كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ستبقى قضية فلسطين قضية تحرر وطني ..

ستبقى قضية فلسطين قضية تحرر وطني ..

تاريخ النشر: 2026-02-19 | 11:52

يتكرر بين الحين والآخر خطابٌ عربيٌّ وإسلاميٌّ يُحمِّل الفلسطينيين مسؤولية ما تعانيه بعض الدول من أزمات اقتصادية أو اختلالات سياسية، ويصوّر القضية الفلسطينية بوصفها عبئًا استنزف الموارد والطاقات، وحان وقت “التحرر” منه. هذا الطرح، على ما فيه من تبسيط مخلّ، يتجاهل السياق التاريخي والسياسي لتداخل القضية الفلسطينية مع محيطها العربي، ويقلب العلاقة بين السبب والنتيجة.
لا يمكن إنكار ما قدمته دول وشعوب عربية وإسلامية لفلسطين من دعم سياسي ومالي وعسكري، كما لا يمكن إنكار وقوع أخطاء فلسطينية في مراحل مختلفة؛ سواء خلال وجود مركز القرار الفلسطيني في الأردن ثم لبنان وتونس، أو بعد قيام السلطة الوطنية، أو في سياق الانقسام الداخلي وصعود قوى ذات ارتباطات إقليمية. غير أن الاعتراف بالأخطاء لا يبرر تعميم الاتهام، ولا يصح أن يتحول إلى أداة لإعفاء أنظمة وأحزاب من مسؤولياتها الداخلية.
منذ ثورة 1936 مرورًا بنكبة 1948، لم تكن الساحة الفلسطينية معزولة عن التأثيرات العربية والدولية. دخلت جيوش عربية الحرب عام 1948 في سياق توازنات إقليمية ودولية معقدة، وكانت النتائج كارثية على الفلسطينيين أولًا. ثم رُفعت شعارات القومية والوحدة والتحرير، وتبنّت أنظمة عربية أيديولوجيات عابرة للحدود اعتبرت فلسطين “قضية مركزية” للأمة. في ظل هذا المناخ، لم يكن الفلسطيني يعيش في فراغ، بل ضمن فضاء سياسي خاضع لسيادة تلك الدول وخياراتها الاستراتيجية.
برزت في تلك المرحلة أفكار مثل “الناصرية” المرتبطة بـ جمال عبد الناصر، وأحزاب كـ حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسسه مفكرون سوريون وعراقيون، كما شارك فلسطينيون في حركات قومية مثل التي أسسها جورج حبش. هذه التيارات لم يصنعها الفلسطينيون، بل نشأت في سياقات عربية داخلية، ثم انعكست على فلسطين. وتحت شعار “قومية المعركة”، تدخلت أنظمة في تفاصيل القرار الفلسطيني، وشكّلت تنظيمات مسلحة مرتبطة بها، وأقحمتها في أطر تمثيلية.
جاءت هزيمة 1967 لتكشف عمق الخلل في البنية السياسية والعسكرية العربية. خسرت مصر وسوريا والأردن الحرب، وكانت النتيجة احتلال ما تبقى من فلسطين. ومع تراجع المد القومي بعد رحيل عبد الناصر، صعدت موجة الإسلام السياسي، لتتكرر الظاهرة ذاتها بأدوات مختلفة: تدخل في الشأن الفلسطيني، ومنافسة على تمثيله، ومحاولة إعادة تعريف هويته السياسية والدينية.
لم يؤسس الفلسطينيون جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها حسن البنا، ولا تنظيم القاعدة الذي ارتبط بـ أسامة بن لادن، ولا تنظيم داعش الذي قاده أبو بكر البغدادي. هذه التنظيمات نشأت في بيئات عربية وإقليمية خاصة، وتأثرت بصراعات دولية معقدة. ومع ذلك، انعكست تداعياتها على فلسطين، سواء عبر صعود حركات ذات مرجعيات عابرة للحدود، أو من خلال تحويل الساحة الفلسطينية إلى ساحة تجاذب إقليمي.
إن تحميل الفلسطينيين مسؤولية أزمات اقتصادية في دول عربية، أو إخفاقات تنموية، أو صراعات مذهبية وسياسية داخلية، يتجاهل أن لكل دولة منظومتها الخاصة من السياسات والخيارات والتحالفات. الفساد، وسوء الإدارة، وغياب الحكم الرشيد، والارتهان للخارج، ليست نتاج القضية الفلسطينية، بل نتاج بنى داخلية معروفة. كما أن وجود قواعد عسكرية أجنبية أو صراعات حدودية لا يمكن تفسيره بفلسطين.
ومن هنا تبرز ضرورة تجنيب فلسطين الصراعات البينية، الحزبية منها والدولانية، ووقف تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية أو منصة لتنافس المحاور. فالقضية الفلسطينية ليست ورقة ضغط، ولا أداة تعبئة ظرفية، ولا امتدادًا لصراع أيديولوجي عابر للحدود؛ بل هي قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال. إن حماية القرار الوطني الفلسطيني من الاستقطابات، وتعزيز وحدته الداخلية، وفصل دعمه عن الاشتراطات السياسية الضيقة، يشكل شرطًا أساسيًا لصون عدالة القضية ومكانتها.
كما أن دعم فلسطين ليس مجرد موقف عاطفي أو تضامني، بل هو واجب أخلاقي وسياسي وقانوني ومصلحي. أخلاقيًا، لأن الوقوف إلى جانب شعب واقع تحت الاحتلال هو انحياز لقيم العدالة والكرامة الإنسانية. وسياسيًا، لأن استقرار المنطقة وأمنها لا يتحققان دون حل عادل ينهي الصراع. وقانونيًا، لأن حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ راسخ في القانون الدولي. ومصلحيًا، لأن استمرار الصراع يغذي التوتر وعدم الاستقرار في الإقليم، ويترك آثاره على الجميع.
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا سببًا في انهيار دولة عربية، لكنها كانت مرآةً تعكس طبيعة تلك الأنظمة وخياراتها. من جعلها شعارًا لتبرير القمع الداخلي هو من أساء لها، ومن استخدمها لتصفية حسابات إقليمية هو من أضعفها، ومن استثمرها أيديولوجيًا لتحقيق شرعية مفقودة هو من حمّلها ما لا تحتمل.
ورغم كل ذلك، ستبقى قضية فلسطين قضية تحرر وطني لشعبٍ يناضل من أجل حريته واستقلاله، وفق قواعد القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهي، قبل أن تكون شعارًا عاطفيًا أو ورقة سياسية، حق تاريخي وإنساني لا يسقط بتقادم الشعارات ولا بفشل الأيديولوجيات.

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط