كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ست ملاحظات لفهم الهدر الإنساني

ست ملاحظات لفهم الهدر الإنساني

تاريخ النشر: 2019-02-24 | 14:22

في الصفحة 28 من كتابه « الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية، ط 2، المركز الثقافي العربي»، يعرف عالم النفس مصطفى حجازي مفهوم الهدر : «ما يبطل من دم أو غيره أي ما يستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تحصنه  ضد التعدي عليه»، وأفهم من هذا التعريف أن الإنسان المهدور مبطول الدم وأن هذا الأخير مستباح سفكه، وحرمته غير محصنة، ويمكن التعدي عليه، ولذلك لا قيمة للإنسان المهدور، أي أنه ساقط وباطل كما ورد في معجم المعاني، ومن ثمة فالهدر هو الضياع والحرمان وعدم القيمة.

وفي هذا الإطار سوف ألمس عمليا دلالة الهدر في ست ملاحظات ميدانية، سجلتها يوم 22 فبراير 2019 على متن الحافلة المتوجهة بين مدينتي الدار البيضاء والمحمدية، فالهدر لا يتعلق بهدر الدم، بل يتجلى في استباحة وتجريد الإنسان من إنسانيته، أي هدر ذاته وغيره داخل منظومة واسعة اسمها منظومة الهدر الإنساني:

الملاحظة الأولى: كانت الحافلة مكتظة عن آخرها، والبشر مكدسون مثل الحجر بلا قيمة ولا كرامة، يتدافعون كما تتدافع القطعان كما أن كراسيها متسخة ونوافذها مكسرة، وبين أروقتها يتطاير الغبار، وتبدو الحافلة كابن آوى الجريح، لا تحظى بعناية من طرف مسؤوليها، ثم لا تحظى بعناية من طرف الركاب الذين يتركون أزبالهم مرمية على الكراسي، وليس هذا وحسب، بل إنهم يخربون ويكسرون ويحطمون ويفرغون غلهم وحقدهم على حافلة لا حول ولا قوة لها، إنها بمثابة قربان يقدم لضريح الهدر الإنساني، فكما الحافلة تنفث سمومها ودخانها في شوارع المدينة فإنها تحترق من حين لآخر، وتتوقف في الطريق، ولذلك تعبر عن عقلية مهزومة، عقلية بلا أفق ولا مستقبل ولا أمل، إنها تعكس ذهنية تحترق داخليا وخارجيا، إن الحافلة جسد مريض يعبر عن مرض الأمة المغربية، وتوقفها وعدم مواكبتها للسرعة المطلوبة يوحي ببطء الأمل والحياة، ومن هذا المنطلق تختزل الحافلة واقع المغرب كله، وهذا الواقع يوحي بشتى أنواع التبخيس.

الملاحظة الثانية: انطلقت الحافلة شمالا صوب مدينة المحمدية، كانت تعتصر بالضجيج والضوضاء، ولقد بلغ الازدحام حدا لا يطاق، فهناك من هو واقف ملتصق على الباب حتى يكاد يسقط، إذ يمسك بالحافلة كمن يمسك بالحياة إلى آخر رمق، وبعد برهة من الزمن صعد شخص يبيع أغلفة البطاقات، وهناك عادة غريبة في الدار البيضاء، وهي أن البائع يحمل المشتري على شراء بضاعته بطريقة مهينة تصل حد التسول، إذ يضع البائع بضاعته أمام المشترين ويقوم بجولة حاثا ومرغبا إياهم على شراء البضاعة، ولئن رفض المسافرون شراء البضاعة يتذمر البائع، ويقول لهم: «تعاونو معايا، واش بغيتوني نمشي نشفر»، ولم يهتم به أحد، فراح يلعن الأرض والسماء والبشر، إذ لم يبع سوى بطاقتين، فشكر امرأتين قبلت بشراء بضاعته، إلا أنه لم يحترم إرادة باقي الركاب في الشراء من عدمه، ولذلك من اللافت القول أن الهدر الإنساني يسكن التبادل كآلية للأخذ والعطاء، فالبائع يهدر قيمة المشتري والمشتري يبخس قيمة البائع، لقد سمعت البائع يقول: «علاش مبغيتوش تعاونو معايا وأنا مقودة علي؟»، ومعنى هذه العبارة: لماذا لم تتعاونوا معي ووضعيتي بائسة، فعلا، إن وضعيته كارثية تدعو إلى الرثاء، صندل مغبر ورأس منفوش وشفتان نالت منهما السجائر، وصدر منخور يكح كحا عميقا، هل من حياة بائسة تفوق هذا البؤس ؟ إنه الهدر الإنساني وقد صار إلها يمشي على قدميه Ị

الملاحظة الثالثة: قطعت الحافلة أربعة كيلومترات تقريبا، و بعد لحظة تقف، فتصعد امرأة تحمل رضيعا، إضافة إلى ابنيها الآخرين اللذين سارعا إلى اختراق البشر المكدسين ، تتزاحم المرأة مع المتزاحمين، تدفع أجر تذكرة واحدة، فتمر هنيهة من الزمن، فتجد نفسها أمام المراقبين، فصرخ في وجهها أحد المراقبين قائلا: «نت هاذ الولاد لاش والداهم ملي باغاش تخلصي عليهم»، أيها المراقب : هل الأمر يعزى إلى هذه السيدة المسكينة ؟ إن الإرادة عمياء و فتاكة ومدمرة، وعلى رأس هذه الإرادة إرادة الجنس، وهو أعمى يخرج الزنابير من أعشاشها لإطعام نسل لن تراه، ويوقظ عاملا في الصباح الباكر للذهاب إلى العمل من أجل إطعام أولاده، وأنت ألم تخرج إلى العمل لإطعام أولادك؟  ومن يدري ؟ قد تكون هذه السيدة تعمل من أجل إطعام هؤلاء الأولاد وتدافع عنهم في سبيل أن يحيوا عندما تموت، فهذه هي إرادة التناسل والجنس التي لا تتفوق عليها أية إرادة أخرى . إلا أن المراقب  ينظر إلى ذاته بعنجهية لا تفوقها أية عنجهية أخرى، إنه يقوم بالمراقبة أي أنه حامل للسلطة، وتتجلى هذه السلطة في تمزيق الأوراق، فمن الناحية السيكولوجية يمارس نوعا من الأبوية، فالتمزيق فعل عنيف ويكون المراقب موضع الفاعل، بينما يكون الراكب موضع المفعول به، فاقدا لأية سلطة، وبالتالي عليه تسليم الورقة لكي تكون عرضة للتمزيق، كيف يقبل الراكب تمزيق ورقته مع العلم أنه دفع مقابلا على ذلك ؟ هنا يبرز الهدر، أي الراكب له القابلية للتمزيق مادام يقبل بتمزيق ورقته، وفي بعض الأحيان تتم مراقبة الورقة مرتين أو ثلاث ويتحول الراكب إلى ورقة ممزقة، إن هذه الصورة تختزل رمزيا المآل والحضيضية والدونية التي وصل إليها الإنسان المغربي.

الملاحظة الرابعة: يعثر المراقبون على ضحية لم تدفع ثمن التذكرة، كان ولدا قصيرا، وكانوا يجرونه كما تجر النعاج وفي الوقت نفسه كانوا يحتقرونه ويلعنونه بأتفه العبارات ويفتشون جيوبه وسرواله في موقف مذل، البعض كان يضربه والبعض الآخر كان يركله، وحينما لم يعثروا على شيء رموه خارج الحافلة وهم يسبونه بسباب بذيء. 

الملاحظة الخامسة: تصعد عجوز إلى الحافلة، تتوسل إلى الركاب لكي تحصل على كرسي تجلس عليه، تمنحها راكبة مقعدها، وحينما وصلت العجوز إلى نقطة نزولها منحت شابا مكانها وتذكرتها.

الملاحظة السادسة: لما أرادت العجوز أن تنزل ضربت الباب بعنف، ولعنت السائق علنا وسرا لأنه لم يتوقف في النقطة التي تريد بالضبط.

يتبين من خلال ما سبق أن الهدر بنية، فلا يتعلق الأمر بالراكب وحده كذات مهدورة، بل يتعلق الأمر كذلك بالحافلة والمراقب والبائع وصاحب الحافلة، وجميع من يدخلون في هذه البنية الاجتماعية المركبة والمعقدة التي يخترقها الهدر من كل جانب.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط