاعية تحيط بالزيارة فى أجواء من الاحتفاء والاحتفال، وباتت على استعداد لكى تطلب من جمهورها أن يتخلى عن مبادئه ويحتضن النادى الصاعد والنجم الطالع بمعجزة الزيارة المقدسة. فى الفيلم والمسرحية وأوروبا وأمريكا كان فى الأمر كله مراجعة للتاريخ الذى يجرى تحت الأعين ولا يظن أنه من طبائع الأشياء، وفى كل الأحوال فإن النخبة كانت تفعل ذلك من منطلق الحرص على العلاقات الأوروبية الأمريكية. وفى حالتنا فإنه على من يحرصون على علاقات مصر مع الأشقاء، وهى غالية بقدر ما هى تاريخية فى الماضى والحاضر والمستقبل أيضا، أن يحموها من زيارات جامحة لا تعرف تقديرا ولا حسابا، ويكون فيها الطريق إلى جهنم مفروشا بالنوايا الطيبة!.

عن الاهرام

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط