كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سرديات الزيتون

سرديات الزيتون

تاريخ النشر: 2015-10-30 | 23:43

-       هل كنا هنا بالأمس!

-       كأننا.

مرّ عام بتعدد هوائه ومائه وغباره..

مرّ عام بعناصر حياة الأرض الواسعة، المحتضنة تقلبات الطقس، من أقسى البرودة إلى أقسى الحرارة، تلك الطقوس التي نشهدها عن قرب، فنتآلف مع البرودة لنلجأ ل"شكاف" أو أغصان شجرة تقينا بعض المطر، ثم لنهب أنفسنا لهبا نصطلي به وعليه، فتشرق ابتساماتنا فاركين كفينا ببعضها، طامحين لبعض شاي،  ومع الحرارة لنلجأ لذات "الشكاف" ببرودته، ولظل الشجرة نفسها أو إحدى شقيقاتها، لنهدي أنفسنا بعض البرودة المحببة، وبعض النسمات.

مع آخر نقطة زيت مسالة، يكون موسم الزيتون قد انتهى، كانت الأمهات ينشغلن ب"المطبق والزلابية والمشاط والملاتيت والعوامة.."، مكافأة للأسرة على ما قدمته من أياد وكفوف قوية صبورة في لقاط الحب عن الشجر والأرض، في حين كان الكبار يهيئون الشجر لسفر جديد عبر اختلافات شعور الطبيعية، تستريح أشجار الزيتون من حملها الطويل، خمسة أشهر أو ستة، أو تزيد قليلا، ويكثر الدعاء والأمل بمطر يروي.

كأننا كنا هنا قبل أيام، الشجرات نفسها، والسماء والأرض، والزاد والزوادة، والعدة، والأيادي والضحكات، النوادر والنكات والسرديات والذكريات، هذه تثير الضحك، وتلك تثير الرثاء، وهذه تثير التأمل.

لقاء قريب جدا بين الإنسان وبين الشجرة، لقاء اللمس، والقطف، الرائحة، والبصر، أيادينا تصير ماكنات دؤوبة، هدف واحد، قطف كل الحبات. لقاء حميم بين القطفين والقاطفات، فلا لقاط زيتون بين متنافرين/ات؛ فجمال اللمة هي الاجتماع في المشاعر، وبهذا التضامن والمحبة،  يتحملون معا نهارا زيتونيا كله حركات.

لولا الحب ما استطعنا عبور المواسم!

مع الانتهاء من كل فرع فرحة صغيرة، ومن كل شجرة فرحة شجرة، ومع كل "حبلة" فرحة أكبر، وصولا للفرحة الكبرى، إنجاز الفعل بنجاح، وحينما تسيل الحبات نورا، ننسى جهد نهاراتنا..

ولولا الأمل ما عدنا إلى الكروم!

مرّت أعوام هنا على الشجرة، فكل زيتونة لها تاريخها في النمو والذكريات، من بضع حبات التباشير نقطفها بكف اليد الواحدة إلى، مئات وآلاف ضربات تمشيط الحبات الممطرات الأرض.

بعض الأشجار كبيرة العمر، بعضها مجايل لنا، وبعضها أصغر منا شهدنا ولادته، لكنها جميعا لها حقوق متساوية، علينا أن نمنحها الاحترام الذي يليق بها، فنمر عليها، السلام عليك يا زيتونة، لندور حولها لتقبل هداياها، شاكرين محبين، عشاقا وعاشقات، لننتقل إلى أخرى.

هل لنا إلا أن نتذكر؟ أول لقاط زيتون لنا، كان هنا، ويومها كنا متشوقين لكل شيء، فالتجربة جميلة، ذات أشواق وأشواك، كنا نلعب ونلهو بتلقيط الزيتون، ثم لنوظّف فضاء الأرض ملاعب لنا، غير مكتفين بها، فإذا بنا نكمل اللعب على فروع الأشجار، لنهتف في اكتشاف وجدنا عشا طارت فراخه العصافير وبقي متماسكا ينظرنا كي نسطو عليه، لنكمل حياته تمثيلا، ننجت حجارة صغيرة فتصير بيضا..لا تفقص الحجارة، لكن نحن الذين صرنا طيورا.

وقت الطعام وقت للفرح والسرور، وحينما كان يطل أحدنا حاملا الغداء، كانت قلوبنا تطير، فنداء المعدة الفارغة سوى من بعض حليب وزيت وزعتر يلحّ على باطننا، كل شيء له طعم جديد، كل شيء هنا تحت الشجر صار لذيذا،  وقتها حملت السؤال في قلبي لماذا يصير ألّذ!

ما زال طعم تلك الطبخة على لساني، وقتها طلت شقيقتي تحملها، فإذا بي أعدّ خطواتها على الأرض، كانت العشرة دقائق تصير يوما، هل كان درسا في التشوق الأدبي! كانت الطفولة مهمومة بطفولتها، كانت الأشياء الصغيرة كبيرة، تلك الهموم والاهتمامات..تلك هي الطفولة.

هل كنا نغفو قليلا ونحن نلعب لعبة قطف الزيتون فيغطينا الكبار حتى لا نبرد؟ ما الذي كنا نشعر به حينما تعود أعيننا من سفر النوم القصير؟ وهل أخذنا راية الكبار؟ هل صرنا كبارا؟ هل غادرنا طفولتنا؟

فعل لقاط الزيتون ممل للصغار، إنه متشابه، لا جديد فيه، وحتى نملأ وعاء من الزيتون نحتاج زمنا حسبناه عمرا، لذلك صرت اصطحب الراديو معي ليؤنسنا في تلك السبعينيات، الغناء يعانق السيرة، والتمثيليات تعانق بعضها، فتصبح القاهرة بيننا وعمان ولندن، فأستمع للأخبار والخطابات، والقصص، وعبد الحليم وفريد وسميرة توفيق برف الحمام مغرب، متسائلا عن معنى دادا، أكبر في الاستماع لما يهم الكبار، وأعود طفلا وأنا استمع لأبله نظيرة في قصة وحكاية. أتساءل لماذا يطلب والدي مني رفع الصوت وهو يسمع الأخبار، هل كان متعلقا ببعض الأمل؟

كان الراديو مصدر بهجة وتسلية، وكانت قصصه باللهجة المصرية تأخذني إلى ضفاف النيل، حيث أخويّ يدرسان في بلد الإذاعات الكثيرة، القاهرة البرنامج العام، الشرق الأوسط، صوت العرب، صوت فلسطين من القاهرة، إذاعة القرآن الكريم...

 موسم الزيتون يأخذنا نحو طفولتنا، إليها بالذات، لما حملت معه الاكتشاف، لم نكن ندرك يومها ونحن تحت شجر الزيتون أننا سنكبر ونغادرها، ليصير لنا أطفال مثلنا، تصير آباء ويصبح الأطفال طيورا تسير على خطواتنا، لتلعب لعبة لقاط الزيتون، ترى في الفضاءات هنا مجرد ملاعب.

لعل الموسم يأخذنا إلى دواخلنا، ربما لقياس حصاد البيدر، لنتأمل في ذاتنا، نحدّق فيها، هل نحن هنا ما كنا عليه في الأمس!

تلك سردية لا تنتهي، تبدأ الحكاية لتعيد نفسها، تتجدد في الأطفال الذين يولدون من الأرض، كنا هنا وكنا هناك في الزمان والمكان وما زلنا والشجر والزيتون والزيت المسال.

كان يا ما كان، كان يا مكان ناس وزتون، وخبز وأمل، لعب وتعب، تراب وماء، مطر ونار، وناس حولنا يأتون قبلنا أو بعدنا، يلعبون اللعبة نفسها، فحركات لقاط الزتون هي حركات لعبة يمكن محاكاتها، ورسمها وجعلها قصصا.

مرّت أعوام كثيرة، هي هذا العمر منقوص منه بضع سنين، انتظر الأهل خطوات الصغير لاصطحابه لرحلة نهار..ليكون العمر لقاط زيتون وعنب، والتصاق بالأرض المثمرة. ما العمر يا ترى؟ ما هو سوى لقاط حبات الحياة!

[email protected]

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط