كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سرقة اسرائيل ركام مباني غزة المدمرة واستغلالها إقتصاديا

سرقة اسرائيل  ركام مباني غزة المدمرة  واستغلالها إقتصاديا

تاريخ النشر: 2026-05-05 | 11:31

في زحمة التفاصيل الدموية للحرب على غزة، وبينما تتجه عدسات العالم نحو عداد الشهداء اليومي وسقوف المفاوضات السياسية المعلقة، تنسحب بهدوء ودون ضجيج إعلامي كافٍ واحدة من أخطر الجرائم المركبة في هذه المعركة الطويلة. إنها ليست مجرد جريمة القصف والتدمير، بل جريمة ما بعد التدمير، جريمة احتكار وسرقة "الدمار" نفسه وتحويله إلى سوق مالية رائجة تعزز خزينة المحتل على حساب دم الضحية وحجرها.

منذ الأسابيع الأولى لحرب الإبادة، ركزت مراكز الأبحاث ودراسات إعادة الإعمار على معضلة الركام. لم يكن الركام في تلك التقديرات مجرد أنقاض يجب إزاحتها، بل كان يُقرأ كأصلٍ استراتيجي ومصدر تمويل لوجستي ومعماري حاسم لمعركة إعادة البناء. قدرت الدراسات قبل اجتياح رفح والعملية البرية الأخيرة في شمال القطاع أن كميات الأنقاض يمكن أن توفر ملايين الأطنان من المواد الخام التي يعاد تدويرها لتشييد ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية. لكن مع دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح ومسحها من الخريطة، ومع سياسة التدمير الممنهج في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون التي حولت الشمال إلى أرض محروقة غير قابلة للحياة، تضاعف حجم هذه "السلعة" الرمادية بشكل صادم وكارثي.

ما نشهده الآن يتجاوز منطق الحرب والدمار. إنها عملية هندسة مالية غليظة تقوم بها منظومة الاحتلال تحت غطاء أمني. تكشفت في الأسبوع الأخير تقارير استقصائية عبقرية في الإعلام العبري، وعززتها بيانات صادرة عن شركات إسرائيلية تكشف عن تحقيق أرباح فلكية من عمليات إزالة الركام وبيعه. لم تعد إسرائيل تخفي اللعبة. إنها تقوم بعملية "خصخصة الدمار" عبر عقود ضخمة ومربحة مع مقاولين مدنيين تحولوا إلى طبقة طفيلية تنهش ما تبقى من جسد القطاع الميت.

في تحقيق مطول لصحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، وأخر لهآرتس، رُصدت الأرقام المفضوحة لهذه التجارة: المقاولون الإسرائيليون يتقاضون ما معدله خمسة آلاف شيكل، أي ما يقرب من ألف وخمسمائة دولار، عن كل منزل فلسطيني يسوونه بالأرض. أولئك ليسوا جنوداً يحاربون وفق شرف عسكري مزعوم، بل هم تجار دمار يضغطون ليل نهار على القادة الميدانيين لتوسيع رقعة الهدم المصرح بها لتعظيم هوامش أرباحهم. لقد تحولت الجرافات وبأدوات هندسية ثقيلة إلى ماكينات صراف آلي، حيث يدر الحفار الواحد على مالكه ما يقرب من مائة وخمسين ألف شيكل شهرياً تتكفل وزارة الدفاع الإسرائيلية بنفقات وقوده. أما مشغلو هذه المعدات، أولئك الذين يحولون ذكريات العائلات الآمنة إلى غبار، فيتقاضون رواتب خيالية تصل إلى ثلاثين ألف شيكل شهرياً، أي ما يعادل تسعة آلاف دولار، وهي أجور تفوق بأضعاف ما يتقاضاه العامل في الداخل الإسرائيلي، وكأنها "بدل خطر وقذارة أخلاقية" يدفعه جيش الاحتلال ليضمن صمت الضمائر المأجورة.

ولأن اقتصاديات الاحتلال لا تشبع، فإن المشهد لا يتوقف عند حدود جني أرباح الهدم، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق وأكثر خسة: سرقة الركام ذاته. تؤكد التقارير أن شاحنات إسرائيلية ضخمة تنقل يومياً الحجارة والإسمنت وحديد التسليح من الأحياء المدمرة في رفح وشمال غزة وشرق خان يونس إلى داخل الأراضي المحتلة. هناك، في معامل إعادة التدوير الإسرائيلية، تتحول بقايا البيوت الفلسطينية إلى مواد بناء أولية تُباع في السوق الإسرائيلي بأسعار مرتفعة لشركات البناء والتطوير العقاري. إنها دورة اقتصادية مكتملة الأركان، تقوم فيها آلة الحرب بهدم مستقبل الفلسطيني، ثم تسرق حطام هذا المستقبل لتبني به مستقبل المستوطن الإسرائيلي.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام هذا العبث هو: أين اختفت الشركات العالمية التي كانت قد أبدت اهتماماً لافتاً في وقت سابق بشراء هذا الركام وإعادة تدويره كجزء من حلول إعادة الإعمار؟ لقد طُرحت هذه العروض في إطار حديث دولي جاد عن إشراك القطاع الخاص العالمي في تمويل الإعمار عبر الاستفادة من النفايات الصلبة. غير أن الصمت المطبق الذي يلف هذه العروض الآن يطرح تفسيرات مقلقة تتعلق بضغوط جيوسياسية مارستها واشنطن لصالح حليفتها الإسرائيلية. ولا يمكن هنا عزل تصريح الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، الذي  نصح نتنياهو شخصياً في إحدى المقابلات بضرورة استثمار الركام إسرائيلياً لأن "الإسرائيليين أولى بهذا الاستثمار". إنها عقيدة استعمارية مقيتة تتعامل مع ضحايا التطهير العرقي على أنهم مجرد مصدر للمواد الخام المهملة، ويجب احتكار هذا المورد لصالح اقتصاد الدولة المتفوقة عسكرياً.

في القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، تُعتبر الممتلكات الخاصة في الأرض المحتلة مصونة ولا يجوز مصادرتها أو تدميرها أو الاستيلاء عليها إلا لدواعي عسكرية قاهرة. الركام ليس شيئاً متروكاً بلا صاحب. الركام هو ملكية فلسطينية خاصة بالأساس، تتحول في حالة استخدامها العام إلى مورد وطني. إن قيام قوة الاحتلال بنهب هذه المواد وإدخالها في دورتها الاقتصادية التجارية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ويندرج تحت بند "الاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة". هنا يصبح الدمار شريكاً في جريمة المحو. إن إزالة الأنقاض ليست مجرد عمل تقني، بل هي جزء من عملية مسح لذاكرة المكان ومنع الفلسطينيين حتى من حقهم البدائي في البكاء على أطلالهم وإعادة تدوير أحجارهم لبناء خيمة أو سقف.

المعادلة هنا شديدة القسوة وتكاد تكون خيالية في بشاعتها. تقدر تكلفة إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل في غزة بأكثر من واحد وسبعين مليار دولار أمريكي، وهي عملية قد تستغرق عقداً من الزمان. في المقابل، نجد أن حكومة الاحتلال ومقاوليها يحققون مكاسب مالية سريعة وفلكية من عملية إزالة هذا الدمار ذاته وبيع مكوناته. إن الاحتلال لا يكتفي بتدمير الحجر ومنع الإعمار عبر حصار دخول مواد البناء و"الإسمنت"، بل إنه يخلق اقتصاداً حربياً موازياً يجني من خلاله المليارات من جريمة التدمير. 

إنها سياسة تجعل من استمرار الخراب شرطاً لاستمرار الربح. طالما بقي الركام، استمر تدفق الأموال إلى خزينة الاحتلال التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة بسبب الحرب. وفي مفارقة مذهلة، يدفع الفلسطيني، الذي فقد بيته وأهله، من دمه وحجره، تعويضات غير مباشرة لجيش الاحتلال واقتصاده كي يواصل قدرته على القتل والتدمير.

إن عدم تسليط الضوء على هذه الجزئيات بالاهتمام الإعلامي والبحثي الكافي ليس مجرد سهو أو انشغال بتفاصيل أخرى. إنه يعكس خللاً بنيوياً في طريقة قراءة الحرب. لقد تحولت غزة إلى مختبر متكامل لاقتصاد الموت، حيث تتشابك فيها مصالح سياسية وأمنية مع أطماع تجارية لمقاولين ومستثمرين متوحشين. الحرب على غزة لا يحركها فقط جنون عقائدي صهيوني، بل يغذيها لوبي مالي متنفذ يجد في استمرار التدمير فرصة ذهبية للثراء السريع. كل حي يمحى، وكل مسجد يهدم، هو صفقة رابحة في سوق الدمار تل أبيب.

يظل السؤال الجوهري مطروحاً: حتي ركام غزة تمت سرقته. فماذا بقي من هذه الأرض كي يُسرق؟ وإذا كان المجتمع الدولي والقانون الدولي عاجزين عن حماية البشر من الإبادة، فهل سيتحركون لفضح واسترداد حجارة البيوت المنهوبة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بالعدالة، بل بفهم طبيعة النظام الاقتصادي للاحتلال الذي يجعل من جريمة الحرب استثماراً طويل الأجل. إنها ليست مجرد حرب، بل هي بنية اقتصادية متكاملة تقوم على مبدأ واحد: خرابك عمران لي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط