كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سايكس بيكو .. الطبعة الأمريكية

سعت الولايات المتحدة على مدى السنوات العشر الأخيرة الى اسقاط أنظمة مستبدة فى الشرق الاوسط ضمن استراتيجيتها المعلنة لنشر الديمقراطية فى المنطقة فسقط نظام يلو آخر دون تحقيق الهدف الأساسي,
 وهو بناء أنظمة ديمقراطية بديلة، بل حدث العكس وتحولت الدول الى ساحات مفتوحة للصراع والاقتتال الأهلى والطائفى والعنف المسلح وانتشار الارهاب عوضا عن الديمقراطية, حدث ذلك فى العراق وليبيا واليمن ومصر (عندما اعتلت السلطة جماعة الاخوان لتمثل استبداد أخطر من أى استبداد قديم) ونفس الشيء يحدث فى بلاد أخرى مرشحة لنفس المصير مثل سوريا وربما البحرين والقائمة مازالت طويلة .
دخلت أمريكا أيضا حروبا ضد جماعات مسلحة ضمن استراتيجية أخرى باسم محاربة الارهاب، فاستهدفت «طالبان» فى أفغانستان و«القاعدة» المنتشرة فى أرجاء المنطقة والمتمركزة حاليا فى اليمن، وأخيرا «داعش» التى تسيطر على أجزاء كبيرة من سوريا و العراق . ولكن فى جميع هذه الحالات لم تحقق نصرا حاسما أو لم تمض فى الطريق الى نهايته (ولايبدو أن حربها الدائرة الآن ضد داعش ستكون استثناء) كما أن انتماء هذه التنظيمات الى العالم السنى لا يعنى أنها ليست فى مواجهة مع التنظيمات المشابهة على الجانب الآخر، أى الشيعي، فالجميع يتقاتل والجماعات المسلحة تتزايد والنتيجة الطبيعية أن الدول تسقط وتنهار، والسيادة الوطنية تتآكل، والتداخل بين القوى المحلية و الخارجية يصبح أكثر تعقيدا و تشابكا بحيث تعود المنطقة تدريجيا الى حقبة «اللا دولة».
اذن كيف نقيم الاستراتيجية الأمريكية والى ماذا ترمي؟ إن الاجابة السهلة دائما ما تشير الى أن أمريكا تفتقد الى الرؤية وأنها تفتح ملفات ولا تغلقها وتبدأ حربا ولا تنهيها، بل كثيرا ما تترك الأوضاع فى حالة أسوأ مما كانت عليه من وجهة نظر الكثيرين (مثلما حدث فى أفغانستان والعراق وليبيا). إنها ببساطة لا تفكر - من وجهة النظر هذه فى «اليوم التالى» أو بالمصطلح الأمريكى الشهير « The Day after، وهو ما بعنى عدم امتلاك البديل .
من الممكن أن تكون هذه هى الاجابة أو لا تكون أيضا، بمعنى أن الهدم والتفكيك قد يكون هو الهدف فى ذاته فى هذه المرحلة وليس البناء. اذ أنه فى كل هذه الحالات (سواء على مستوى الدول او محاربة الجماعات المتطرفة) لا تظهر لنا إلا أجزاء صغيرة من صورة أكبر لم تكتمل ملامحها بعد. والمنطق هنا هو عكس المنطق السابق الذى يرى ان أمريكا لا تمتلك رؤية أو أن فكرها الاستراتيجى غائب. إن هذا مما يصعب تصديقه, فلماذا تنفق المليارات على هذه التدخلات العسكرية؟ بل لماذا تتدخل أصلا اذا كانت تفتقد الى الرؤية؟ المؤكد أنها - أى أمريكا - لا تتدخل بهذه القوة الا عندما يمس الأمر مصالحها بشكل مباشر. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح لابد أن تكون هناك رؤية استراتيجية أى طويلة المدى .
يثارالحديث الآن فى الدوائر السياسية والبحثية الأمريكية عن «سايكس - بيكو» الجديدة فهنرى كيسنجر الدبلوماسى البارز ومنظر السياسية الأمريكية لعقود، والذى سبق وصرح بأنه لا حل فى سوريا سوى التقسيم، يؤكد أن ظاهرة انهيار الدول فى الشرق الأوسط وتزايد دور الجماعات غير الخاضعة للدولة تعنى أننا إزاء تسويات اقليمية جديدة يصفها بأنها شبيهة بتسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى. وبنفس المنطق يؤكد ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الامريكى ومؤلف كتاب «حرب الضرورة وحرب الاختيار.. مذكرات حربين فى العراق «أن سايكس بيكو جديدة هى الحل لأمريكا فى سوريا والعراق ، وأن تفكك الشرق الأوسط بشكله القديم بات مؤكدا فى انتظارآخر جديد بدأ يأخذ مكانه. وتخلص كثير من الدراسات والأبحاث الصادرة عن المراكز الأكاديمية الى نفس النتيجة. ففى دراسة عن معهد بروكينجز لمجموعة من الخبراء حول اعادة تشكيل العالم العربى تنتهى الى أنه ليس بالضرورة أن يكون التقسيم سريعا أو معلنا فى البداية، ولكنه قد يحدث على أرض الواقع أولا وتسميه بـ «التقسيم الناعم» والذى تزداد احتمالاته الآن مع تزايد الحروب حول الهوية واسلوب الحكم وتوزيع الثروة والسلطة التى أصبحت متاحة للجميع وفق ما تشير اليه الدراسة - من خلال العمل المسلح من قبل جماعات أو طوائف أو أقليات، بحيث تكون المنطقة إزاء ظاهرة جديدة تتلخص فى نشوء كيانات أقل من الدولة تسميها «شبه دول «Semi State، وأن هذا السيناريو هو الأقرب للتحقيق من احتمالات التحول الديمقراطى أو استعادة الدولة القومية . أى مرة أخرى سايكس بيكو جديدة .
المعروف أن اتفاقية سيكس بيكو التى وقعت فى 1916 بين القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الامبراطورية العثمانية، هى التى قسمت منطقة المشرق العربى أو ما كان يطلق عليه «الهلال الخصيب» ووضعت له الحدود (سوريا ولبنان ومنطقة الموصل فى العراق من نصيب فرنسا، وبغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة من الخليج العربى الى المنطقة الفرنسية فى سوريا وكذلك فلسطين وميناءا حيفا وعكا المطلان على البحر المتوسط من نصيب بريطانيا على أن يكون لفرنسا حق استخدام الميناء الأول) أى أن التقسيم تم على أساس المناطق و الأقاليم بغض النظر عن حجمها ومساحتها فقط وفقا لأهميتها الاستراتيجية لذلك فغالبا ما توصف هذه الحدود بالمصطنعة .
والتقسيم الجغرافى ليس هو كل ما يتعلق بسايكس بيكو، انما تقاسم الثروات تحديدا البترولية كان هو الجوهر الذى أعطى لهذه الاتفاقية أهميتها وخطورتها بل استمرار الحديث عنها حتى بعد مرور ما يقرب من المائة عام على توقيعها. ولأن أمريكا زاحمت تلك الدول الأوروبية القديمة فى المنطقة بعد الحرب باعتبار أن مشاركتها فيها كانت سببا فى حسمها لمصلحة الحلفاء، فقد بدأت الشركات البترولية الأمريكية فى الدخول مع مثيلاتها البريطانية و الفرنسية للحصول على امتيازات التنقيب على البترول خاصة فى العراق (مؤتمر سان ريمو 1920) ونفس السبب كان وراء ضم «الموصل» الغنية بالبترول للعراق وخصمه من نصيب فرنسا لمصلحة بريطانيا الحليف الأقرب لأمريكا وفقا للاتفاقية البريطانية التركية التى راعتها الولايات المتحدة (1928). وبانتهاء الحرب العالمية الثانية, التى أرخت لبداية الحقبة الأمريكية فى المنطقة، تأكدت هذه النزعة و أصبح تأمين تدفق البترول بأسعار مناسبة أو زهيدة وضمان سلامة الممرات المائية، وفى مقدمتها قناة السويس وتلك التى على سواحل البحر المتوسط والتى تستخدم فى تأمين وصول النفط الى الغرب، هما الركنين الأساسيين للاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط وفق مذهب أيزنهاور فى الخمسينيات أى منذ ذلك التاريخ وحتى الآن .
لم تختلف الأسباب كثيرا اليوم، فأمريكا مازالت أكبر مستهلك ومستورد للطاقة ولبترول الشرق الأوسط وسيستمر الأمر كذلك لفترة طويلة قادمة، كما أن نفس المنطقة (سوريا والعراق) هى التى يدور حولها الحديث عن التقسيم وهى ايضا التى تشهد حروب مناطق وأقاليم، كذلك فإن الأكراد حلفاء واشنطن هم الذين سيطروا على أهم المدن النفطية فى العراق بعد الغزو الأمريكى له 2003 (الموصل وكركوك) وهم أيضا الذين يقيمون «شبه دولة» ويشاركونها بقوة فى حربها على داعش التى احتلت المدينة الأولى ، وفى المقابل مازالت تركيا طرفا أساسيا وشريكا فى التغيرات التى تشهدها تلك المنطقة مثلما كان الحال إبان الحرب العالمية الأولي. من هنا تبدأ سايكس بيكو الجديدة ولكن بطبعة أمريكية .
عن الاهرام

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط