كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سعيد رضواني:الوصف في قصة "البيت المهجور"، المنشورة ضمن المجموعة القصصية" مرايا

سعيد رضواني:الوصف في قصة "البيت المهجور"، المنشورة ضمن المجموعة القصصية" مرايا

تاريخ النشر: 2025-04-05 | 14:02

هي مجموعة قصصية متفردة، لغتها انسيابية كالماء، تفاصيلها مذهلة، وأنت تقرأ تحس بثقل التجربة، وعمق الدلالة، وجمال الفكرة، يحملك الكتاب من قصة إلى قصة، مرايا شفافة تعكس طيبة صاحبها وشفافيته وجمال لغته الآسرة، تلك اللغة البسيطة القوية، تجعلك تحس أن الكاتب ممسك باللحظة، وأنه دونها عدة مرات في مسوداته، يعبر الزمن بخفة، ويعبر مستحضرا أخص الأشياء لديه، فمثلا هذا الإحساس، في علاقته بكلبه الوفي، ينقله، في عدة صور ويصفه إلى جانب الأحداث والمواقف والمشاعر، ينتقل بخفة من الذكرى إلى الحاضر، يستشرف منه مستقبله، وزمنه.

تأتي المجموعة القصصية "مرايا"، للقاص المغربي سعيد رضواني، وهي من منشورات الراصد الوطني للقراءة الطبعة الثالثة، لتكشف عن نصوص قصصية للكاتب، بعناوين مختلفة، مع مقدمة للقاص المغربي أحمد بوزفور، تبدأ بقصة مرايا الأحلام لتنتهي بقصة البيت المهجور، هذه الأخيرة سأحاول الكشف عن دلالات تقنية الوصف فيها، والمؤثرات النفسية، التي شكلت شخصية المتكلم التي أبدع الكاتب في التعبير عنه، مع الإشارة إلى جمالية اللغة وروعتها، وقدرة الكاتب على تطويعها لتدل على ما يرمي إليه من خلالها.

دلالات العنوان: مرايا: مرآة،  جمع مرايا، مَرَاءٍ،  مايرى فيه الناظر نفسه، صورة المرآة ، صورة تنعكس فيشاهد من خلالها الشخص نفسه، أو مشاهدة صورة الأشياء،  أو ما ننظر فيه فنرى أنفسنا.
البيت المهجور: يقصد بالبيت الغرفة المسقفة التي لها دهليز، وهو من أسماء الكعبة، ويطلق أيضا على الكلام الموزون "الشعر"، العجز والصدر. وقد يكون شطرا واحدا، وفعله بات، بات في الطريق أدركه الليل فيه، وبيت الرجل امرأته، بات على سريره أي أظله بيته، الجمع أبيات وبيوت وبيوتات، ولها دلالات السكينة والراحة، أما المهجور، فتعني أن هذا البيت هجره أهله فتركوه، أي أنه خالٍ من الناس، ومعناه بيت غير مسكون.

مضمون القصة، والضمير المهيمن:
يستخدم القاص سعيد رضواني في هذه القصة ضمير المتكلم، لينقل أحاسيسه ومشاعره، الدفينة، عبرة سلسلة زمنية يقص فيها سيرة الإنسان الطبيعية منذ أن كان طفلا، ونظرته للحياة داخل البيت القديم، وصداقته مع كل الحيوانات التي توجد في البيت، حتى يصبح شابا ثم نظرته للبيت والحوش والخابية، ولمسه للعجل والكلب، إلخ، مع تحوله إلى فترة الشيخوخة، ويصبح العكاز الذي يلعب به صغيرا، صديقه في هرمه، وفي ضعفه، يتوكأ عليه، ويعتمد عليه.

الوصف :
في علاقة هذه القصة بالمرآة، ستكون المرآة هنا هي انعكاس صورته في صفحة الماء على الخابية، ليصف ذاته وشكله في لغة حميلة متناسقة فيقول: " أفتح باب الحوش... أرفع غطاء الخابية المثقل بالرطوبة، فتطالعني صورتي المائية وهالة ضوء من العمق، أروي ظمئي بالماء، وأروي فرحي بوجودي بتأمل صورتي التي تتأملني ، أصرخ داخل الخابية، فيرتد الصراخ قويا بعد أن تتكسر صورتي في الماء"، رؤية في أعماق الأشياء والتفاصيل البسيطة، ونظرة إلى الذات، التي تنشد الغبطة والفرح، بالوجود، تأمل صورته فوق صفحة الماء، الصرخة التي تعكر الماء، فتنحل صورته وتتكسر فوق الماء، وتنكشف ظلمة الخابية.
يصف أيضا النمل وهي تتقلب في مساكنها، فيقول: " أبعث نحو الأسفل بإبتسامة إلى نملة تنوء بحمل حبة قمح، وتسير بها مع قطار النمل نحو ثقب بالجدار"، الغوص في تفاصيل تتعلق بنمل يسكن بيته، وتتخذ من فجاجه وأجرافه أزقة ومنازل، يتقاسم معه السكن.
ويتجلى الوصف أيضا في وصفه للأحاسيس الإنسانية إذ يقول: " أخرج سيجارتين من العلبة ، أضع واحدة فوق المائدة وأشعل الأخرى ومعها أشعل نار الحيرة، نار التوجس ، نار الندم"، رصد لبعض مشاعر الندم والحيرة، والأسى على تتابع الزمن وظهور علامات الشيخوخة والنسيان، وفقدان الأمل.
ويقول في الوصف أيضا: "صخور ثقيلة تجثم داخل صدري أثقل من أن يحمله الدخان، أمد يدي لأحمل السيجارة الأخرى، ...." ، يصف العمر وفترة الشيخوخة ومشاعره الجياشة، وكل أحاسيسه المتناقضة في هذه الحال فيقول معانقا عصاه:" أحمل عكازا معقوفا، يجسد عمره القصير، عمري الطويل، وكأن هذا العمر لا يمثله إلا عكاز معقوف، ولم يقو على مزيد من الامتداد فانقلب على نفسه متراجعا معوجا، فأحمله باليد المرتعشة، وأمضي مخلفا على الأرض ببلغتي آثارا تشي بتعثر الجسد الواهن.".
تتزين هذه القصة بلغة جميلة جذابة، يحكي فيها الكاتب قصته بمهارة وتشويق يتداخل الذاتي بالنفسي، بلغة عربية سليمة ومتميزة.
المؤثرات النفسية:
يعبر عنها الكاتب من خلال رصده لمشاعر الذات التي طغت على معظم بناء هذه القصة، لينتقل إلى المكان فيرصد نفسيته فيه وتراه يعبر عن كل الحيوانات التي تعيش في البيت المهجور، في حوشه، إلى جانب كلابه، كما نلاحظ طغيان فعل "أرنو" أي أنه نظر إلى الشيء أدام النظر فيه ،  فيقول: " أفتح باب الحوش، يحتك خشبة المهترئ بالأرض فيحدث صريرا أعلم أنه قوي لكن الأذن الكليلة لا تسمعه، أرنو طويلا إلى مكان النمل.... طويلا أرنو إلى عش طيني بالأعلى، لكن بالكاد أراه...، طويلا أرنو إلى الزريبة الخالية... طويلا أرنو إلى الجدران الندية. .. طويلا أرنو إلى السلسلة التي تحن إلى أعناق للكلاب، طويلا أرنو إلى عش عنكبوت في منتصف الخابية، يمتعني عن رؤية العمق، كما يمنعني الآن عن رؤية نفسي، في لحظات أخرى، في أزمنة أخرى، نسيج من الأحداث الكثيفة، التي حاكها، حولي بلا رحمة، عنكبوت الزمن،" ، نظرة إلى الأشياء من منظور شيخ كبير جرَّب الحياة، وخبرها، فرآى الأشياء كلها تحاك ضده، يرصد نفسيته المقهورة وشعوره إزاء المنزل القديم ومكوناته، بعد أن كان زهرة ذكرياته ومطمع طفولته.
يصف الكاتب تلك اللمة من الحيوانات التي تتواجد في هذا البيت العزيز على النفس فيقول:" أحملها باليد الناعمة وألوح بها في الفضاء، مهددا الحمائم والغربان، أهش بها على البط والدجاج والديوك." ويقول في وصف آخر:" أبعث بنظرة فضول إلى أفراخ السنونو الصفراء الصغيرة، التي تطل من العش الطيني،" ويقول أيضا: " أدغدغ رقبة العجل الأحمر الممدود نحوي، ثم أتجه نحو الجرو الصغير، فأحرره من السلسلة، ...".
ساد ضمير المتكلم فصول القصة إذن، ومزج القاص المغريي سعيد رضواني ببراعة فائقة وأسلوب ساحر عوالم نفسية ذاتية إنسانية وجودية، ليربط الذكرى بالحاضر، ويعبر عن أحاسيس تربط البشر بأمكنتهم القديمة وحيواناتهم وكلابهم، وهواجسهم، والطبيعة التي ولد وبعث منها الإنسان، وخلقت له لتعبر عنه ولترفه عن روحه، والأزمنة المتقلبة والمشاعر المتقبلة عبر الزمن وفي أوانها، والأفكار والمشاعر المتدفقة.

المرجع:  مرايا، سعيد رضواني، منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة، الطبعة الثالثة، 2020. طنجة، الصفحات: من 93 إلى 96.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط