كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سقوط السردية الإسرائيلية في غزة

سقوط السردية الإسرائيلية في غزة

تاريخ النشر: 2024-12-10 | 17:49

انطلقت السردية الإعلامية الإسرائيلية قبل قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، ومنذ ست وسبعين سنة وهي تصدح وحيدة بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي موجودة بين بلدان متخلفة ويسكنها متخلفون ووحوش يريدون القضاء عليها. هذه السردية التي تبناها الغرب ودافع عنها بكل ما يملك، وعلى جميع الصعد، وسخر وسائل المنظومة الإعلامية العالمية الممولة في أرقام مالية خيالية من أجلها، وشيد المراكز التي أقامت المؤتمرات والندوات والورش والدراسات بلون الدولار؛ لكي يتم دمج إسرائيل في محيطها وتسييدها على الشرق الأوسط. والركيزة الثانية التي اعتمدت عليها إسرائيل والغرب تتمثل بعقدة النقص والضعف، وقمع حرية الرأي واعتقال وقتل المعارضين، وتزوير الانتخابات والتوريث والفساد والإفساد عند الدول العربية، التي نظرت إلى نفسها على أنها دول متسلطة متخلفة وضعيفة، وإسرائيل الدولة المتحضرة والقوية، ويقودنا ذلك للسؤال الأساسي لماذا التبنّي السريع والمستمر من الإعلام الغربي للسردية الإسرائيلية؟، وكيف انهارت السردية الإعلامية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر؟.
مما لا شك فيه أن التبني الغربي للسردية الإعلامية الإسرائيلية من خلال شبكات الإعلام المتنوعة تجاه القضية الفلسطينية تخلى عن جميع الضوابط والقواعد الأخلاقية والمهنية والحيادية الإعلامية المعروفة، لأن الموضوع يتعلق بإسرائيل، وبنفس الوقت تبنت العداء للعرب. وفي القضايا التي لا تتعلق بإسرائيل يصبح الإعلام الغربي يتمتع بالأخلاق والمهنية ويكيل في مكيالين، فلو نظرنا كيف يتعامل العالم مع القضية الأوكرانية وحول إصدار مذكرتين في 21تشرين الثاني/نوفمبر 2024، باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، وقالت المحكمة إن هناك أسبابا منطقية بأنهما ارتكبا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وبنفس الوقت عندما تم إصدار مذكرة توقيف من نفس المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 17 آذار/مارس 2023، بشأن مزاعم جرائم حرب متعلقة بترحيل أطفال و "نقلهم بصورة غير القانونية" من أوكرانيا، تم التأييد والمطالبة بالالتزام من قبل الإعلام والقادة الغربيين لاعتقال بوتين، أما فيما يتعلق باعتقال نتنياهو فقد أصبح مشكوك فيه وغير شرعي، وتم كيل الاتهامات للمحكمة. على الرغم من أن ما قام به بوتين في أوكرانيا لا يمكن قياسه مع ما يحدث من فظائع في غزة، إلا أن الولايات المتحدة ممثلة بالرئيس الأمريكي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن رفضا اتهام ومعاقبة القادة الإسرائيليين.
على الرغم من المجازر والحروب وجميع ممارساتها التي تفقدها كلمة دولة بالمعنى السياسي الدولي فهي دولة مستوطني قتلوا السكان الأصليين واستولوا على بيوتهم وأراضيهم وأقاموا دولتهم على أنقاض أكثر من 500 قرية ومدينة في فلسطين المحتلة سنة 1948، ومن ثم على ما تبقى من فلسطين في سنة 1967، ومن ثم تم إلغاء اتفاقية أوسلو التي تم توقيعها سنة 1993، وتم استبدالها بحكم "المنسق" ولم يتبق للفلسطينيين في هذه الدولة التي تتدعي الديمقراطية والتحضر سوى الجيوب والمدن السكنية المحاصرة من قبل المستوطنات والمستوطنين الذين يقتحمون القرى والمدن ويعيثون بها فسادًا وخرابًا وحرقًا.
أما الحرب المستمرة على القطاع، والتي صنفت ضمن حرب الإبادة والتطهير العرقي والتي راح ضحيتها أكثر من خمسين ألف شهيد غالبيتهم من الأطفال والنساء وأكثر من مئة ألف جريح في حصيلة غير نهائية، إذ لا يزال آلاف الضحايا تحت الركام، وتم تدمير 85% من غزة وتجويع السكان وعملية القتل اليومي من خلال قصف مراكز الإيواء والمدارس وخيم النازحين والمستشفيات، وحتى المخابز لم تسلم من الصواريخ الأمريكية التي تستخدم في القتل والتدمير منذ أكثر من سنة على القطاع.
وهذا ما يؤكده قول موشيه يعالون قائد أركان الجيش ووزير الحرب سابقًا، في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2024، بأن إسرائيل تنفّذ تطهيرًا عرقيًا في القطاع، تهدم بيوت السكان وتهجّرهم لإقامة مستوطنات. إسرائيل ليست دولة ديمقراطية اليوم، وهي في الطريق لتصبح دولة مارقة تحمل أفكار غيبية. كان يجب إصدار مذكّرات اعتقال ضد بتسلئيل سموتريتش وإتيمار بن غفير أيضًا منذ زمن طويل فهم يريدون ترحيل الشعب الفلسطيني أو إبادته إن استطاعا أو حشره في معازل وضمن سياسة الأبارتهيد، ورفض إدانة المذكّرات ضد نتنياهو، التي صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية لتوقيفه ووزير الحرب المقال غالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في غزة. ويضيف يعالون الدولة ليست مصنفة كدولة ديمقراطية، والسلطة القضائية ليست مستقلة. نحن في عملية انتقال من دولة يهودية ديمقراطية ليبرالية بروح وثيقة الاستقلال إلى ديكتاتورية ميسيانية، عنصرية، فاشية، فاسدة ومنبوذة.
فهذه التصريحات تكشف الغرب وبالتحديد أمريكا، الذين يكذبون حول وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع للتغطية على حرب الإبادة وحرب التجويع التي تهدف إلى الضغط على الشعب الفلسطيني في القطاع، ولحمل المقاومة على القبول بشروط نتنياهو حول الصفقة، واستطاعت تصريحات يعالون دحض نظرية إسرائيل القائلة إن الحرب التي تقوم بها إسرائيل هي دفاع عن إسرائيل وليست حرب إبادة وتطهير عرقي.
واستنادًا إلى ما سبق، نرى أن المجتمع الإسرائيلي يرفض تصريحات يعالون على الرغم من معرفته التامة بأن التصريحات حقيقية، إلا أن المجتمع لا يريد أن تكون هذه التصريحات وغيرها دلائل على القيادات السياسية والعسكرية يمكن استخدامها لمحاكمتهم ومحاكمة دولة الاحتلال.
وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الإسرائيلي ذاهب للتطرف إلى أبعد الحدود، وإن لم يوافق نتنياهو على حلول للقضية الفلسطينية فهو سيأخذ دولة الكيان نحو تناقض كبير مع النظام الدولي، وهذه هي خطة الشهيد القائد يحي السنوار، أي أن نتنياهو قد يستطيع الحفاظ على نفسه وعلى ائتلافه ولكن ذلك سيكون خطأ وهزيمة إستراتيجية، مما قد يدفع الدولة العميقة لاتخاذ إجراءات لإنهاء هذه السياسات وفقا للقانون طبعًا، حسب رأي الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي.
ولا بد من التأكيد على أن "الهاسباراه" جهاز الدعاية الإسرائيلية وهندسة الجمهور الغربي من خلال السرديات الإعلامية الإسرائيلية ليست مجرد خطط بسيطة، بل هي استراتيجية مبنية على سياسات استيطانية استعمارية مدروسة لاستقطاب وتوجيه الرأي العام العالمي لتأييد إسرائيل وتحسين صورتها على المستوى الدولي والعالمي.
فقد بدأت السردية الإعلامية منذ احتلال أرض فلسطين من خلال مقولات مقصودة تهدف إلى تجميل صورة إسرائيل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، واستقطاب تعاطف الشعوب الغربية مع سرديتاها التي بدأتها بأنها داعمة للسلام ولا تمانع التفاوض مع الفلسطينيين لتوقيع اتفاقيات سلام، ولكن العرب يرفضون السلام على الرغم من توقيع اتفاقية أوسلو والعديد من الاتفاقيات مع العرب. وتحاول السردية الإسرائيلية إزالة تهمة الاحتلال والعنصرية عن الدول الإسرائيلية، وفرض سردية الحريات الدينية والحقوق المدنية والعدالة والحقوق المدنية والمساواة ما بين اليهودي وعرب 1948، وأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، حيث تتمتع بحرية الصحافة، والانتخابات الحرة. وتحاول من خلال المظلومية الربط بين تاريخ الشعب اليهودي وما تعرض له من اضطهاد عبر التاريخ، وبين الوضع الحالي، لتأكيد الحاجة إلى دولة قوية، واستدعاء سرديات دينية وتاريخية تتعلق بأحقية اليهود بأرض فلسطين، والترويج لفكرة أن الشعب اليهودي له حق تاريخي في الأرض التي تحتلها. وسردية التركيز على الضحايا الإسرائيليين تستخدم لنشر قصص إنسانية تتعلق بمعاناة الإسرائيليين نتيجة الصراع، وتسليط الضوء على الجانب الإنساني للخسائر الإسرائيلية، لجذب التعاطف معها، وأنها دولة تدافع عن الإنسانية في مواجهة الإرهاب لتبرير الإجراءات الأمنية، مثل الحواجز والاعتقالات والعمليات العسكرية، والتركيز على المقاومة من قبل الشعب الفلسطيني وصبغها بصبغة الإرهاب والتطرف وشيطنتها من أجل تبرير القرارات العسكرية والأمنية، وذلك لتقويض شرعية أي مقاومة ضدها، تصوَّر إسرائيل نفسها على أنها تواجه تهديدات دائمة من محيطها، وتستخدمها لتبرير العديد من السياسات الأمنية والعسكرية.
فالسابع من أكتوبر أستطاع نقل القضية الفلسطينية من حالة النسيان والسكون إلى حالة الحضور الدولي، واستطاع الطوفان كشف صورة إسرائيل الحقيقية وتم تعطيل جميع السرديات الإعلامية الغربية والإسرائيلية، حتى الولايات المتحدة بكل قوتها لم تستطع فرض سرديتاها الداعمة لإسرائيل. فقد أصبحت صورة إسرائيل مقرونة بصورة الإبادة والتجويع والمجازر والجنائية الدولية والمحاكم الدولية وقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء في القطاع والضفة، والهدم والاستيطان في الضفة، وضربت بعرض الحائط القرارات الدولية وحل الدولتين. يمكن القول أن الطوفان شكّل قفزة نوعية بالتفاعل الشعبي والطلابي العالمي، والمظاهرات في مختلف الدول، وغيرها من المؤشرات التي يمكن العمل على فهمها بشكلٍ أعمق.
من الواضح أن غزة أفشلت أساليب التضليل والخداع التي حاول جهاز الهاسباراه الإسرائيلي أن يمارسها لتحقيق التعاطف العالمي مع ما حدث في السابع من أكتوبر، وذلك في سعيها كجزء من المنظومة الغربية الاستعمارية. إذ سرعان ما انكشف كذب العديد من الروايات التي طرحها الإعلام الغربي وتبناها الرئيس الأميركي جو بايدن وإدارته المتصهينة، الأمر الذي أضعف من ثقة الجمهور الغربي بالرواية الغربية، وتم إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية، وحصلت على دعم شعبي نادر على مستوى العالم، وزادت الضغوط على الحكومات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام للاعتراف بالإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها "إسرائيل" والتصدي لها.
ولكن ما حصل في سوريا منذ بداية كانون الأول/ديسمبر وحتى الثامن وما بعده، يخدم ويصب في مصلحة إسرائيل على جميع الصعد، وفي بدايتها التعتيم الإعلامي على حرب الإبادة والتجويع لغزة وتوجيه زوم الكاميرات العالمية والدولية وحتى المحلية على الحدث الأبرز في سوريا. وعلى الرغم من الضربة القاصمة للقضية الفلسطينية ولبنان والنصر الحقير لإسرائيل فهذا لن يدوم على الإطلاق، ولابد من رحيل الاحتلال.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط