كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سرقة تحت النار : قراءة في الانحطاط الأخلاقي لجنود جيش الاحتلال الاسرائيلي

سرقة تحت النار : قراءة في الانحطاط الأخلاقي لجنود جيش الاحتلال الاسرائيلي

تاريخ النشر: 2026-04-26 | 12:52

بداية ان توصيف جنود جيشٌ الاحتلال الاسرائيلي بعصابات منظمة من اللصوص ليس انفعالياً عابراً بل خلاصة مسار تاريخي طويل تشكّل منذ البدايات الأولى للحركة الصهيونية المسلحة حين لم تكن سوى تجمعات عصابية تحمل أسماء متعددة من الهاجاناه إلى شتيرن إلى ليحي حيث تماهى العنف مع السروقة والنهب وتداخلت فيه الأيديولوجيا مع الغنيمة وتحوّل الاستيلاء على ممتلكات الآخرين إلى ركيزة من ركائز الفعل الميداني والسياسي معاً ولم يكن قيام الكيان لاحقاً إلا تتويجاً لهذا المسار المخزي حين جرى تقنين ما سُلب بالقوة عبر قوانين وتشريعات منحت الشرعية لما كان في جوهره عملاً منظماً من أعمال السطو التاريخي على الأرض والإنسان والممتلكات

في حرب عام 1948 تكررت مشاهد السلب من البيوت والمحال في الضفة وغزة وسيناء والجولان حيث أخذ الجنود كل ما يمكن حمله من نقود وذهب ومواد تموينية وملابس وأدوات زراعية وهو ما رسّخ في الوعي الجمعي للفلسطينيين صورة الجيش بوصفه قوة اقتحام ونهب بقدر ما هو قوة احتلال عسكري

ما يتوجب فهمه ان عمليات النهب لم تكن مجرد فوضى رافقت القتال بل كانت سلوكاً واسع النطاق طال المدن الفلسطينية الكبرى مثل حيفا ويافا وصفد وطبريا حيث اقتحمت المنازل والمتاجر وسُرقت محتوياتها من الأثاث والسجاد والكتب والأجهزة والأموال والمجوهرات كما صودرت المحاصيل الزراعية والماشية والآلات في القرى المهجرة بما يعكس نمطاً متكرراً يقوم على تفريغ المكان من سكانه ثم تجريده من كل ما يملك ليغدو الفراغ المادي امتداداً للفراغ الديموغرافي وهذه المعادلة لم تكن يوما عفوية بل شكلت جزءاً من هندسة سياسية هدفت إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض عبر الجمع بين التهجير والنهب والتثبيت القانوني للنتائج

مع تحول هذه العصابات إلى جيش نظامي بعد قيام الدولة لم يتغير الجوهر بل تغيرت الأدوات والأساليب حيث بقيت عقلية الغنيمة حاضرة في السلوك العسكري وإن اتخذت أحياناً غطاءً مؤسسياً ففي حرب عام 1967 تكررت مشاهد السلب من البيوت والمحال في الضفة وغزة وسيناء والجولان حيث أخذ الجنود كل ما يمكن حمله من نقود وذهب ومواد تموينية وملابس وأدوات زراعية وهو ما رسّخ في الوعي الجمعي للفلسطينيين صورة الجيش بوصفه قوة اقتحام ونهب بقدر ما هو قوة احتلال عسكري

اليوم تعود هذه الصورة لتتجدد بشكل أكثر فجاجة في غزة والضفة وجنوب لبنان حيث لم تعد السرقات حالات فردية معزولة بل اصبحت ظاهرة تتكرر على نطاق واسع حيث تشير شهادات ميدانية أن الجنود كانوا يحمّلون مركباتهم بالمقتنيات المسروقة من منازل المدنيين والمتاجر دون محاولة إخفائها في مشهد يكشف حجم الانفلات والانحدار الأخلاقي حيث تتنوع المسروقات بين أجهزة كهربائية وأثاث وسجاد وأموال ومجوهرات بل وحتى مقتنيات شخصية للأطفال كالألعاب والفطابل والدرجات الهوائية تحمل قيمة معنوية لأصحابها وهو ما يعكس استباحة كاملة لخصوصية الإنسان وكرامته

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تواجه بردع حقيقي داخل المؤسسة العسكرية رغم علم القيادات الميدانية بها دون اتخاذ اي إجراءات رادعة ما يحوّل الصمت إلى شكل من أشكال التواطؤ ويجعل النهب سلوكاً شبه مشروع في نظر الجنود خصوصاً في ظل غياب المحاسبة الفعلية حيث تتحول القوانين إلى نصوص معطلة وتصبح الرسالة الضمنية أن السرقة مسموحة ما دامت لا تُحرج المؤسسة إعلامياً

في العدوان على غزة تحديداً تجاوزت عمليات النهب حدود المنازل إلى استهداف البنوك ومحال الصرافة والمؤسسات العامة حيث جرى الاستيلاء على مبالغ مالية كبيرة تحت مسميات مختلفة كما وثقت تقارير عديدة سرقة الذهب والأموال من النازحين على الحواجز أو من البيوت بعد إخلائها بالقوة وهو ما كشف عن نمط مركب يجمع بين السيطرة العسكرية والاستغلال الاقتصادي في آن واحد بما يؤدي إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ليس فقط عبر القتل والتدمير بل أيضاً عبر تجريده من موارده ومقومات صموده

لا تقف هذه الظاهرة السلبية عند حدود الممتلكات اليومية بل تمتد إلى سرقة الآثار والتراث في انتهاك صارخ للقوانين الدولية حيث تعرضت مواقع تاريخية في غزة للتدمير والنهب وسُرقت آلاف القطع الأثرية بما يعكس محاولة طمس الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني إلى جانب تدمير بنيته المادية وهو ما يضع هذه الممارسات في سياق أوسع يتجاوز السرقة الفردية إلى مشروع يستهدف الذاكرة والتاريخ

تكرار هذه الأفعال في اكثر من مكان عبر الزمن من النكبة إلى الحروب اللاحقة وصولاً إلى الحاضر يكشف أن ما يجري ليس انحرافاً طارئاً بل امتداداً لبنية فكرية وسلوكية ترى في الآخر موضوعاً للاستباحة وتتعامل مع ممتلكاته بوصفها غنيمة مشروعة وفي ظل غياب المحاسبة وتواطؤ بعض القيادات يصبح الجيش أقرب إلى تجمعات لعصابات منظمة تمارس النهب تحت غطاء رسمي وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة هذه المؤسسة وحدود ادعاءاتها الأخلاقية وهو ما يجعل من توصيف جيش من لصوص قراءة سياسية تستند إلى وقائع متكررة لا إلى خطاب دعائي أو انطباع عابر

إذا ما تمعنا في البنية العميقة لهذه الممارسات فإننا لا نكون أمام مجرد انحرافات سلوكية لجنود في ساحة حرب بل نقف أمام انعكاس مباشر لعقيدة قتالية ترى في الإخضاع الكامل للخصم هدفاً مشروعاً بكل الوسائل بما في ذلك تجريده من ممتلكاته وتحويل حياته اليومية إلى حالة من العوز والمهانة والنهب هنا لا يؤدي وظيفة مادية فحسب بل يمارس دوراً نفسياً يهدف إلى كسر إرادة المجتمع المستهدف وإشعاره بالعجز أمام قوة لا تكتفي بالقتل والتدمير بل تمتد إلى العبث بأدق تفاصيل حياته وهو ما يجعل السرقة جزءاً من منظومة الردع القائمة على الإذلال وليس فقط السيطرة العسكرية

هذا السلوك يعكس في مضمونه خللاً بنيوياً في منظومة الانضباط داخل هذا الجيش المنفلت حيث يتراجع مفهوم المؤسسة لصالح ذهنية العصابة ويصبح الولاء للمصلحة الفردية والغنيمة بديلاً عن الالتزام بالقانون العسكري والقيم المهنية وهو ما يفسر التفاوت بين الوحدات في حجم النهب تبعاً لمستوى ضبط القادة ويكشف في الوقت ذاته أن المشكلة ليست في غياب القوانين بل في غياب الإرادة لتطبيقها الأمر الذي يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى داخل المؤسسة نفسها ويهدد بتآكلها من الداخل على المدى البعيد

اخيرا : يمكن القول إن تراكم هذه الوقائع عبر العقود يكشف بوضوح أن ما يسمى بعقيدة هذا الجيش لم تعد قابلة للتجميل أو التبرير إذ لم يعد بالإمكان الفصل بين سلوكه الميداني وبنيته الفكرية التي تأسست على القوة المجردة من القيم وعلى تحويل الحرب إلى مساحة مفتوحة لكل أشكال الانتهاك ومع كل حادثة نهب جديدة تتساقط مزاعم التفوق الأخلاقي ويتكرس في الوعي العالمي أن هذه المؤسسة ليست سوى امتداد محدث لعقلية استعمارية قديمة تقوم على السلب والهيمنة وإن استمرار هذه الممارسات لا يعكس فقط انحطاطاً أخلاقياً بل يشير أيضاً إلى مأزق عميق في تعريف الذات حيث يفقد الجيش مع كل انتهاك مفضوح مبررات وجوده كقوة نظامية ويتحول تدريجياً إلى كيان مأزوم أخلاقياً وسياسياً عاجز عن إنتاج شرعية حقيقية وهو ما يجعل من مستقبله رهينة لهذا التآكل الداخلي مهما امتلك من أدوات القوة والبطش طال الزمن أم قصر

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط