كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سماح مبارك فلسطينيةٌ بأي ذنبٍ تقتلُ

سماح مبارك فلسطينيةٌ بأي ذنبٍ تقتلُ

تاريخ النشر: 2019-02-10 | 08:28

قد يصعُب علينا تجاوز جريمة قتل اليمامة الفلسطينية سماح زهير مبارك، تلك الصبية التي لامس عمرها السنة السادسة عشر، رغم أنها ليست الجريمة الإسرائيلية البشعة الأولى، وهي بالتأكيد ليست جريمتها الأخيرة، فسلطات الاحتلال الغاشمة ترتكب يومياً عشرات الجرائم المشابهة الموجعة والمؤلمة، التي تستهدف الصبية والأطفال، ولا تستثن من حقدها الدفين الرضع والخدج، وحتى الأجنة في بطون الأمهات قد طالهم رصاصها الغادر، وخنق أنفاسهم غازها القاتل، وما زال جنودها يطلقون النار على أطفالنا فيقتلونهم، ومستوطنونهم يدهسونهم ويسحلونهم، ويفجون رؤوسهم بالحجارة وينالون من أجسادهم الغضة اللدنة، دون رحمةٍ أو شفقةٍ، بل بغلٍ وحقدٍ وكراهيةٍ عنصريةٍ بغيظة، حيث تشرع قوانينهم الجائرة جرائمهم، وتسكت عنها محاكمهم، وتغفلها محاضر الشرطة وأقسام التحقيق، وتسقط عن مرتكبيها المسؤولية والفعل العمد المقصود، بل وتدين الضحية وتحمل المُعتَدى عليهم المسؤولية.
قد لا تختلف جريمة قتل سماح مبارك عن غيرها كثيراً، فدماء أبناء شعبنا علينا عزيزة، وحياتهم غالية، وأرواحهم نفيسة، وكلهم لهم مكانة كبيرة عند أهلهم وأسرهم، خاصةً إذا كانوا صغاراً أو أطفالاً، ما يجعل غيابهم مؤلماً ورحيلهم قاسياً، والعدو لا يفرق بين أطفالنا وأبنائنا، ولا يميز بين ضحاياه وإن كان ينتقي بعضهم أحياناً، فرصاصه يوزع الموت على الجميع، وحممه تطال الكل، وحقده يصل إلى كل مكانٍ، في وقتٍ يدعي قادته أنهم نموذج الدولة الديمقراطية، وأنهم يحترمون المرأة ويحفظون حياة الأطفال، ولا يعتدون عليهم ولا يسلبونهم حقهم في الحياة الآمنة والعيش الكريم.
سماحٌ مثال الآخرين ونموذجٌ حيٌ عن كل أطفال فلسطين، فما أصابها قد أصاب من قبل غيرها، وقد يصيب من بعدها الكثير أمثالها، الأمر الذي يجعلنا نسأل بحرقةٍ وألمٍ، وحزنٍ ووجعٍ، ما الجرم الذي ارتكبته حتى تقتل، وما الخطأ الذي بدر منها حتى يسفك دمها في الشارع، وتلقى في عرضه على قارعة الطريق وحيدةً تنزف، لساعاتٍ لا يقوى على الاقتراب منها أحد، ولا يسمح جنود الاحتلال لطواقم الإسعاف الفلسطينية بنقلها ومحاولة إنقاذها، فهل أطلقوا النار عليها وقتلوها لأنها فلسطينية، تحمل الحق الفلسطيني وتؤمن به، وتناضل من أجله، وتضحي في سبيله، أم لأنها تعيش في وطنها وتتمسك بحقها، وترفض التنازل عن أرضها، وتصر على تحقيق أحلامها واستعادة حقوق آبائها وأجدادها.
هل اغتاظ جنود الاحتلال الصهيوني من وقفتها الصلبة وشموخها العزيز، ومن خطواتها الثابتة وعقلها الرشيد، ومن نظرتها الثاقبة وقلبها الجريء، ومن حجابها الساتر وقرآنها المجيد، أم ساءهم اسمها وأغضبهم سماحها، وغاظهم ثباتها، فاجتمعوا عليها وهم جمعٌ كثيرٌ من الجنود المدججين بالسلاح، فأطلقوا جام حقدهم عليها رصاصاً فقتلوها، وهي التي لم تقدم على قتلهم، ولم تهدد حياتهم، ولم تكن تحمل سلاحاً يخيفهم ولا سكيناً يرعبهم، ولكنها كانت تدرك أن وجودها يخيفهم، وأن بقاءها على الأرض يهدد وجودهم، وأن المستقبل الذي ستورثه لأولادها يزعزع كيانهم ويؤذن بزوال ملكهم ونهاية عهدهم، فرأوا في عينيها اليقين بالنصر، والإصرار على الظفر، وكأنها تباشير الفجر تتراءى لشعبها مع المزيد من الصبر.
أم أن جنود الاحتلال الإسرائيلي قد استهدفوا سماح برصاصهم القاتل لأنها مقدسية القلب والهوى، وإن كانت من رام الله مولداً ومسكناً، إلا أنها تؤمن بأن القدس عاصمة بلادها فلسطين، وأنها مدينة عربية موحدة حرة، لا تقبل القسمة ولا التجزئة، ولا ترضى بالمشاركة ولا المساكنة، ولا يمكن أن تكون يوماً مدينةً يهودية فضلاً عن أن تكون عاصمةً لكيانهم الصهيوني اللقيط.
أم استهدفها جنود الاحتلال لأنها تحفظ القرآن الكريم وتتقن أحكامه، وتتمسك به هويةً وكتاباً ومنهاجاً ودستوراً، وتؤمن بما جاء في آياته الحكيمة أن القدس والمسجد الأقصى آيةٌ فيه تتلى إلى يوم القيامة، وأن المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين الأولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى طاهراً شريفاً خالصاً للعرب والمسلمين، فأزعجهم رباطها، وأغضبهم ثباتها، وأخرجهم عن طورهم تمسكها بالقدس عربية، وبالأقصى مسجداً للمسلمين، فأسكتوا برصاصهم صوتها، وما علموا أن دمها سيروي ملايين المسلمين من بعدها، ممن يتمسكون بثوابتها، ويؤمنون بما آمنت به وضحت من أجله وفي سبيله.
أم تراهم قتلوها لأنها منقبة، تمشي بسرعةٍ وعلى عجل، لا تنظر حولها ولا تلتفت خلفها، حثيثة الخطى واضحة الهدف، تعرف طريقها وتحفظ مسارها، تحمل حقيبتها المدرسية وربما تراجع بصمت دروسها وواجباتها المنزلية، وقد ادعى المتحدث باسم جيش الاحتلال أنها كانت تنوي استهداف الجنود على الحاجز شرق مدينة القدس، بغية طعن أحدهم، ولكن التسجيلات التي نشرت بعد الحادثة فضحت كذب جيش العدو وفندت أقواله، وأظهرت مدى الخداع والتضليل الذي يلجأ إليه لتبرير فعلته.
إذ أظهرت الفيديوهات المسجلة عملية تفتيش جنود الاحتلال لحقيبتها المدرسية، التي بدت خالية من أي سكينٍ أو سلاحٍ أو أدواتٍ حادة، كما تبين من صورة الشهيدة سماح وهي مستلقية على رصيف الشارع، أنها لا تحمل شيئاً مما ادعاه الناطق باسم جيش العدو، وقد أظهرت الصور ضئآلة حجم سماح، حيث أنها طفلة صغيرة نحيلة لا تقوى على تهديد جندي فضلاً عن مهاجمة مجموعة من الجنود الشبان الأشداء المتأهبين المدججين بالسلاح.
ما من شكٍ أن جنود العدو الإسرائيلي قد قتلوا الطفلة سماح مبارك عمداً، وأنهم قاموا بإعدامها علناً في الشارع العام، وأنهم قصدوا ارتكاب الجريمة دون خوفٍ من عقابٍ أو مساءلةٍ أو رأيٍ عامٍ دوليٍ، فهذه هي سياسة العدو المعلنة، التي يجاهر بها ولا يخفيها، إذ يقصد قتل الأطفال والنساء، وقد ارتكب في حقهم أبشع الجرائم إذ قتل بعضهم حرقاً، وسكب في أفواه آخرين البنزين والسوائل الحارقة، وحرق بيوت بعضهم وأشعل في أجسادهم ناراً شوهت بعضهم وقتلت آخرين منهم، وقد ظن أنه بجرائمه سينسي الفلسطينيين حقوقهم، وسيدفعهم لليأس والقنوط، والقبول والخضوع، والاستسلام والاذعان، وما علم أن دماء الشهداء تروي الأحياء، وأن أرواحهم التي تسكن في حواصل طيرٍ خضرٍ تحت عرش الرحمن، تسكن نفوس من بعدهم، وتوحد صفوفهم، وتدفعهم بقوةٍ وعزمٍ نحو الثأر والانتقام أو الغلبة والانتصار.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط