كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سحر بوتين الخفيّ

سحر بوتين الخفيّ

تاريخ النشر: 2016-09-10 | 08:22

في انتخابات أميركا الرئاسيّة في 2000، حين تأخّر إعلان نتائج المنافسة بين جورج دبليو بوش وآل غور بسبب فرز الأصوات في فلوريدا، ظهرت دعابة عربيّة يصلح أن تُروى عن أيّ بلد يُجري انتخابات شكليّة. فقد تباهى العربيّ المفترض بقوله: إنّ الفارق بيننا وبينهم أنّ الأميركيّين لا يعرفون نتائج الانتخابات إلاّ بعد وقت طويل على حدوثها، فيما نحن نعرف النتائج قبل وقت طويل على إجرائها.

وإذا رمزت النكتة هذه إلى فوارق كبرى بين الثقافتين السياسيّتين السائدتين في العالم العربيّ والولايات المتّحدة، فإنّ العلاقة بروسيا بوتين تُعفي من مزاح كهذا. ذاك أنّ الصلة ببوتين تنطوي على جدّيّة العلاقة بين المسحور بالساحر، حيث يعبّر الرئيس الروسيّ عمّا نفعل وعمّا نشتهي أن نفعل ولا نستطيع. فهو، في آن واحد، قدراتنا ومستحيلاتنا، وهو شبيهنا ومثالنا معاً.

فسيّد الكرملين ابتدع صيغة في التناوب مع ديمتري ميدفيديف مدهشة يسيل لها لُعاب الحكّام. لكنّه حين يحكم، مباشرة أو مداورة، يمارس نوعاً من تجاوز التفويض الديموقراطيّ، تعزّزه الكفاءات غير الديموقراطيّة التي ينمّيها العمل في مخابرات سبق أن درّبت أقوى أجهزة مخابراتنا. فهو يخاطب فينا المتشاطر والمراوغ الذي لم تشذّبه تقاليد سياسيّة ولا إملاءات مؤسّسيّة، خصوصاً أنّ سيرة انتقاله من «الكي جي بي» التي غادرها في 1991، ووصوله من بطرسبورغ إلى موسكو في 1996، سيرة راسبوتينيّة جعلته يحيط بالمريض والسكّير بوريس يلتسن إحاطة الراهب غريغوري راسبوتين بآخر بيت رومانوفيّ حاكم. ومن شطارته، التي تستهوي الفهلويّ فينا، أنّه «أنقذ» بلده المتداعي بدواء الارتفاع الذي أصاب أسعار النفط والغاز الطبيعيّ، بموجب اقتصاد ريعيّ يعفي من الإنتاج ومن الجهد والتفكير، كما يجنّب مغبّة الحرّيّة بوصفها مصدر الخيال والإبداع في اقتصاد ما بعد صناعيّ، لكنْ بوصفها أيضاً محكّ المسؤوليّة. أمّا أن تُلغى بورجوازيّة مستقلّة تطالب بالسلطة، أو بحصّة منها، فهذه نعمة تفوق ما نستحقّ.

أبعد من ذلك أنّ بوتين حاكم «قويّ»، لا بالمعنى الذي يجعل مؤسّسة الحكم قويّة، وطبعاً ليس بما يجعل المجتمع قويّاً. إنّه قويّ بالمعنى الذي يستمدّ القوّة من الجيش أو الأمن، ودائماً من هيبته على المحكومين وخوفهم منه. فإذا ما ذهب بعيداً في دوس كراماتهم، أنعش تلك الكرامات المُداسة إنعاشاً زائفاً بمواجهته للخارج. وأميركا، بالطبع، حاضرة ناضرة لأن تكون ذاك الخارج الذي يُسنّ سيف الكرامة التافهة على حديده.
وبوتين، بوصفه رمزاً لدولة «قويّة» وكبرى، أتاح له التراخي الأميركيّ والغربيّ أن يضمّ القرم ويتدخّل في الشرق الأوكرانيّ، يخدمنا وينوب عنّا، نحن الذين نريد أيضاً إلحاق الهزيمة بأميركا. وهذا، كما نعلم، أرّق ويؤرّق قوميّين وشعبويّين وإسلاميّين ويساريّين باتوا يردّدون، بعد سيّدهم، فيما مجتمعاتهم وبلدانهم تتفسّخ وتنهار، أنّ «زمن الهزائم ولّى».
ولئن رتّبت ملاحم بوتين أكلافاً، كتعريض روسيا للعقوبات، فإنّ صدّام حسين، أحد أبرز «أبطال الأمّة العربيّة»، كابد تلك العقوبات من دون أن يتسنّى له النجاح الذي تسنّى لبوتين. لا بل يستطيع الحاكم الروسيّ، على رغم كلّ شيء، أن يفرض نفسه «حليفاً» للغرب في غير موقع ومسألة.
ولحكّام طغاة كبشّار الأسد، يبدو الرئيس الروسيّ نصيراً للأمر الواقع الذي جعله يرث أباه قبل أن يباشر القتل الجماعيّ، فكأنّ بوتين العمّ الأكبر الحريص على تنفيذ الوصيّة التي كتبها الأب الراحل والقادر على ذلك. ثمّ إنّه يقيم حكمه من وراء واجهة ديموقراطيّة، هي بالأحرى انتخابيّة، تلطّف صورة الطاغية الصغير وتنعّمها، وهذا من دون توريطه أيديولوجيّاً على ما كان الأمر إبّان الاتّحاد السوفياتيّ وفي زمنه الحزبيّ والعقائديّ. فاليوم، وبفضل بوتين، يمكن الأسد وأمثاله أن يمارسوا الحنين إلى الزمن السوفياتيّ من دون أيّة كلفة إيديولوجيّة أو مبدئيّة. فهذه الأخيرة إنّما استُبدلت بالشطارة المحضة التي تحمل أصحابها على الغطس في الفساد النيوليبراليّ مصحوباً بغضّ النظر عن صداقة بوتين ونتانياهو.
وفي بوتين خليط من العلمانيّة والدين، ومن قوميّة الدولة وإمبراطوريّتها، وهي كلّها امتُحنت في غروزني إحراقاً للأرض ومثالاً مرغوباً في التعاطي مع المحكومين.
واليوم، إذ تتعثّر الديموقراطيّة الليبراليّة، ويجزم دونالد ترامب بأنّ بوتين قائد أفضل من أوباما، يلوح كأنّ ذاك السحر بات يمتلك قوّة العدوى، وأنّ الرئيس الروسيّ ارتقى إلى مخاطبة المنحطّ في طبيعة البشر أيّاً كانوا.
عن الحياة اللندنية

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط