كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سهولة الشخصنة السياسية وخطورتها

سهولة الشخصنة السياسية وخطورتها

تاريخ النشر: 2023-01-05 | 05:55

شهد القرن الماضى تناحرًا شديدًا بين أيديولوجيات مختلفة، منها على سبيل المثال الشيوعية والاشتراكية، والليبرالية واقتصاد السوق، وعدم الانحياز والحيادية، وانقسم خلالها العالم إلى أقطاب، وذلك مع استمرار السياسات فى أغلب الأحيان الرسالة والعنوان الجاذب للرأى العام، وهو يتابع الأمور والتطورات.

ومع اقترابنا من القرن الجديد، وطوال العقدين الأولين منه، ظل التناحر قائما، مع تعدد الأطراف بظهور الصين ساطعة، وتحول العديد من الدول النامية المستقلة حديثا إلى أطراف فاعلة دوليا، وأصبحنا أمام كم هائل من العناوين البراقة والمعلومات المقتضبة، وعلى حساب عمق الطرح والتحليل، وأصبحت غالبية الأخبار مجرد «التعليقات القصيرة» خالية من الخلفية الهامة للمعلومات والموضوعات المطروحة، وتحول الأداء السياسى نحو التركيز على الإعلام الجاذب والشخصنة والسطحية على حساب الطرح السياسى الممنهج والتحليل المعمق.

وفى العام الماضى، بمناسبة لقاء بايدن وبوتين فى جنيف يوم ١٦ يونيو ٢٠٢١، ركز بدرجة على الكفاءة الشخصية للرئيس الأمريكى نتيجة لكبر سنه، وهفواته اللفظية، وظهوره بين الحين والآخر مضطربا فى الساحات المتواجد فيها، وتجنب الإعلام بشكل كبير تناول السياسات أو السعى لمعرفة المزيد حول قضية هامة مثل الطموحات المستقبلية للدولة الأمريكية بمؤسساتها الجديدة وتوجهاتها فى القرن الـ٢١.

هذا وأتذكر تصريحا قبل ذلك للرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن، بأنه نظر فى أعين بوتين وفهم شخصيته، واطمأن لنواياه، وخرج عن التقاليد الرسمية بإجراء لقاء معه دون مستشارين أو حتى مترجم، فانصبت التغطية الإعلامية على شخصيتى الرئيسين وتفاعلهما. وبعد أن غزت روسيا أوكرانيا ركزت أغلب التساؤلات والتعليقات على رؤى وصفات بوتين الشخصية، بل وصل الأمر إلى طرح سؤال على بايدن عما إذا كان يعتقد أن الرئيس الروسى يتخذ قراراته «بعقلانية»، وأجاب بأنه يعتقد ذلك، فخالفه وزير خارجية أوكرانيا، مؤكدا أن بوتين «غير عقلانى» فى اتخاذ قراراته، ولم يناقش أى منهم توجهات وطموحات روسيا المعاصرة.

وفى الربع الأخير لعام ٢٠٢٢ انشغل العالم جزئيا عن أوكرانيا، لمتابعة الدورة العشرين لمؤتمر الحزب الشيوعى الصينى المنعقدة، ومرة أخرى انصب التركيز الغربى على الرئيس الصينى Xi Jingping، وطباعه وطموحاته الشخصية وممارساته المنتظرة فى إدارة السياسة الصينية، وجاءت التغطية الإعلامية الغربية سلبية للغاية وبشكل لافت للنظر، واتسمت التحليلات بالشخصنة والسطحية، تتعامل مع ظواهر الأمور وسيطرة XI على السلطة دون التعمق فى توجهاتها المستقبلية للصين الشعبية.

وأجمعت المصادر الغربية تقريبا على الفشل المؤكد للصين، لعدم كفاءة الأداء السياسى للرئيس الصينى ذاته، وليس لتوجهات الحزب الشيوعى الصينى أو المؤسسات السياسية أو غير ذلك من الاعتبارات، وهو مثال آخر للشخصنة الشديدة التى نشهدها فى الإعلام فى التحليل السياسى، ولم أجد كثيرا ما يشذ عن هذا التوجه، إلا إشارات قليلة بأن الاستثمارات الصينية الاستراتيجية فى البنية الأساسية والعلوم والأبحاث ستجعلها تنجح فى تخطى الصعاب، وتتفوق على غيرها من الدول الصناعية طويلا، وأن الأسواق الاستهلاكية الصينية تجاوزت بالفعل حجم الأسواق الأمريكية المماثلة منذ عام ٢٠٢٠.

تقوم كافة الدول بدراسة شخصية وطباع قيادات الدول التى تتعامل معها، لا خلاف أو استثناء فى ذلك، وإنما يلاحظ أن الدول المنفتحة أكثر ميلا للشخصنة السلبية العلنية تجاه قياداتها ومنافسيها، لأنها لا تقبل المنافسة ولا ترضى إلا بالريادة والمزيد، والدول المركزية تميل تجاه الشخصنة العلنية الإيجابية بالنسبة لقياداتها، ولا تلجأ إلى شخصنة الآخرين حتى سلبيا إلا كرد فعل وبحساب دقيق، وهو ما شهدناه أخيرا فى الجدل الحاد بين الولايات المتحدة والغرب من جانب وروسيا والصين من جانب آخر.

ويلاحظ أيضا أن العالم الغربى، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يمارس الشخصنة وأحيانا الشيطنة بمعدلات تتجاوز الآخرين كثيرا، وأرجع ذلك إلى إيمان أمريكى راسخ بأن تجربتهم فريدة ويجب على الكل التمثل بها (American exceptionalism)، وهى منهجية قديمة سبقت حتى سياسات الأخوة جون فوستر وآلان دولاس وزيرى الخارجية ورئيس المخابرات الأمريكية فى ولاية الرئيس أيزنهاور، اللذين كانا مؤسسى سياسات تغيير الأنظمة فى الأمريكتين وإيران وضد الدول غير المنحازة، بل أعتقد أن حدة ردود الفعل الأمريكية تجاه الرئيس الصينى وكذلك الرئيس الروسى تعود أساسا لعدم القبول بأى منافس على الريادة الدولية حتى إذا التزم بكافة أسس المنافسة المشروعة.

ما أسهل من الشخصنة الإيجابية للقادة دعما لقامتهم لحظيا، ولا أخطر من المبالغة فيها، لأن ذلك يرفع من التوقعات الشعبية ويجعل الجهد المبذول والحميد غير محبب أو مقدر حتى فى أصعب الأوقات، وأتذكر أن رئيس المخابرات المصرى عمرو سليمان طلب من نائب الرئيس الأمريكى عدم شخصنة قضية الإرهاب بتكرار الإشارة إلى بن لادن بالاسم والاكتفاء بالإشارة إلى الإرهابيين، ولم يقبل تشينى بالنصيحة بحجة أن الشخصية الأمريكية لا ترتاح للعموميات وتحتاج نقطة أو شخصا محددا للتركيز عليه.

وما أسهل من الشخصنة السلبية للم الشمل والزخم لمواجهة التحديات، أو تجنب شرح دوافع وسياسات لا تتسق مع القرن الـ٢١، ولا أخطر من المبالغة فى ذلك لأنها تغذى سياسات وتفرض السعى لتحقيق نتائج وحلول قاطعة لصالح طرف واحد، مع عدم التعامل مع الغريم الذى تمت شيطنته، مما يتنافى مع الواقع ويغلق الباب أمام الكثير من الحلول.

ما أسهل الشخصنة السياسية وتبسيط الأمور وإهمال البدائل والخيارات، خاصة فى ظل منظومة إعلامية تحليلية مقتضبة، وإغفال مؤسسات الدولة المنافسة والتى تشكل التوجه الاستراتيجى والاستمرارية مع تغير القيادات أو تداول السلطة، وما أخطرها لما تحمله من سوء التقدير تجاه منافس أو صديق، مع تعدد القضايا العالمية التى تستوجب التعاون أو التواصل، وتضاعفت فيه القدرات التدميرية ووضعتنا جميعا على حافة الهاوية والفناء مع أى سوء تقدير أو خلل فنى، ولم يكن غريبا أن يلتقى الرئيس بايدن مع Xi بعد مرحلة من الشخصنة والشيطنة وأن يجرى رئيس المخابرات الأمريكى لقاءات مع نظيره الروسى عدة مرات أخيرا رغم التراشق اللفظى والسياسى بين البلدين.

من الخطأ التركيز على العنصر الشخصى وإغفال السياسات، أو النظر إلى السياسات المجردة دون الأخذ فى الاعتبار الصفات الشخصية، والتقييم الدقيق للاحتياجات الفعلية الغريم والمنافس والصديق وعلينا التقييم الدقيق للسياسات والاحتياجات الوطنية والصفات الشخصية لصاحب القرار كان صديقا وحليفا أو غريما.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط