الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي

مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي

تاريخ النشر: 2026-09-21 | 15:16

 د. سلامه أبو زعيتر
د. سلامه أبو زعيتر

مع استمرار الحرب على قطاع غزة وما خلفته من ديار قاحلة وواقع قاسي لقرابة ثلاثة أعوام، وسط غياب المؤسسات الرسمية والجهات الرقابية والتنفيذية عن ناظم العمل، تفاقمت معاناة العمال لترسم المشهد الإنساني والاقتصادي الأكثر قسوة في التاريخ المعاصر، وفي هذا السياق المأساوي، يقف قطاع غزة على مفترق طرق مصيري؛ فلم يعد الحديث عن سوق العمل أو معدلات البطالة ترفاً أكاديمياً أو نقاشاً تقليدياً في التنمية، بل تحول إلى قضية وجودية تحتضر معها مقومات الأمن المعياري والنفسي لأكثر من مليوني ونصف إنسان. ومن هذا المنطلق، يواجه العمال والمشغلون -الذين طالما مثلوا رافعة الاقتصاد المحلي والعمود الفقري لصمود العائلة الفلسطينية-كارثة غير مسبوقة جرفت معها الأخضر واليابس، وألقت بظلال ثقيلة ومظلمة على مستقبل جيل كامل من الشباب والخريجين الجدد، بالإضافة للعمال السابقين وخريجي التدريب المهني.
وعلى وقع هذا الانهيار، شهد قطاع العمل تحولاً كارثياً؛ فمن اقتصاد عانى طويلاً من حصار مرير وبطالة مزمنة، هبط الواقع إلى درك الانهيار الشامل لكل الأنشطة الحيوية. لم يقتصر الأمر على الدمار الواسع الذي طال المنشآت الصناعية، والورش الحرفية، والمراكز التجارية، والأراضي الزراعية، والمؤسسات الأهلية والتعاونية، بل امتد ليشمل الانقطاع التام لآلاف العمال الذين كانت أسواق العمل داخل أراضي الخط الأخضر تشكل لهم متنفساً ومصدراً رئيساً للدخل، وأفرغ هذا الانقطاع المفاجئ لمصادر الدخل الوحيد البيوت وخيم النزوح من مقوماتها الأساسية، ليغرق المجتمع المهجر والنازح بارضه في دائرة مفرغة من انعدام الدخل والامن الوظيفي، في ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية والمظلات التأمينية والحماية من المخاطر في الأزمات والحروب.
وفي قراءة نقدية للمشهد الراهن، يتكشف ضعف وعقم التدخلات الإغاثية التقليدية التي تقودها المؤسسات الدولية؛ إذ اقتصرت جُلّ هذه البرامج على معالجة الأعراض لا الأسباب الجذعية، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لإدارة الأزمة وتسكين الألم بدلاً من تفكيكه، وسط غياب إرادة مؤسسية حقيقية لدمج العمل الإنساني بمسار التعافي المبكر؛ كما أن غياب الحوكمة الرشيدة وضعف التنسيق بين الجهات الرسمية والأهلية والدولية أدى إلى تشتت الجهود وهدر الموارد المتاحة، فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى بعض الجهات المانحة التي تصر على التعامل مع قطاع غزة بسيناريوهات طوارئ أزلية تتجاهل حق الإنسان في الإنتاج والكرامة والتمكين المستدام.
وتبعاً لذلك، فإن أي محاولة جادة لاستشراف مستقبل التشغيل تصطدم حتماً بتحديات بنيوية معقدة؛ أبرزها التدمير الممنهج للبنية التحتية، وضعف اليقين بأي حلول سياسية وأمنية قريبة مما يجعل البيئة طاردة تماماً للاستثمار التقليدي، ويضاف إلى ذلك الخطر الصامت المتمثل في تآكل مهارات العمل لدى الشباب والخريجين بفعل طول مدة الانقطاع عن بيئة العمل، الأمر الذي يهدد بتحويل طاقات بشرية واعدة إلى فئات تعتمد كلياً على الإغاثة والمساعدات، ويجرد السوق المحلي من كفاءاته التنافسية.
وسط هذه التحديات، يتأكد يوماً بعد يوم أن عشوائية التشغيل ومحاولة تقاسمه بنظام محاصصات متناثرة في كل الاتجاهات وغياب التخطيط المنهجي ضمن خطة وطنية موحدة يظل الحاجز الأكبر أمام التنمية وتحقيق العدالة في التشغيل؛ فمع استمرار العمل بلا مظلة ناظمة وتجاهل صندوق التشغيل باعتباره المظلة الوطنية من قبل المؤسسات الدولية والأممية، تتبدد الجهود وتتحول التدخلات إلى مسكنات مؤقتة فيها إهدار للمال وتدمير للمستقبل، ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لاعتماد إطار وطني ومؤسسي متخصص وشفاف يوجه الموارد نحو استراتيجية تشغيل واضحة المعالم.
ورغم سوداوية المشهد، فإن الاستسلام لليأس ليس خياراً، بل تفرض الضرورة صياغة رؤية استراتيجية مبتكرة ومضاعفة لفرص العمل عبر مسارات متكاملة ومتنوعة وغير تقليدية؛ تبدأ بتأسيس اقتصاد إعادة الإعمار والتدوير المحلي عبر إطلاق صناعات مصغرة تعتمد على تدوير الأنقاض وإنتاج الطوب البديل والبلاط لتوفير آلاف الفرص الفورية، بالتوازي مع التحول الكثيف نحو الاقتصاد الرقمي والتعهيد العابر للحدود عبر منصة وطنية مركزية ومساحات عمل مدعومة بالطاقة البديلة لاستيعاب الشباب في مجالات البرمجة والعمل الحر العالمي. ولا يقل عن ذلك أهمية إحياء التعاونيات بأنواعها الخدماتية والتسويقية والصناعية والإنتاجية والزراعة الحضرية المكثفة لتأمين الأمن الغذائي، وتوسيع برامج النقد مقابل العمل الموجه تنموياً لتتجاوز مجرد إزالة الركام إلى تهيئة المدارس والعيادات وشبكات المياه المصغرة وفتح الشوارع والأراضي واستصلاحها، وليُتوج كل ذلك بخطط إعمار تنموية مستدامة تديرها الجهات الرسمية والهيئات الوطنية وشركائها في سوق العمل بمنظور استثماري طويل الأمد يعيد هيكلة سوق العمل وفق متطلبات العصر والظروف الفلسطينية وبإطار وطني موحد، لا الاكتفاء بالمعونات المؤقتة والحلول الترقيعية المجتزئة..
أخيراً، إن قطاع العمل والتشغيل في غزة ليس مجرد أرقام صماء في تقارير البطالة، بل هو المرآة الحية لكرامة الإنسان وحقه الأصيل في العيش الكريم، ومهما اشتدت التحديات وتضاعف حجم الدمار، فإن التاريخ يثبت مراراً أن الإنسان الغزي، الذي صنع الحياة من قلب الرماد والحصار، يمتلك من الإرادة ما يؤهله لبناء مستقبله من جديد، اذا توفر الدعم والمساندة الامينة لذلك، ومن هنا، فإن دعم العامل الغزي وتمكينه لا يُعد استجابة إنسانية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى عدالة النظام الدولي، واستثمار استراتيجي لا غنى عنه لإعادة الحياة للمواطن الفلسطيني ولاستقرار المنطقة برمتها وبذرة أساسية لأفق سياسي واقتصادي مستدام.


الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-21/6ab119ae73af8-1789991342.png
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
وزير الخزانة الأميركي: ستتوقف جميع شركات الطيران الإيرانية عن العمل في أنحاء العالم في 23 سبتمبر "هآرتس": العقوبات الدولية على إسرائيل تتجه لنطاق ملزم ذي "أسنان حقيقية" بعد لقاء عون في بعبدا.. جنبلاط: نعم للمفاوضات المشروطة بالانسحاب ترامب: يجب إنهاء الحرب السخيفة بين روسيا وأوكرانيا جدال سياسي حول استراتيجية ترامب بالذكاء الاصطناعي وموقفه الرافض لتنظيم القطاع العفو الدولية تطالب أمريكا العدول عن قرار منع الوفد الفلسطيني من حضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة ن.تايمز: ترامب تراجع عن ضرب الحوثيين بعد اكتمال الاستعدادات في اللحظة الأخيرة هآرتس: هرتسوغ يعمّق تدمير مكانة إسرائيل أكثر في العالم باسم "وحدة وهمية" رويترز: كيف انتقل ترامب وشي من حرب رسوم جمركية إلى هدنة تجارية؟ الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة  إلى 73,914 شهيدا أمريكا: إعلان أحذية يثير عاصفة غضب.. والشركة تسحبه وتعتذر علنا شهداء وجرحى في قصف جيش الاحتلال المستمر على قطاع غزة تقييم أمريكي يظهر فجوة بين النجاح العسكري والحسم الاستراتيجي في الحرب ضد إيران باب المندب ..تعرية الشعارات "العربية"! فهمي يبحث مع غوتيريش أزمات العالم العربي وتحديات المنطقة ومأساة قطاع غزة الإنسانية الحرس الثوري يحذر من تغيير جغرافيا الحرب في حال هوجمت إيران: سندهش العالم حزب "روسيا الموحدة" يتصدر انتخابات الدوما..والشيوعي ثانيا تباطؤ عبور السفن لمضيق هرمز مع استمرار التوتر في الشرق الأوسط تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط