كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سوريا بلاد الفقهاء وحاضرة العلماء

سوريا بلاد الفقهاء وحاضرة العلماء

تاريخ النشر: 2024-09-10 | 15:05

ذهبت لأداء صلاة المغرب في مسجد الحسن بدمشق، كعادتي في كل زيارةٍ إلى سوريا، أحرص على الصلاة في مساجدها العامرة، وأتابع دروس العلماء فيها، تماماً كما كنت طوال فترة إقامتي فيها، كما أغلب أهلها وزوارها، الذين يحبون مساجدهم، ويقدرون علماءهم، ويحرصون على حلقات الذكر ومجالس العلم فيها، ويلتزمون أوقاتها ويتواصون مواعيدها، ويتزينون عند كل صلاة، ويصطحبون إليها الصبية والأطفال، يعلمونهم ويعودونهم على أن بيوت الله عز وجل في أرضه، هي بيوت الأمان والسلام والإيمان.

مساجد دمشق كثيرة وجميلة، وواسعةٌ كبيرة، وبهيةٌ نظيفةٌ، تشعر فيها بالطمأنينة والراحة، والخشوع والسكينة، ويطمئن قلبك وأنت فيها، وتسمو روحك وتزكو نفسك وأنت تذكر وتقرأ، وتشعر فيها بشوق الوصل وأنت تنتظر إقامة الصلاة، وتجول بعيونك فترى فيها أغلب أحبابك وأعز أصدقائك، ومن غابوا عن ناظريك طويلاً، ومن كانوا يوماً جيرانك، وفيها تجد العائدين من سفرهم، والغائبين لسنواتٍ عن بلادهم، وكأنها تجمع الجميع بين أروقتها وصحونها، وتعيد الكل إلى أحضانها.

فوجئت قبل أن أصل إلى بوابة مسجد الحسن، بمئات الدراجات الهوائية المصفوفة على امتداد الطريق المؤدي إلى المسجد وداخل فنائه، ورأيت المئات من المصلين يزحفون إلى المسجد، يدخلون إليه فرادى وجماعاتٍ، وقد غص بهم الفناء وامتلأت المداخل، واصطف المئات على الأدراج والسلالم، وأغلق المصلون مدخل المسجد، إذ امتلأت باحته الداخلية بالمصلين، ولم يعد فيه متسعٌ لجديدٍ، وبقي المئات واقفين ينتظرون أن تتاح لهم الفرصة للدخول إلى المسجد، أو أن يجدوا لهم متسعاً خارجه، وإن بدا ذلك صعباً لكثرة المصلين والوافدين.

رغم أن المسجد بكل زواياه وأركانه كان يغص بالمصلين، إلا أن الجميع كان صامتاً هادئاً، فلا فوضى ولا اضطراب، ولا صخب ولا جدال، ولا همهمة ولا غمغمة، ولا أحاديث جانبية ولا مزاحمة على الأماكن التي بدت عزيزة ونادرة لكثرة المصلين الذين وصلوا باكراً واحتلوا أماكنهم في كل أنحاء المسجد.

تساءلت بيني وبين نفسي، لماذا كل هذه الجموع، وهم لفيفٌ من الشبان والشيوخ، والصبية والكهول، ممن يبدو على أكثرهم أنهم سراةٌ أغنياء، وأساتذةٌ وطلابٌ، وتجارٌ وعمالٌ، وفقراءٌ ومتوسطو الحال، حرت وأنا بينهم وتساءلت، أتراهم قد تنادوا للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولكنني أعلم أن اليوم هو الأول من ربيع الأول وليس الثاني عشر منه، وهذا يعني أن الجمع ليس احتفالاً بالمولد.

أم أنهم قد جاؤوا لسببٍ آخر لا أعلمه، إلا أنني لم أجد من المناسب أن أسأل أحداً عن سبب جمعهم فأبدوا غريباً بينهم، أو جاهلاً لا أعرف سبب اجتماعهم، لكنني قررت مشاركتهم، وحجزت لي مكاناً بصعوبةٍ بينهم، وجلست أنتظر بدء برنامجهم، ولفت نظري تواصل احتشاد المصلين والتصاق صفوفهم وتراصها، ورغم ذلك فقد بقيت جموع الناس تقف حتى بوابة المسجد الخارجية ولم تجد لها مكاناً فيه، فاكتفوا من الحضور بالإصغاء.

تقدم إلى المنصة شيخٌ وقورٌ جليلٌ لم يسبق لي أن رأيته، واتخذ مكانه أمام المصلين، وبدأ حديثه مرحباً بالحاضرين القدامى والملتحقين الجدد، وتمنى للبلد وأهله السلم والأمن والرخاء، والرزق الواسع والسخاء، وشكر الله عز وجل على النعماء في السراء والضراء، وحمده على العطاء والابتلاء، وسأله سبحانه وتعالى أن يرفع عن الأمة البلاء والغلاء وتسلط الأعداء.

ثم بدأ محاضرته، التي خصصها لشرح بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا الجميع خلال درسه إلى الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشرح للناس وبين لهم فضل الصلاة على الرسول، ويكفي أن من يصلي على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، أنه يشترك مع الله سبحانه وتعالى وملائكته في الصلاة والسلام على نبيه، وهذا شرفٌ عظيم تنكسر الأعناق دونه.

صمتٌ شديدٌ خيم على المسجد وران على المصلين بينما الشيخ يلقى درسه عليهم، والكل يرنو إليه ويتطلع، ويصغي إليه ويسمع، وكأنهم يتلقون كلماته ويحفظونها، ويسمعون شروحاته ويرددونها.

عرفتُ من شاشة العرض أن الشيخ الذي جاء ليستمع إليه مئات المصلين في مسجد الحسن بدمشق الفيحاء، كان هو الشيخ الطبيب الدكتور خير الدين الشعَّال، الذي هالني بعلومه، وسلبني حضوره، وأدهشني شرحه، وشدني إليه أسلوبه، ولفت نظري إقبال المصلين عليه وزحفهم إلى مسجده من كل حدبٍ وصوبٍ، ومنهم من جاء إليه من كل فجٍ قريبٍ وبعيد، وقد علم أن اليوم هو يوم الاثنين، يوم درس الشيخ الشعار وحلقة علمه.

رغم ما أصاب سوريا وأهلها، وما حل بها وبأبنائها، وما نزل بها وبمؤسساتها، ورغم الفقر والجوع، والحصار والحرمان، والقصف والغارات والعدوان، فإن الخير ما زال معقودٌ بنواصيها، والرزق في ركابها، والأمل ما زال يسكن قلوب أهلها، ويمنيهم بالغد الآتي والمستقبل الواعد القريب، لتعود الحصن المنيع والقلعة الشامخة والأسوار العالية، وما ذلك على الله بعزيز.

حفظ الله دمشق وعلماءها، وسوريا وأهلها، ومساجدها ودور العلم فيها، وجعلها منارة هدى وجامعة رشاد، وأعاد إليها الأمان الذي كان، والسلم الذي ساد، وكتب لها الخير والسداد، والتوفيق والرشاد، وجعلها بلاد علمٍ وعملٍ، وسلامٍ وأمانٍ، وسخاءٍ ورخاء.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط