كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سلطان الجغرافيا على سوريا ولبنان

سلطان الجغرافيا على سوريا ولبنان

تاريخ النشر: 2021-09-05 | 08:24

علي شندب
علي شندب

انها الجغرافيا سلطة وسلطانا، تلك التي تحكم لبنان وسوريا. فرغم اهتزازات البورصات السياسية صعوداً وهبوطاً بين البلدين، فإن الجغرافيا في حالة لبنان هي التي تبسط نفوذها وسلطتها وسيطرتها.

صحيح أن حدود لبنان ملثلة الأضلاع. فهي أولاً مقفلة مع فلسطين مذ نكبة إحتلالها. الضلع الثاني هو ذاك البحر، الذي كان جسر لبنان مع العرب والغرب تجارة وسياحة، وأصبح مسرحاً لقوارب الموت التي تقلّ المهاجرين غير الشرعيين بحثاً عن فرصة حياة فيما وراء البحار، تماما كما بات معبراً لاستجلاب الموت عبر النيترانيوم ومشتقاته، وتصدير المخدرات والرمان المحشو بالكابتغون. الضلع الثالث هو سوريا التي تبقى جغرافياً الشقيقة الأقرب من حبل الوريد رغم ما صنع الحدّاد بينها وبين لبنان. ما يعني عمليا أن سوريا هي شريان حياة لبنان. وهذا بخلاف حالة سوريا الجغرافية المفتوحة على عدة بلدان أقفلت أبوابها بسبب الحرب في سوريا وعليها.

ها هي معادلة الجغرافيا تفرض نفسها مجددا على لبنان في تموضعه غير المسبوق على فوّهة البركان. والحلول غير الترقيعية لا بد لها وفق قانون الجغرافيا وتضاريسها الأخوية من المرور في سوريا وعبرها.

فمعالجة الظلمة التي تلف لبنان جرّاء أزمة الكهرباء التي تسببت بها منظومة النيترانيوم ومحاصصات الفساد والصفقات، طريقها الحصري والوحيد في سوريا وعبرها.

انه قانون الجغرافيا، الذي وبغض النظر عن دمجه بقوانين التاريخ والعروبة والعلاقات الاجتماعية المختلف عليها في لبنان بين اللبنانيين، مفترض من حيث الحكمة والحصافة أن يسمو على ما عداه من القوانين الاخرى، وألّا يتأثر بالبورصات والمواقف السياسية المستولدة من أجندات محاور متخادمة او مختلفة.

مناسبة الكلام عن قانون الجغرافيا هو الزيارة غير المسبوقة منذ سنوات لوفد وزاري لبناني مكوّن من نائبة رئيس الحكومة ووزيري المال والطاقة والمدير العام للأمن العام الى دمشق، لبحث أمور تقنية متعلقة باستجرار الغاز المصري، والكهرباء الأردنية عبر الاراضي السورية.

إنها الجغرافيا التي رفعت عن كاهل الدولة اللبنانية عبء تعرضها لعقوبات أميركية ربطا باستجرار زعيم حزب الله سفن الوقود من ايران المعاقبة أميركياً، وهو الاستجرار الذي اذا ما حصل على النحو الذي قررته ايران وفقا لتمدّد نفوذها الى الحياة الاقتصادية، ما سيعني حكماً وحتماً ابتلاع ايران لكل لبنان بكله وكلكله.

بعض اللبنانيين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما أمرّ من الآخر. لكن التعمق في عمق استجرار الغاز المصري والطاقة من الاردن عبر سوريا، جعل الامر أكثر مقبولية من الناحية النفسية، ما يعني إبقاء لبنان ضمن المدارات العربية وعدم انتقاله الى الرادار الايراني. وفي سياق المفاضلات بين سفن النفط الايرانية المعاقبة اميركيا، وبين الاستجرار الطاقوي العربي بعيدا عن تداعيات قانون قيصر، فطبيعي أن تكون المفاضلة لصالح الاستجرار العربي.

رغم هذا، فإن وقعُ زيارة الوفد الرسمي اللبناني الى العاصمة السورية دمشق نزل كالصاعقة على رؤوس البعض خصوصا ممن يصنفون أنفسهم سياديين في لبنان، لكن هذا البعض لم ينبث ببنت شفة، فقط لأن الولايات المتحدة الاميركية تقف خلف هذا المشروع الهادف الى أضاءة لبنان من جهة وقطع الطريق على سفن حزب الله الايرانية من جهة ثانية.

لكن غياب العلم اللبناني عن جلسة المباحثات الرسمية بين الجانبين اللبناني السوري بدت كهدية هبطت من السماء على بعض السياديين الذين امتلأت أفواههم بالمياه، فأطلقوا سهامهم وصوبوها على هذه الزيارة "الانبطاحية" انطلاقا من غياب العلم اللبناني، الأمر الذي يجنبهم لوم الأميركيين وسيّدة عوكر.

بدون شك زيارة الوفد اللبناني الى دمشق تمت وفق معايير "إتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق" بين البلدين، التي يظلّل مسيرتها "المجلس الأعلى اللبناني السوري". ذلك الهيكل الرسمي الذي كان حله كما وإلغاء الاتفاقية الشهيرة، مطلباً محموماً لبعض السياديين ورموز 14 آذار قبل أن تعصف بينهم الخلافات ويتشتت شملهم.

وكم كان سعد الحريري، محل سخرية وتهكم، ومفاجئاً لكثيرين خلال مقابلة "طق الحنك" التلفزيونية بعيد إعتذاره عن تشكيل الحكومة، عندما أعلن "أن مباحثاته مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تركزت على مسألة استجرار الغاز المصري عبر سوريا الى لبنان، وأن الملك الأردني عبدالله بن الحسين نجح في إقناع الرئيس الأميركي جو بايدن بهذه الخطوة".

لكن الصدمة النفسية والسياسية التي أحدثها كلام ابن رفيق الحريري، عزّزتها سيّدة عوكر دوروثي شيا عندما أعلنت عقب مهاتفتها الرئيس ميشال عون لإبلاغه أن بلادها تجري إتصالات مكثفة مع مصر والأردن بهدف استجرار الغاز والكهرباء، وأنها تراجع الإجراءات مع وزارة الخزانة الاميركية المعنية بملف العقوبات على سوريا وخصوصاً قانون قيصر الذي يجرّم كل من يتعامل مع الدولة السورية ومؤسّساتها المختلفة.

وتوازياً مع رغبة مصر والأردن بمدّ يد المساعدة الفعّالة الى لبنان، بعدما أعطت واشنطن الإشارة الخضراء الى حكومة تصريف الأعمال اللبنانية كي تيمّم وجهها شطر دمشق بهدف تعبيد الطريق النفسي قبل الدبلوماسي. وقد أبلغت سوريا بلسان وزير خارجيتها ناصر المقداد موافقة بلاده على تمرير أنابيب الطاقة والغاز عبر أراضيها الى معمل دير عمار في شمالي لبنان، وهو الأمر الذي أكده أيضاً الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري.

عملية استجرار الغاز والطاقة ستكون بحسب وزير الطاقة اللبناني ريمون غجر، محل متابعة خلال اجتماع رباعي يضم لبنان، سوريا، مصر والأردن الأسبوع المقبل في عمان، وذلك بهدف تفعيل الإتفاقيات المعنية ومذكرة التفاهم الخاصة بإنشاء "الخط العربي" عام 2000 بالإضافة الى بحث الأمور الفنية والتقنية المتعلّقة بتمديدات الطاقة وأنابيب الغاز التي تعطّلت جرّاء الحرب والتي سبق لمعمل دير عمار الكهربائي بوصفه الوحيد في لبنان المؤهل للعمل بالغاز أن دارت محركاته لمدة ستة أشهر قبل أن يوقفها نقص التمويل.

ربما يكون استجرار الطاقة والغاز محل تشاور وبحث أميركي عربي سابق. لكن الإعلان عنه من قبل السفيرة الاميركية في بيروت بدا في شكله الأولي بمثابة ردة فعل إنفعالية على خطوة حسن نصرالله باستجرار سفن المازوت والبنزين من ايران، وهي الخطوة التي تسبّبت بإحراج شديد للادارة الاميركية، حيث تمكن خلالها المتأيرنون من تسجيل نقطة على المتأمركين في لبنان. وثمة مناخ في لبنان يقول بأنه لولا إعلان نصرالله وتهديده ووعيده واعتباره سفينة المازوت الإيرانية أرضاً لبنانية، لما فكّر أحد بأسلاك الأردن ولا بأنابيب مصر، فضلاً عن أي شكل من التواصل السياسي الرسمي المحظور مع القيادة والدولة السورية.

كل هذه الأمور تجري في لحظة يتموضع فيها لبنان على قمة البركان، وتنتشر في سياق الفوضى المجتمعية التي تلفه أمام طوابير الذل والبنزين والمازوت والخبز والدواء، عمليات قتل ممنهجة بدأت تأخذ طابع التصفيات الغامضة خصوصا في طرابلس التي يتسيّد فوضى رمي القنابل واطلاق الرصاص فيها بعض المطلوبين قضائيا والذين عاد بعضهم الى الظهور في ظل ارتخاء قبضة الجيش والقوى الأمنية المنهكين جراء مواجهة وجع أهلهم وصرخات الجوع والفقر الناتج عن الافقار الممنهج الذي أنتجته منظومة النيترانيوم والفساد والاحتكار والتهريب المكونة من كل أهل السلطة.

 بدون شك خبر استجرار الغاز والطاقة من مصر طغى على خبر بنزين نصرالله ومازوته، سيما وأن سفن نصرالله وكما بيّنت التصريحات الأميركية سوف تعرّض الدولة اللبنانية لعقوبات لا قبل لها بها، كما إن نجيب ميقاتي المكلّف تشكيل الحكومة وبحسب مصدر مقرب منه، أبلغ محاوريه من قيادة حزب الله عدم قدرته على تحمل تبعات النفط الإيراني المهرّب الى لبنان، ويرجح أن موقف ميقاتي هو ما جعل حزب الله يحسم أمر وجهة سفينته باتجاه مرفأ بانياس السوري، وليس مرافىء لبنان.

توازياً، فالأمر غير المحسوم هو ارتطام تشكيل الحكومة بجدار الشروط العونية الصلبة منذ تكليف مصطفى أديب واعتذاره، مروراً بتكليف سعد الحريري واعتذاره وصولا الى تكليف الميقاتي الذي رمى اليوم قنبلة صوتية متمثلة بفكرة تشكيل حكومة أقطاب من 14 وزيرا، وهو المقترح الذي لا يعبر سوى عن العقدة الكأداء التي تمنع تشكيل الحكومة ما لم تنتج تسوية سياسية كبيرة موضوعها تعبيد طريق جبران باسيل الى قصر بعبدا.

هذه التطورات المتسارعة لبنانيا، تشكل إنعكاساً للتطورات الاستراتيجية في العالم والمنطقة مع سيطرة حركة طالبان على أفغانستان وجلوسها على كرسي كابل ربطا بهزيمة مقنعة منيت بها الولايات المتحدة وعبر عنها تخبطها في انسحاب أُجمع على وصفه بالمهين والمذل، توازياً مع قمة بغداد التي تغوّل بروتوكولياً فيها وزير خارجية إيران حسين أمير عبداللهيان، والتي بدا فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكأنه يحاول تعبئة الفراغ الاميركي، بالاضافة لما تردّد عن استضافة بغداد لمحادثات سرية بين سوريا وتركيا، على غرار المحادثات التي تستضيفها بين السعودية وإيران، وصولا الى القمة المصرية الاردنية الفلسطينية في القاهرة والتي لم يغب لبنان عن مباحثاتها.

هذه المشهدية أفصحت وأوضحت أن لبنان يتموضع في قلب صراع تدوير زوايا النفوذ الأميركي - الإيراني - العربي، وأن ثمة سباق محموم بين أطراف الصراع لاستجماع الأوراق الممكنة بهدف حرقها أو تخصيبها في مفاوضات فيينا النووية التي وفق نتائجها ستتشكل توازنات القوة والنفوذ في المنطقة التي دخل اليها لاعب جديد اسمه طالبان.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط