مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سبعة أيامٍ فلسطينيةٍ في تونس

سبعة أيامٍ فلسطينيةٍ في تونس

تاريخ النشر: 2016-02-29 | 10:37

فلسطين في تونس حاضرةٌ أبداً ولا تغيب، تتقدم على كل الهموم والمشاكل، وتتصدر الاهتمامات والمشاغل، وقد سكنت سويداء قلوبهم قديماً، وتمكنت من حنايا نفوسهم كثيراً قبل أن يسكن فيها بعض أهلها، ولفيفٌ من قيادتها، يعرف أخبارها الخاصة والعامة، ويتابع شؤونها المختصون والمواطنون، وعليها يجمعون وأمامها يتفقون، ومن أجلها يتنازلون، وفي سبيلها يضحون، فهم يحبونها وأهلها، ويكنون لها الود وشعبها، ويظهرون عواطفهم تجاهها ولا يخفونها، ويعبرون عن مشاعرهم لها ولا يكبتونها، وبعالي الصوت يقولون أننا نحب فلسطين وأهلها، ونعشقها وأبطالها، ونهيم بها وبمقاومتها، وأننا نتمنى اليوم الذي نزورها وهي محررة، ونصلي في مسجدها الأقصى وهي عزيزة شامخة سيدة مستقلة.

في الشارع التونسي تقرأ على الجدران شعاراتٍ فلسطينيةٍ، وترى علم فلسطين مرفوعاً يرفرف على الأعمدة أو فوق أسطح البنايات، أو مكتوباً على الجدران واليافطات، وأسماء مشاهير شهداء فلسطين أعلامٌ في تونس، يسمون بهم أسماء شوارعهم ومدارسهم، ويعرفون بها ساحاتهم وميادينهم، وتقرأ في كل مكانٍ كلمات التضامن وعبارات الولاء لفلسطين والتأييد لانتفاضتها، وفي صحفهم فلسطين حاضرة قبل أي خبر، وتتصدر بانتفاضتها قبل أي قضيةٍ، رغم هموم الأمة وأحزانها، ومشاكلها ونزاعاتها، إلا أن فلسطين بطهرها تتقدم، وبأصالتها تسبق، وبحب الشعب لها تتصدر.

وفي المقاهي العامة التي تشتهر في تونس العاصمة، يرحب النادلون بالفلسطينيين ويبشون في وجوههم، ويقتربون منهم يدندنون ويترنمون بأغاني فلسطينية وأهازيج شعبية، ويرددون على المسامع قصائد محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان، ويحفظون كلمات غسان كنفاني ورواياته، ويعلنون أنهم يحبون فلسطين وأهلها، ويعددون شهداءها وقادتها، ورموزها وشيوخها، ولسانهم يقول نحن فداك يا فلسطين، أوراحنا لك فداء، وأبناؤنا لك قربى وفي سبيلك ترخص الدماء وتهون التضحيات، لسانهم بسيطٌ صادق، وقلوبهم صافيةٌ نقية، ومشاعرهم جياشةٌ معبرة، لا يوجههم أحد، ولا يرشدهم مسئول، إنما يحركهم الحب والولاء، والصدق والوفاء.

يسمع التونسيون لهجةً عربيةً غريبةً عليهم، فلا يجدون عظيم جهدٍ في تمييزها ومعرفتها، فهي لهجة فلسطين، وكلمات أهلها التي تني عن العزة، وتكشف عن العظمة، وتعبر عن القوة، يلتف التونسيون ويتحلقون، يريدون أن يسمعوا المزيد عن فلسطين وانتفاضتها، وعن أهلها وسكانها، وعن قدسها ومسجدها، ورغم أنهم يعرفون كل شئ، ويتابعون كل التفاصيل، ويحفظون كل الجزئيات، إلا أنهم يريدون أن يسمعوا من أهلها، وأن يتنسموا رائحة سكانها، الذين يسمونهم بالمرابطين، ويعدونهم مجاهدين، ويرون أنهم يحظون بالشرف كله ويحوزون على الفخر بأسره، فهم يقاتلون عدو الأمة، ويواجهون السرطان الصهيوني، ويتحدون بضعفهم قوة العدو، ويتصدون بإرادتهم جبروت المحتل وسلاحه، ويرسمون للأمة كل يومٍ صفحاتٍ من العز والفخار، يقرأونها في صمود الشعب، وفي انتصارات غزة، وفي تضحيات الضفة.

سائقو السيارات، والباعة في الأسواق والمحلات، والموظفون في الفنادق والمؤسسات، لا يترددون في التعبير عن حبهم لفلسطين، ولا يكفون عن إبداء صدق مشاعرهم تجاهها، وخالص أمنياتهم بتحريرها، فالسائق يصر على رفض الأجرة، والبائع يخفض في أسعاره، وموظفو الفنادق يبدون بشاشتهم ويظهرون سعادتهم، وغيرهم يسأل ويستفسر، ويطلب المزيد من الشرح والبيان، ويسأل عن الظروف والأوضاع والأحوال، ومآل الانتفاضة ومستقبل المقاومة.

محمد القيق علمٌ فلسطيني يرفرف على الألسن التونسية، يعرفونه مناضلاً صلباً ومقاوماً عنيداً، يؤيدونه ويساندونه، ويقفون معه ويناصرونه، ويرون أنه أمةٌ في شخصهِ، وشعبٌ في موقفه، يعبر عن الأصالة الفلسطينية، وعن العنفوان الكبير الذي يتميزون به، فقد صنع من ضعفه قوة، ومن أمعائه سلاحاً، ومن معدته قلعةً وجبهة، ونجح في قهر العدو وهزيمته، وأجبره على التراجع والانكفاء، والتسليم بإرادته وصموده، فكانوا يؤدون له التحية في كل محفل، ويبدون الاعتزاز به في كل موقف، فهو خير من يعبر عن إرادتهم، وأصدق من يتحدث عن صمودهم، إنه مثال الفلسطيني الصامد كالجبل، والشامخ كالراسيات.

في تونس لا يقوى الفلسطيني على مواجهة سيل المشاعر الجارفة، ولا اندفاعة العواطف الصادقة، ولا يعرف كيف يواجه التونسيين ويرد عليهم، وكيف يخاطبهم ويتحدث معهم، فهم أصدق عاطفةً وأكثر وعياً، وأثبت يقيناً، وأعظم ثباتاً، وأكثر أملاً، وأشجع نفساً، وأعلى همةً، وأسرع خطوةً، وأقوى إرادةً من كثيرٍ من الفلسطينيين أصحاب القضية، بل إن الصورة أمامهم واضحة، والقضية صريحة، لا يكتنفها الغموض، ولا يعتريها العور في الفهم، فهم يريدون فلسطين كاملةً، حرةً أبيةً عزيزةً مستقلة، ويرون أن الكيان الإسرائيلي والحركة الصهيونية هي العدو الأول للأمة كلها، فينبغي مواجهتها لا مهادنتها، وقتالها لا مصالحتها، والتصدي لها لا مفاوضتها، والثبات أمامها لا الهروب منها.

لكن التونسيين لا يترددون في توجيه النقد وجلد الذات، ومحاسبة المسؤولين ومعاقبة المخطئين، فهم يعتبون على الفلسطينيين بقوةٍ، ويبدون غضبهم من قيادتهم بكل شدةٍ، ولا يترددون في وصف القيادة الفلسطينية بكل مستوياتها، الرسمية والحزبية، والفصائلية والمستقلة، بأنهم يخطئون في حق الشعب الفلسطيني، ويقامرون بمستقبله، ويفرطون في حقه، ويخذلون شعبه، ويتسببون في إلحاق الأذى بالقضية والشعب، وأنهم بتصرفاتهم يخالفون الصورة البهية للشعب الفلسطيني.

إنهم يتهمون النخبة الفلسطينية بأنها جزء من الأزمة، ولعل بعضها هو سبب الأزمة وأساس المشكلة، كونهم يقدمون همومهم الخاصة على الهموم العامة، ويهتمون بشؤون أحزابهم وفصائلهم أكثر من شؤون الشعب وهمومه، ويعيبون على القوى الفلسطينية احترابها وتنازعها، واختلافها وتمزقها، وانقسامها وتشرذمها، ويرون أن الحال الذي توجد عليه القوى الفلسطينية هو أمنية العدو وغايته، وهي هدفه المنشود وطريقة الموصوف للوصول إلى أهدافه، وتحقيق غاياته القديمة والجديدة.

يستنكر التونسيون استمرار الانقسام وطول أمد الاختلاف، ولا يترددون في توجيه النقد القاسي إلى طرفي المشكلة، وفريقي الأزمة، ويرون أنهما تسببا في تشويه الصورة الفلسطينية الناصعة، وتلويث صفحتها البيضاء الطاهرة، ويدعونهم بلسان المحب وقلب العاشق لفلسطين وأهلها، أن يتفقوا ويتحدوا، وأن يتجاوزوا اختلافاتهم وتبايناتهم، وأن يوحدوا كلمتهم ويرصوا صفوهم، إكراماً لشعبهم الأبي، وأمتهم العظيمة، الذي يخوض انتفاضته الثالثة بكل قوةٍ وعزةٍ، ويقدم بنفسه أقصى ما عنده، وأغلى ما يملك، ولا يلتفت إلى اختلافات فصائله، ولا إلى تلكؤ قياداته، وتأخرهم جميعاً عن اللحاق بهم أو ادراكهم، فالشعب قد سبقهم في دربه، وفاتهم في انتفاضته، ولا يعنيه من أمرهم إلا أن يتفقوا ويتجاوزوا الاختلافات، ليتمكنوا من تحقيق الأماني والوصول إلى الغايات المنشودة، وإنهم على ذلك لقادرين، وبمقاومتهم لها ضامنين.

رغم أن الآذان كانت في تونس صاغية، والقلوب واعية، والمشاعر حاضرة، إلا أن النقد كان قاسياً وجارحاً، وصريحاً وواضحاً، ومباشراً وقصدياً، وقد كان بلسانٍ محبٍ، وقلبٍ والهٍ خائف، لا نشكك فيهم ولا نتهمهم، ولا نقلل من حرصهم واهتمامهم، ولا نستخف بعمق رؤيتهم وصفاء بصيرتهم ونقاء سريرتهم، وفي ذلك نعذرهم ونشكرهم، ونقبل نصحهم ونرحب بتوجيههم، فهل يدرك الفلسطينيون قيادةً وشعباً، وفصائل وقوى أن الأمة العربية وشعوبها الحية، تتطلع إليهم بأمل، وترنو عيونهم إليهم بشغفٍ، فهم يرونهم شامة الأمة وجبينها الأغر، وصفحتها البيضاء وتاريخها الناصع، فهل نكون عند حسن ظنهم، أم نكذبهم ونفشلهم، ونخيب آمالهم ونحبط نفوسهم، ونطعنهم في أعز ما يملكون، وأعظم ما يقدسون.

×
أخبار
عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط