كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سلواد لبؤة الجبال

سلواد لبؤة الجبال

تاريخ النشر: 2020-06-18 | 11:11

"الحلقة الأولى"

كلّما كنت أتّجه من رام الله باتّجاه شمال الضّفّة الفلسطينية وأمرّ عبر طريق عين سينيا أو عبر الطّريق أسفل جسر عطارة حسب الطّرق الّتي تكون مفتوحة ويمكن المرور منها في ظلّ تحكّم الاحتلال بالطّرق، وأشاهد سلواد على قمّة الجبل المرتفع أشعر بها لبؤة تربض فوق الجبال وتشرف على كل الطّرق بموقع استراتيجي متميّز، وفي كل مرّة كانت الرّغبة بزيارتها والتّجوال فيها وتوثيقها بالقلم والعدسة تعتريني، لكن عدم وجود أشخاص مقيمين فيها وأعرفهم كان يمنع رغبتي من التّحقّق، حتّى قرأت قصيدة سلواد من ديوان مغناة الّليلك للشّاعرة رفعة يونس فتجدّدت الرّغبة، وبعد حوار مع الشّاعرة عن القصيدة وسلواد حتّى بادرت الشّاعرة بالاتصال بالعزيز عبد الرّؤوف عيّاد من أبناء بلدة سلواد والمهتمّين بها ونسّقت معه زيارتي لسلواد والتّجوال فيها، حتّى حانت الّلحظة الحلوة والمنتظرة فشددت الرّحال من جيّوس بلدتي في شمال الضّفّة باتّجاه رام الله ومنها إلى سلواد.

   ما أن غادرت رام الله باتّجاه سلواد وفي أسفل الطّريق الصّاعدة إلى بلدة "بيت إين" وهي بالأصل البلدة الكنعانية "بيت ايل"، حتّى كانت دورية لجيش الاحتلال تغلق الطّريق أمام القادمين إلى رام الله وتعمل على تفتيش الهويّات والسّيارات بكل بطئ لتعطيل النّاس القادمين عن أعمالهم ومشاغلهم، حتّى وصل صفّ السّيارات إلى مداخل بلدة بيتين من الأعلى باتّجاه يبرود، وما أن وصلنا يبرود حتّى كنت أشاهد شجرة البلّوط التّاريخيّة والّتي تعتبر معلما من معالم بلدة يبرود، وما إن عبرت الحافلة العموميّة الصّغيرة من تحت الشّارع باتّجاه سلواد حتّى شعرت بغمامة سوداء بمشاهدة مستوطنة "عوفرا" الّتي تحتل جانبي الشّارع وتسيطر عليه، وتغلق الطّريق لمحاصرة سلواد بين الفينة والأخرى، ومقابلها برج مراقبة لجيش الاحتلال، وواصلنا المسير مسافة ليست بالطّويلة حتّى كانت سلواد لبؤة الجبال تطلّ علينا بابتسامة التّرحاب، وأنا أشعر بمشاعر متضاربة فهمست بيني وبين نفسي ببعض المقاطع من قصيدة سلواد للشّاعرة رفعة يونس منسّقة برنامجي لزيارة سلواد وهي تقول فيها: (ولأنّي أشتاق يا سلواد لعينيك/ للسّحر الغافي/ خلف الأهداب/ للأنسام البكر/ تعانق رعشة طلّ/ في فجرها..للتّراب الطّاهر اشتاق/ مجبولا بدم الشّهداء/ رفات الأجداد/ يزهر حنونا/ رايات ترف على صدرها)، فواصلت الحافلة المسير وأنا أتأمل الشّوارع الّتي نمرّ بها والبداية من الدّوار الّذي يحمل على نصب فيه أسماء عائلات سلواد الثّلاثة حامد وحمّاد وعيّاد، حتّى وصلت مبنى البلديّة حيث كان ينتظرني الأخ عبد الرؤوف عيّاد وهو موظف فيها فكان الّلقاء الأول التعارفي بيننا، ودخلنا إلى مكتب الأستاذة علا حامد محاسب البلديّة حيث احتسينا القهوة وخرجت بعدها فورا وبدأت بالتقاط الّلقطات لمبنى البلديّة وما يحيط به والتّلال المواجهة بما تحتويه من أبنية حديثة تشابه القصور، ثم اتّجهنا لنلتقي رفاق الجولة الأخ عبد الرحمن صالح حامد "أبو صالح" وهو مناضل قديم في صفوف الثورة وتولّى رئاسة البلديّة في سلواد على مدى دورتين وشهدت سلواد في عهده قفزات نوعيّة والأستاذ الشيخ عبد الكريم عيّاد وهو موسوعة بالمعلومات عن سلواد وتراثها وعائلاتها، وبعد مقدمة قدمها الأخ أبو صالح عن مساحة وسكان البلدة وتاريخها وحديث عن نشأتها قدّمه الشيخ عبد الكريم، بدأنا البرنامج بزيارة خربة على أطراف سلواد اسمها "كَفر عانا" والّتي كانت مسكونة قبل عام 1830 م وهجّرت تماما بعدها، وطوال الوقت كانت عدستي لا تتوقف عن تصوير حقول الزيتون وبقايا مناطير مبنية من الحجارة، كان الفلاحون يقيمون فيها أثناء المواسم الزراعيّة والبعض يسمّونه القصر والبعض يسمّونه سقيفة والبعض يسمّونه المنطار.

   سلواد الّتي بدأت قرية صغيرة وتطورت إلى بلدة ثم إلى مدينة تبلغ مساحتها 18800 دونم داخل حدود البلديّة وتبلغ مساحتها الاجمالية 24000 دونم، وعدد سكّانها المقيمين فيها 6400 نسمة بينما مع سكّانها خارجها وخارج الوطن يتضاعف العدد إلى ثلاثة مرات وحسب الرّوايات فهي استمدّت اسمها من كلمتين: سيل الواد حيث كانت تشتهر بعيونها ووديانها وسيولها الّتي تصب بأوديتها المحيطة بها، ورواية أخرى أن اسمها مشتق من كلمتي: سن الواد لموقعها على أعلى رأس الجبل والأودية تحيط بها، وعلى مفترق طرق لأربعة مدن رئيسة هي رام الله وتوأمها السيامي البيرة ونابلس وأريحا والقدس، وهي تقع شمال شرق رام الله على مسافة عشرة كيلومترات منها، وتتوسط سلواد 16 بلدة وقرية تعتلي رؤوس الجبال على ارتفاع 900م عن البحر مما يعطيها جوا منعشا.

  وصلنا خربة كَفر عانا وأوقف أبو صالح السّيارة أسفل التلّة وبدأنا بالصّعود سيرا على الأقدام، ومرافقي رحلتي ومضيفيني يتناوبون الحديث عن الخربة وتزويدي بالمعلومات، وأثناء صعودنا ومن بين التراب رأيت قطعة صغيرة من البازيلكا البيزنطيّة مما يدل على وجود آثار دير بيزنطي بالمنطقة، وعلى مسافة ليست بالبعيدة كان هناك حجر ضخم يعود بلونه ونمط قطعه للفترة البيزنطيّة أيضا، ولكن معظم الآثار مختفية تحت تراكم الأتربة لنواصل الصّعود إلى عدد من الكهوف الّتي كانت مسكونة بالماضي ومنها مغارة منحوتة البوابة بالصّخر وذات باب مستطيل الشّكل يتمّ النّزول إليها بعدّة درجات محفورة بالصّخر، وحسب شكلها وحدود معلوماتي فهي كانت بالأغلب مقبرة على نمط المقابر البيزنطيّة المنتشرة في فلسطين، إضافة لمجموعة من الكهوف الطّبيعيّة غير المنحوتة، وواضح من خلال العديد من السّلاسل الحجريّة المحيطة بها أنها استخدمت للسكن في مرحلة ما من تاريخ الخربة، وفيما بعد حظائر للمواشي الّتي كانت تمثل أهم مصادر الاقتصاد للنّاس في تلك المرحلة الزّمنيّة، وخاصّة مع توفّر المياه على مدار العام بالمنطقة مما يوفّر الكلأ والماء.

   في نفس الوقت كنت استغل الموقع بارتفاعه لالتقاط الصّور لمدينة سلواد بمقاطع مختلفة وشاملة، وحين وصلنا أعلى التلّ كنت أشاهد أكوام من الحجارة الّتي تعود إلى المرحلة البيزنطيّة والّتي استخدمها سكان الخربة في البناء للسّكن، ومعظم بيوتات الخربة قد تهدّمت مع الزّمن ولم يتبقى إلا بقايا لبعض البيوتات تشير لنمط البناء الذي كان يسود أبنية الخربة، ووصلنا لبقايا بيت واسع وكبير ومبني على نمط العقود نصف البرميليّة ولعلّه كان بيت لشيخ البلدة، فباقي البيوت والّتي تهدّمت مبنيّة على نمط بيوتات صغيرة على نمط العقود المتصالبة وهو النّمط الذي اشتهر في فلسطين، وبين هذه الخرائب شاهدت صخرة محفور بها نقر كبير الحجم مع سيّال على جانبها، وهذه النقر كانت تستخدم لعصر العنب وصناعة الخمور في المرحلة البيزنطيّة وبالكاد تخلوا منها الأديرة والبيوتات المحيطة بها، وكما اعتدت في كل الأمكنة شاهدت حفريات يقوم بها لصوص الآثار والباحثين على أوهام كنوز الذهب.

   وكما أشار الأعزاء أبو صالح والشيخ عبد الكريم فإن سكان الخربة كانوا يمارسون السّلب والنّهب وقطع الطّرق وكما تحدّث الشّيخ عبد الكريم فإنّ ياقوت الحموي أشار بجولاته إلى يبرود المجاورة وأسماها كفر ناثا وأنّها مشهورة بالّلوزيات والسمّاق وأن أهل كفر عانة كانوا يعودون بأصولهم إلى "قيس" وكل من حولهم أصولهم "يمن" وأنهم تحالفوا مع إبراهيم باشا ضد القرى المجاورة ومارسوا السّلب والنّهب وقطع الطّرق، وحين انتهت مرحلة إبراهيم باشا تحالف ضدهم سكان القرى المجاورة فطردوهم وتشتّتوا في أنحاء البلاد، ومن المعروف أن تقسيم أهل فلسطين في تلك المرحلة كان يعتمد على تصنيف قيس ويمن والفتوح وهم سكان السّاحل، وأعتقد أنه بناء على هذه المعلومات عرفت عيون الماء بالمنطقة باسم "عيون الحراميّة" وهو الاسم السائد حتّى الآن ففي تلك المرحلة الزمنيّة كانت المنطقة خطرة من خلال عمليات السّلب والنّهب وقطع الطّرق خاصّة أن موقع عيون الحراميّة هو من يتحكم بكل الطّرق بين نابلس وأريحا والقدس ورام الله والبيرة، وبتقديري فخربة كفر عانا تعود بجذورها للمرحلة الكنعانيّة من خلال اسم "كفر" والّذي يعني قرية صغيرة باللغة الكنعانية والآرامية، والمقطع الثاني "عانا" أعتقد انّه حرف عبر الزّمان بالّلهجات المحليّة كما حُرّف اسم "بيت ايل" إلى "بيت إين" والعشرات من البلدات في المنطقة، ويحتاج هذا لمتخصّصين باللغة الآرامية للعودة لأصل الكلمة، وخاصّة أنّ المنطقة بأكملها كانت فيها بلدات وممالك كنعانية الجذور مثل بيت ايل وبيت اونيا وبيت سيرا والجديرة وجبعون وغيرها، لنتّجه من الخربة باتّجاه برج عرف باسم البردويل ومن بناه "بلدوين" ملك بيت المقدس الصّليبي أثناء الاحتلال الصّليبي لفلسطين وهو ما سيكون مجال للحديث في الحلقة القادمة.  

   في وكني في بلدتي جيّوس الخضراء أجلس مع النّسمات الرقيقة بعد عدّة أيّام من حرّ لا يطاق، أستعيد ذاكرة زيارتي لسلواد قبل أسبوع من اليوم بعد فترة طويلة لم أتمكّن من الحركة فيها بسبب الجائحة العالميّة، واحتسي قهوتي في هذا الصّباح الجميل وأستمع لشدو فيروز: "خبطة قدمكن عالأرض هدّارة، إنتوا الأحبّة وإلكن الصّدارة، حطة قدمكن عالأرض مسموعة، خطوة العز جبهة المرفوعة، ويا حلوة اللي عالحلى عم توعى، عنقك العقد وإيدك الإسوارة، طالع عاشهب النار مهرك طالع".

فأهمس.. صباحكم أجمل جميعا حتّى نلتقي بالحلقة الثانية ولقائي الجميل مع سلواد لبؤة الجبال.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط