كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"سورية اليوم قد لا تريد فارس الخوري المسيحي"

"سورية اليوم قد لا تريد فارس الخوري المسيحي"

تاريخ النشر: 2025-04-29 | 20:04

في زمنٍ مضى، كانتْ سوريّٞةَ تصنعُ رجالاً لا تصنعُهمُ ٱلظروفُ، بلْ يصنعونَ ٱلظروفَ ذاتَها. فارسُ ٱلخوريِّ كانَ واحداً منْ هؤلاءِ: معلماً، ومشرِّعاً، ورجلَ دولةٍ يعرفُ أنَّ الوطنَ ليسَ شعاراً يُرفعُ عندَ ٱلحاجةِ، بلْ عقدَ شرفٍ يُمارسُ كلَّ يومٍ.

فارسُ ٱلخوريِّ لمْ يُعرفْ بطائفتِه ولا بمذهبِه، بلْ بسوريّتِه المطلقةِ. وقفَ في وجهِ الانتدابِ الفرنسيِّ، لا بطلقاتِ البنادقِ، بلْ بصلابةِ الموقفِ ونظافةِ اليدِ. جلسَ على مقعدِ المندوبِ الساميِّ الفرنسيِّ ليُعلنَ بصمتِه قبلَ كلامِه أنَّ سوريّٞةَ لشعبِها، لا لمحتليها. كانَ مسيحيّاً، نعمْ، لكنَّه لمْ يكنْ "مسيحيّاً سياسيّاً"، بلْ كانَ سوريّاً منْ رأسِه حتى أخمصِ قدميهِ.

تاريخُ سوريّٞةَ لا يمكنُ فصلُه عنْ وجودِ المسيحيِّينَ فيها، فهمْ السكانُ الأصليُّونَ للمنطقةِ، أحفادُ الآراميِّينَ والسريانِ والعربِ المسيحيِّينَ الذينَ كانوا يعيشونَ في سوريّٞةَ والعراقِ والجزيرةِ الفراتيِّةِ قبلَ الإسلامِ، وساهموا بعدَ ظهورِه مساهمةً فعّالةً في الاقتصادِ والثقافةِ الإسلاميِّةِ، عبرَ ٱلحِرفِ والصناعاتِ اليدويِّةِ والترجماتِ التي أغنتْ الحضارةَ العربيِّةَ الإسلاميِّةَ.

لقدْ كانتِ اللغةُ السريانيَّةُ الآراميَّةُ لغةَ سوريّٞةَ قبلَ ظهورِ الإسلامِ، وهيَ التي تكلَّمَ بها السيِّدُ المسيحُ، وكانتْ سائدةً إلى جانبِ العربيِّةِ في تلكَ المناطقِ. وعندما انتشرَ الإسلامُ، لمْ يكنِ المسيحيُّونَ عناصرَ هامشيِّينَ، بلْ كانوا شركاءَ حقيقيِّينَ، وبنوا معَ المسلميِّنَ حضارةً غنيَّةً متعدِّدةَ الوجوهِ.

لعبَ المسيحيُّونَ الشاميُّونَ منْ سوريّٞةَ ولبنانَ وفلسطينَ، كما المصريُّونَ وغيرُهمْ دوراً طليعيّاً في إرساءِ دعائمِ حركةِ الوحدةِ العربيِّةِ الحديثةِ، واستندوا في ذلكَ إلى القيمِ الحضاريِّةِ الإسلاميِّةِ الكبرى التي تتحدَّثُ عنِ الحرِّيِّةِ والعدلِ والمساواةِ، دونما تناقضٍ معَ خصوصيَّاتِهم الدينيِّةِ. فالمسلمُ والمسيحيُّ في سوريّٞةَ كانا شريكيْنِ في ٱلهَمِّ ٱلوطنيِّ وفي الطموحِ القوميِّ.

لكنَّ سوريّٞةَ اليومَ، وقدْ أنهكتْها عقودٌ منَ الأُحاديَّةِ في الحكمِ ومنَ الإقصاءِ التدريجيِّ للتنوُّعِ، لمْ تعُدْ تريدُ رجالاً منْ طينةِ فارسَ الخوريِّ، بلْ باتتْ تكتفي بتزيينِ واجهتِها بأسماءَ منْ هنا وهناكَ تحتَ شعارِ التنوُّعِ، بينما القرارُ السياسيُّ والثقافيُّ والاجتماعيُّ يُختصرُ بلونٍ واحدٍ، وأنَّ وجودَ بعضِ التنويعاتِ الدينيِّةِ أو المذهبيِّةِ في مواقعِ الدولةِ باتَ أقربَ إلى الديكورِ منه إلى مشاركةٍ فعليَّةٍ في القرارِ الوطنيِّ، مهما كانتِ المناصبُ والامتيازاتُ.

إن الحكمَ بلونٍ واحدٍ، أيّاً كانَ لونُه، لا يستطيعُ بناءَ وطنٍ، ولا إعادةَ صياغةِ مجتمعٍ معافى. التنوُّعُ الحقّ هوَ الضمانةُ الوحيدةُ لبقاءِ سوريّٞةَ حيَّةً. فالحضاراتُ الكبرى - ومنها الحضارةُ السوريَّةُ - لمْ تُبنَ إلّا بتعدُّدِ الأصواتِ والرُؤى.

عبرَ التاريخِ، لمْ يكنِ المجتمعُ السوريُّ متطرِّفاً. لا في إسلامِه ولا في مسيحيَّتِه، ولا في يساريَّتِه ولا في يمينيَّتِه. كانَ الاعتدالُ صفةَ السوريِّينَ، وكانَ التطرُّفُ نتيجةً طارئةً على مجتمعٍ تراجعتْ فيه الحيويَّةُ الفكريَّةُ والثقافيَّةُ. ولذلكَ، كانَ الانزعاجُ كبيراً عامَ 1950 حينما أُقرَّتْ مادّةٌ في الدستورِ السوريِّ تنصُّ على أنَّ الإسلامَ دينُ الدولةِ، ما أثارَ احتجاجاتٍ عارمةً خاصَّةً بينَ المسيحيِّينَ الذينَ كانوا يرونَ في مثلِ هذهِ الموادِّ تهديداً للوحدةِ الوطنيِّةِ، ورآها الآخرونَ وضوحاً لدولةٍ إسلاميةٍ وبعدها عربية.

ومعَ ذلكَ، بقيتْ في الذاكرةِ مشاهدُ مشرقةٌ، مثلَ خطابِ البطريركِ مكسيموسَ الصايغِ في دمشقَ عامَ 1957، حينَ أكَّدَ أنَّ المسيحيِّينَ العربَ لمْ يكونوا أبداً غرباءَ عنْ عروبتِهم، وأنَّهم مستعدُّونَ لتقديمِ الدمِ منْ أجلِ وحدةِ بلادِهم.
فلسطينُ أيضاً قدَّمتْ نموذجاً مشابهاً عندما عقدَ المسلمونَ والمسيحيُّونَ اجتماعَ يافا عامَ 1919، وأكَّدوا أنَّ فلسطينَ جزءٌ منْ سوريّٞةَ الكبرى، وأنَّها يجبُ أنْ تُحكمَ بحكومةٍ تمثيليَّةٍ تجمعُ المسلميِّنَ والمسيحيِّينَ واليهودَ تحتَ سلطةِ الأميرِ فيصلَ.

في كلِّ هذهِ المحطّاتِ، كانَ المسيحيُّونَ شركاءَ لا ضيوفاً. وكانوا، قبلَ الفتحِ الإسلاميِّ وبعدَه، جزءاً أصيلاً منَ النسيجِ الوطنيِّ العربيِّ وحتّى الإسلاميِّ.

إنَّ سوريّٞةَ اليومَ، إذا أرادتْ أنْ تعيدَ بناءَ نفسِها، لا تحتاجُ إلى تكرارِ نماذجَ التزيينِ الطائفيِّ في مؤسّساتِها، بلْ إلى استعادةِ روحِ فارسَ ٱلخوريِّ: روحِ المواطنةِ الحقَّةِ التي ترى في كلِّ سوريٍّ – مسلماً كانَ أو مسيحيّاً أو منْ أيِّ مكوِّنٍ آخر مثل الأكراد والدروز واليزيديين والعلويين والإسماعيليين وغيرهم– ابناً للوطنِ قبلَ أنْ يكونَ تابعاً لهذا ٱلدينِ أو ذاكَ، أو لهذا العِرق أو ذاك.

إنَّ فارسَ ٱلخوريِّ لوْ عاشَ ٱليومَ، لكانَ غريباً عنْ هذا المشهدِ؛ رجلٌ يحلمُ بسوريّٞةَ موحّدةً، بينما الواقعُ يغنّي للفرقةِ وٱلانقسامِ.

لمْ تعُدِ البلادُ تبحثُ عنْ فارسَ الخوريِّ آخرَ. لمْ تعُدْ تحتاجُ إلى رجلٍ وطنيٍّ يعلو فوقَ الاصطفافاتِ، بلْ يبدو وكأنَّها تطلبُ رجالاً يعرفونَ كيفَ يمثّلونَ طوائفَهم قبلَ أنْ يمثّلوا وطنَهم، وكيفَ يفاوضونَ منْ موقعِ الانتماءِ الضيِّقِ لا منْ موقعِ الانتماءِ الشاملِ.

فارسُ ٱلخوريِّ لمْ يطلبْ منْ أحدٍ أنْ يسألهُ عنْ مذهبِه قبلَ أنْ يقبلَ بهِ وزيراً أو رئيساً للوزراءِ. لمْ يقلْ أنا أمثّلُ هذهِ الجماعةَ أو تلكَ. كانَ يمثِّلُ سوريّٞةَ بكلِّ ما تحملهُ ٱلكلمةُ منْ معنى. ولهذا السببِ بالتحديدِ، فإنَّ سوريّٞةَ اليومَ، كما يبدو، لا تريدُ فارسَ ٱلخوريِّ. لا تريدُه، لأنَّها في لحظةٍ منْ لحظاتِ تعبِها، فضّلتْ أنْ تبحثَ عنْ وكلاءِ مصالحَ لا عنْ رجالِ مبادئَ

اللهمَّ اشهدْ أنِّي بلَّغتُ.

 

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط