كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سوريا في قبضة النفوذ: من إيران إلى تركيا

سوريا في قبضة النفوذ: من إيران إلى تركيا

تاريخ النشر: 2024-12-14 | 21:27

 انهيار نظام الأسد واستيلاء جماعة جبهة النصرة (أو هيئة تحرير الشام) على العاصمة دمشق كذروة لتوسعها المتسارع في السيطرة على معظم المدن السورية الكبرى، نقل سوريا من عهد الأسد وحكم حزب البعث إلى مرحلة جديدة. يصفها البعض بأنها انتصار لـ"الثورة" وتحقيق الشعب السوري لـ"حريته واستقلاله"، وهي تعابير تتردد دائمًا عقب الإطاحة بأي نظام استبدادي مطلق، كما هو الحال في العديد من "الجمهوريات العربية" التي سعى حكامها للسيطرة الكاملة على الدولة وتحويلها إلى ممتلكات خاصة بهم ولورثتهم للأبد. ويتزامن مع هذه الضجة الإعلامية المبررة عن الحرية واستعادة الشعب لحقوقه، مشاهد احتفالية تعبر عن بهجة الجماهير بالخلاص من القهر الذي عانته وآلامها المستمرة نتيجة معاملة الشعب كأنه (أي الشعب) متهم بالتآمر على الوطن (الذي يمثله هنا الحاكم وعائلته) حتى يثبت براءته، وأحيانًا حتى بعد إثباتها.

 

لكن المحتفلين المبتهجين بسقوط الطاغية لم يسألوا أنفسهم: إلى أين تتجه البلد بعد سقوط الديكتاتور وحكمه الاستبدادي؟ وهم معذورون، فليس كل الشعب خبراء في العلوم السياسية أو علم المستقبليات، وكل الذين فقدوا بعض أو كل أهاليهم أعداماً أو موتاً تحت التعذيب في غياهب السجون وظلماتها، وكل الذين عانوا من المطاردة وركبوا البحار هرباً من القمع والاستبداد والموت، وكل الذين كُممَت أفواههم وقطعت ألسنتهم وبترت أعضاؤهم التناسلية وقطعت أيديهم وتعرضوا للاغتصاب داخل سجون الطاغية بسبب مواقفهم السياسية، كل هؤلاء من حقهم أن يبتهجوا ويفرحوا ويحتفلوا، وليس مطلوباً منهم أن يقدموا تقريراً عن تنبؤاتهم بمسارات الأحداث في الغد القريب أو البعيد، لكن الطبقة السياسية هي التي يفترض أن لا تبالغ في بهجتها واحتفائها قبل أن تتأكد أن الأمور تسير في الاتجاه السليم وليست فقط إسقاط طاغية واحد واحتمال استبداله بعدة طغاة جدد.

 

كعادة الذين يستولون على الحكم بعد سقوط الطاغية يكون همهم الأول توسيع دائرة نشر فضائح وجرائم وأسرار النظام الساقط وزعمائه، بل وحتى اقتحام خصوصياتهم التي لا علاقة لها بموضوع الاستبداد والثورة على الاستبداد.

 

في سوريا لم ينجح زعيم جبهة (النصرة) أو "جفش ثم جتش" أن يقدم نفسه كزعيم مدني يسعى من أجل قيام دولة تتسع لكل المواطنين السوريين وتضمن حرياتهم الشخصية المدنية والفكرية والسياسية، فبرغم حديثه عن دولة الدستور والقانون، لم يستطع أن ينسى تعاليم القاعدة وتيارات الإسلام السياسي، وقد رأيناه يرفض الحديث مع إحدى الفتيات التي حاولت الاقتراب منه والحديث إليه فأمرها بتغطية رأسها قبل أن تتحدث معه، ولم يكن أمام المسكينة إلا الامتثال لأوامر "أمير المؤمنين"

 

 وفي أحد لقاءاته النادرة كان يتحدث عن الفرق بين الحجاب وقناع الوجه، وحاول أن يقدم نفسه على أنه متقدم ومدني جداً وليس مثل الإسلامويين المتشددين، قائلاً: قناع وجه المرأة ليس واجباً شرعياً، لكن تغطية الرأس هو الواجب الشرعي، وكأنه بهذا قد أصبح جان جاك روسو أو محمد علي جناح.

 

لا نود المبالغة في التشاؤم بشأن مستقبل سوريا، ولا يمكن لكل مخلص ومحب للشعب السوري وثورته السلمية إلا أن يتمنى له كل خير واستقرار ونهوض وتقدم، لكن علينا أن نتذكر أن زعيم جبهة النصرة (التي أصبحت فيما بعد جفش ثم جتش) حينما قرر الانفصال عن داعش قد أعلن أنه تواصل مع أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة واستأذنه بتغيير اسم الجبهة إلى (جبهة فتح الشام جفش) للتخلص من مفردة "النصرة" التي ليست بعيدة عن مفردات الإسلام السياسي، ثم جرى التخلص من مفردة "فتح" الشام ليقدم الجبهة للعالم على إنها تستخدم مفردات عصرية ليست لها أي جذور دينية (إسلاموية).

 

لا شك أن قيادات جبهة تحرير الشام، المهيمنة على المشهد السياسي بعد سقوط نظام الأسد، قد تعرضت لدورات إعادة تأهيل عبر المؤسسات التركية، لتحسين مظهرها وتقديمها على إنها قوة مدنية تستند إلى الـ"دستور والقانون"، وتقبل بـ"التعددية السياسية" والــ"انتخابات الحرة التنافسية"، لكن الاختبار الحقيقي لمصداقية كل هذه الأقوال والتصريحات هو مدى تحويلها إلى أفعال من خلال الممارسة العملية، فما أكثر ما اعتدنا على أن نسمع كلاماً منمقاً وجميلاً من تنظيمات وأحزاب الإسلام السياسي لكنها سرعان ما تتخلى عن كل أقوالها بمجرد وصولها إلى السلطة، فهل ستتميز "جتش" عن شقيقاتها من قوى الإسلام السياسي في المنطقة العربية؟

 

بيد إنني لا أتوقع ممن يرفض الحديث إلى فتاةٍ من مؤيديه لمجرد أنها مكشوفة الرأس، أن يقبل بتسليم السلطة لزعيم شيعي من العلويين أو قائدٍ سياسيٍ من الدروز أو مسيحي أو إيزيدي ولا حتى مسلم سني من أكراد سوريا.

 

وأخيراً لقد نجحت تركيا في تسجيل هدفاً قاتلاً في مرمى اللاعب الإيراني، باجتياح وكلائها لسوريا وإسقاط الحليف الأول والأقوى لإيران، وبذلك تكون سوريا العظيمة، سوريا التاريخ الحضارة والإباء والإبداع والكرامة قد خرجت من النفوذ الإيرانية لكن لا لتتحرر وترسم سياساتها الحرة والمستقلة بل لتنتقل من النفوذ الإيرانية الروسية إلى النفوذ التركية.

 

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط