كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سقوط غرناطة وتغذية التطرف

سقوط غرناطة وتغذية التطرف

تاريخ النشر: 2016-01-12 | 09:15

احتفلت أسبانيا، هذا العام، بالذكرى الـ524 لسقوط غرناطة في شهر يناير من عام 1492، وسط تراشقات سياسية بين الأحزاب الأسبانية؛ فقد انتقد اليسار تخليد تلك الذكرى التي تشكل مناسبة لليمين المتطرف للتذكير بحضوره، وقاطعت بعض هذه الأحزاب تلك الاحتفالات السنوية التي دأبت الحكومات المحلية في المدينة على إقامتها، في أجواء احتفالية مغرقة في التطرف لم تتغير طيلة قرون؛ فيما وصفها حزب”بوديموس” الجديد بالفاشية.

لا تمثل الاحتفالات بسقوط غرناطة مجرد احتفال بسقوط مدينة، بل الأمر أبعد من ذلك. إنها تمثل انتصار المسيحية على الإسلام في أوروبا، لذلك ساد الارتياح جميع أوروبا لدى سقوطها باعتباره نهاية لحروب الاسترداد. وينظر إليها الأسبان المتشددون بوصفها نهاية العصور الوسطى وبداية تاريخ عالمي جديد، شهد توحيد أتباع الديانة المسيحية وانتشار التبشير إلى خارج أوروبا، من خلال رحلة كريستوف كولومبوس الذي اكتشف ”العالم الجديد”.

وفوق ذلك يُعدُّ سقوط غرناطة رمزا لنجاح الملكين الكاثوليكيين، إليزابيث وفرناندو، في مهمتهما الحضارية، ولذلك تطلق عليهما تسمية ”ملكا غرناطة”، لأنهما، خلافا للملوك السابقين الذين حاربوا المسلمين في الأندلس، حظيا بشرف القضاء على آخر قلاع المسلمين، وتسلما مفاتيح المدينة من يد آخر ملوك غرناطة أبي عبدالله الصغير، الذي يلقبه الأسبان “بوعبديل” أو”التشيكو”، وهي كلمة تعني الطفل الصغير في اللغة القشتالية، كما تسلما منه أيضا بيرق الحرب الذي كان يقاتل تحته. وبحسب المؤرخين، فقد طلب من أبي عبدالله أن يسلم المفاتيح داخل مسجد صغير بالمدينة، إمعانا في تصوير الهزيمة كهزيمة للمسلمين كلهم، وهو المسجد الذي صار في ما بعد كنيسة سان سيباستيان.

ولإعلان هذا الانتصار، الذي جعل الملكين المذكورين يلقيان شهرة أوسع في تاريخ أسبانيا مقارنة بمن سبقهما، أبدى هذان الأخيران رغبتهما في أن يدفنا في غرناطة نفسها. لذلك أعطت الملكة إليزابيث أوامرها ببناء ”الكنيسة الملكية” داخل المدينة، والتي تم الانتهاء من بنائها عام 1504، لكي تكون ملاذا لأرواحهما بعد الموت. ولا تزال طقوس الاحتفالات بسقوط المدينة تشمل حتى اليوم طقس الدخول الرسمي إلى تلك الكنيسة لتحية الملكين، وزيارة المتحف الذي يضم بقايا تلك المرحلة، من مثل مفاتيح المدينة وراية القتال. وتجري خلال هذه الاحتفالات في بعض القرى والبلدات المحيطة بغرناطة إعادة تمثيل بعض الوقائع من تلك الأحداث القديمة، حيث يتم تنظيم مواجهة صورية بين السكان الذين ينقسمون إلى فئة تمثل المسلمين وفئة تمثل المسيحيين، يكون النصر لهؤلاء في الأخير.

مثل هذه الاحتفالات أصبحت في السنوات الأخيرة تثير حفيظة الكثير من الأسبان، الذين باتوا ينظرون إليها كتعبير عن التشدد الديني وعنوان للكراهية ومعاداة للتسامح، ويطالبون بالكف عن تنظيمها كل سنة بتلك الأساليب المستهجنة، التي تلقى صدى كبيرا لدى التيارات المتطرفة الرافضة للأجانب وخاصة منهم المسلمون. فأسبانيا اليوم ليست أسبانيا الأمس، عندما كانت بلدا صافي العرق خالص الديانة بعد إفراغ البلاد من المسلمين واليهود، أو إكراه من تبقى منهم على التحول إلى المسيحية الكاثوليكية، بل أصبحت بلدا منفتحا وديمقراطيا، وتشكل جزءا من أوروبا حيث التعددية والتعايش والتسامح بين مختلف الديانات والأقوام، ولا يليق اليوم أن تستمر في إحياء تاريخ قديم أصبحت القيم الأوروبية نفسها اليوم ترفضه، وتتحدث عنه كتب التاريخ الأوروبي كأحلك ما يكون في تاريخ شعوب أوروبا، من حيث هيمنة محاكم التفتيش وسيادة الحروب الدينية.

يوجد في غرناطة اليوم عدد كبير من المسلمين، وهناك الآلاف من الطلبة المقيمين في المدينة والقادمين من مختلف الآفاق في العالم الإسلامي، كما يعيش فيها الآلاف من المواطنين الأسبان الذين اعتنقوا الديانة الإسلامية، أسسوا جمعيات وهيئات للتعايش بين أتباع الأديان الثلاثة، ويسعون إلى إعادة إحياء الطابع العربي للمدينة، ثقافيا ودينيا، ليكون رافدا من روافد التعددية في أسبانيا الحديثة؛ ويمكن للمدينة أن تصبح رمزا للتسامح بدل أن تكون في كل عام تذكيرا بالأحقاد، خصوصا ونحن في مرحلة حرجة بسبب بروز ظواهر العنف الذي يتغذى على التزمت الديني أو العرقي أو الطائفي.

عن العرب اللبنانية

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط