كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

زيارة ترمب للمنطقة: بين شرم الشيخ وتل أبيب — عودة أمريكية لإعادة هندسة النظام الإقليمي بعد حرب غزة

زيارة ترمب للمنطقة: بين شرم الشيخ وتل أبيب — عودة أمريكية لإعادة هندسة النظام الإقليمي بعد حرب غزة

تاريخ النشر: 2025-10-13 | 11:21

تشكل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى المنطقة، لحضور مراسم التوقيع على خطة وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة في شرم الشيخ، حدثًا مفصليًا يحمل دلالات تتجاوز مشهد المصافحة والبروتوكول السياسي.
فالزيارة تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام بداية مرحلة سلام حقيقي أم أمام صياغة جديدة لواقع سياسي مفروض بالقوة، عنوانه “إنهاء الحرب” ومضمونه “تثبيت السيطرة”؟
أولاً: توقيت الزيارة ومعانيه
يأتي حضور ترمب في لحظة تشهد فيها المنطقة فراغًا استراتيجيًا وتبدلاً في موازين القوى:
في واشنطن، يسعى ترمب لتثبيت حضوره الدولي مجددًا استعدادًا لعودته المحتملة إلى البيت الأبيض، مقدّمًا نفسه كصاحب الحل السحري القادر على وقف الحروب حيث فشل الآخرون.
في إسرائيل، يشكل حضوره دعمًا مباشرًا لبنيامين نتنياهو في لحظة ضعف غير مسبوقة، بعد إخفاقه في تحقيق أهداف الحرب وتآكل رصيده الشعبي والدولي.
وفي الإقليم، يُراد لشرم الشيخ أن تكون بوابة “إعادة ترتيب الشرق الأوسط” تحت المظلة الأمريكية، في مواجهة التمدد الصيني والروسي والإيراني المتصاعد.
ثانياً: شرم الشيخ... استعادة الدور المصري وتدويل الحل
اختيار شرم الشيخ كموقع لتوقيع الاتفاق ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يحمل رمزية سياسية واضحة:
مصر تعود إلى مركز الثقل كوسيط ضامن وركيزة استقرار إقليمي.
واشنطن تراهن على الدور المصري لإخراج الحرب من مأزقها الإنساني والسياسي، وفي الوقت ذاته لضبط الإيقاع العربي بما ينسجم مع مصالحها، مع إضعاف الدورين القطري والتركي اللذين تحركا بفعالية في وساطات الحرب.
ثالثاً: دعوة الرئيس محمود عباس... دلالات الحضور الفلسطيني
لفت الأنظار في هذا السياق دعوة الرئيس محمود عباس لحضور مراسم التوقيع في شرم الشيخ، وهي دعوة تحمل أبعادًا سياسية عميقة:
أولاً، هي اعتراف أمريكي ودولي بشرعية التمثيل الفلسطيني الرسمي، بعد محاولات تجاوز السلطة الوطنية في ملفات الحرب والوساطة.
ثانياً، هي محاولة لإضفاء “غطاء وطني” على الاتفاق كي لا يُتهم بأنه اتفاق مفروض خارجيًا أو موجّه ضد حماس فحسب.
ثالثاً، هي خطوة لاحتواء الموقف الفلسطيني الرسمي وإشراكه شكليًا في ترتيبات ما بعد الحرب، دون منحه بالضرورة دورًا فعليًا في صياغة مضمون الاتفاق أو ترتيبات الإعمار والأمن.
إن حضور الرئيس محمود عباس – سيكون اختبارًا دقيقًا لمقدار ما تتيحه هذه المبادرة من مساحة سياسية حقيقية للقيادة الفلسطينية، وما إذا كانت واشنطن جادة في العودة إلى مسار سياسي متوازن، أم أنها تستخدم الشرعية الفلسطينية كغطاء لتمرير تسوية تندرج ضمن “صفقة القرن” المعدّلة.
رابعاً: ترمب و”السلام عبر الإعمار”
الزيارة تكشف عن محاولة أمريكية لإحياء فلسفة “السلام الاقتصادي” تحت مسمى جديد هو “السلام عبر الإعمار”.
الهدف الظاهري هو إعادة إعمار غزة، لكن الهدف الضمني هو نزع البعد السياسي عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتحويل القضية من قضية تحرر وحقوق وطنية إلى ملف إنساني–إداري تديره أطراف إقليمية بإشراف أمريكي وإسرائيلي.
بهذا، تتحول المأساة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يخدم الأمن الإسرائيلي.
خامساً: رسائل ترمب إلى إيران ومحور المقاومة
زيارة ترمب للمنطقة في هذا التوقيت توصل رسائل متعددة:
إلى إيران، بأن واشنطن ما زالت تمسك بخيوط اللعبة رغم تراجع هيبتها في السنوات الأخيرة، وأنها قادرة على فرض ترتيبات إقليمية جديدة رغم التمدد الإيراني.
إلى محور المقاومة، بأن التحالفات الجديدة التي تشكلت خلال الحرب لن تمر دون رد أمريكي سياسي ودبلوماسي يعيد التوازن لصالح إسرائيل.
وإلى الدول العربية، بأن واشنطن وحدها ما زالت تملك “مفتاح التسويات” وحق الوصاية على مستقبل غزة والمنطقة.
سادساً: إسرائيل وتجميل الفشل
نتنياهو بحاجة ماسة لحدث خارجي ضخم يعيد إليه شيئًا من شرعيته المفقودة، ويقدمه أمام الداخل الإسرائيلي كمن حقق “إنجازًا دبلوماسيًا” بعد فشل ذريع في الميدان.
زيارة ترمب إلى تل أبيب بعد شرم الشيخ ستُستثمر دعائيًا في الإعلام الإسرائيلي لتلميع صورة الحكومة وتبرير التراجع من الميدان العسكري نحو الميدان السياسي، بزعم تحقيق “اتفاق برعاية أمريكية يضمن أمن إسرائيل”.
لكن في جوهر الأمر، ما يجري هو محاولة لتغطية فشل استراتيجي عبر “هدنة سياسية” لا تمس جوهر الاحتلال ولا تُعيد الحقوق لأصحابها.
سابعاً: البعد الدولي... إعادة تموضع أمريكي في وجه الصاعدين
الزيارة تمثل أيضًا جزءًا من إعادة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط.
فواشنطن تسعى لتأكيد أنها لا تزال صاحبة القرار في ملفات الإقليم، في مواجهة التمدد الروسي–الصيني ومحاولات أوروبا كسب موطئ قدم في إدارة ما بعد الحرب.
“تحالف إعادة الإعمار” الذي يُروج له ترمب ليس مشروعًا إنسانيًا بقدر ما هو أداة نفوذ اقتصادي–سياسي لإعادة ربط المنطقة بمنظومة المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
خاتمة
زيارة ترمب للمنطقة، وما يرافقها من دعوة للرئيس محمود عباس للمشاركة في مراسم التوقيع في شرم الشيخ، تعكس إعادة رسم خريطة التفاعلات السياسية بعد حرب غزة.
لكن الخطر يكمن في أن يتحول “وقف الحرب” إلى مدخل لتكريس واقع الاحتلال، وأن يُستبدل الحل السياسي العادل بصفقة مؤقتة تحمل عنوان “السلام مقابل الإعمار”.
الحضور الفلسطيني الرسمي في شرم الشيخ، إن لم يقترن برؤية وطنية واضحة وموقف مبدئي صلب، قد يُستغل لإضفاء شرعية على تسوية لا تُنهي الاحتلال ولا تحقق العدالة.
ويبقى الرهان على الموقف الفلسطيني والعربي الواعي، القادر على تحويل شرم الشيخ من منصة لتكريس الأمر الواقع إلى فرصة لاستعادة زمام المبادرة السياسية وتأكيد أن لا سلام دون إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

×
أخبار
دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط