كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة

سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة

تاريخ النشر: 2026-08-09 | 11:02

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
تتكشف دراسة سوسيولوجيا العمل والظاهرة النقابية في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، عن عجز صريح للأدوات الكلاسيكية لعلم الاجتماع الصناعي ونظريات الإدارة التقليدية؛ فهذه الأدبيات تؤسس أطروحاتها سلفاً على فرضية وجود بيئة إنتاجية مستقرة، وسوق عمل منتظم، وعلاقة تعاقدية متوازنة ومعالم واضحة بين أطراف الإنتاج الثلاثة؛ غير أن الواقع الفلسطيني الميداني والمعقد، وما يفرضه الاحتلال من تهديدات وجودية ومخاطر مرتفعة تعصف بالأمن والحياة، يضع الطبقة العاملة بمختلف قطاعاتها أمام هشاشة غير مسبوقة تضاعفها حالة غياب الحماية الاجتماعية الشاملة وانعدام شبكات الأمان الوظيفي والمجتمعي، وإن هذا الواقع القاسي يفرض انزياحاً مفاهيمياً واجتراح مقولات نظرية جديدة تقع في منطقة التماس المباشر بين "سوسيولوجيا الصمود" و"اقتصاد البقاء"؛ حيث تخرج الأزمة من كونها مجرد حدث طارئ ينتهي بالعودة إلى التوازن، لتتحول إلى بنية هيكلية مستمرة يعيش في ظلها الفرد، وتُدير الحركة النقابية من خلالها صراعاً محتدماً من أجل البقاء والتشبث بالأرض. ومن هنا، فإن التدمير الممنهج للبنى التحتية والمصانع والورش والمنشآت الاقتصادية لم يكن مجرد أثر جانبي للعدوان والحرب، بل يمثل أداة مركبة لتفكيك المتعمد لبيئة العيش، ليشكل ركناً أساسياً في سياسات "الاقتلاع المهني والسوسيولوجي" التي تتقاطع مباشرة مع مخططات التهجير القسري والناعم لأهالي قطاع غزة، فمن خلال تجريد الفرد من سبل عيشه وتفكيك مقومات الإنتاج المحلي، يجري خلق بيئة طاردة تهدف إلى ضرب مقومات البقاء اليومي لدفعه نحو الخروج والبحث عن ملاذات خارجية، ففي الحالات الطبيعية، يستمد الفرد قيمته ومكانته الاجتماعية والعائلية من دوره الإنتاجي ومن "قوة عمله" المبذولة في أرضه ومجتمعه، غير أن شلل أدوات الإنتاج أحدث تحويلاً قسرياً لبنية المجتمع العمالي عبر مستويين؛ الأول يكمن في تآكل الهوية المهنية وتشظي الذات، حيث تحول آلاف العمال والموظفين المنتجين، إلى جانب أجيال الخريجين الجدد الذين انسدت أمامهم منافذ الدخول إلى سوق العمل، إلى فئات تعتمد اضطرارياً على المساعدات الإغاثية، وهو تحول يورث حالة حادة من الاغتراب الاجتماعي والمهني، ويدفع الفرد نحو شعور حاسم بـالتشيؤ، وفقدان السيطرة على مصيره؛ أما المستوى الثاني فيتمثل في معادلة سراب العمل وتكاليف البقاء، إذ بات الحصول على فرصة عمل مستقرة أمراً شبه مستحيل، في وقت قفزت فيه تكاليف المعيشة الأساسية إلى مستويات قياسية لا تتناسب مع انعدام الدخل، مما أحدث فجوة سيكو-اجتماعية ضاغطة على الجبهة الداخلية للأسرة الفلسطينية، وخاصة أسر العمال والكادحين. وأمام خطر تحويل المجتمع العمالي والشبابي إلى مجتمع اتكالي يقتات على المساعدات العينية، وما يترتب على ذلك من إضعاف الجبهة الداخلية وتسهيل تفريغ الأرض، تبرز الحاجة الماسة إلى مأسسة الصمود ومواجهة مخططات التهجير عبر برامج تنموية وتدخلات منظمة تشمل العمال والكادحين والخريجين، مثل نموذج "العمل مقابل الإغاثة"، و"العمل مقابل النقد"، و"العمل مقابل الغذاء"؛ وهي برامج مطلوبة في هذه المرحلة الانتقالية، وإن هذه النماذج لا تمثل خياراً إدارياً فحسب، بل تؤدي وظيفتين سوسيولوجيتين جوهريتين؛ الأولى هي استعادة الكرامة المهنية ومقاومة التلقي السلبي، إذ إن ربط العائد المالي بجهد بشري يخرج العامل والخريج من خانة المتلقي إلى خانة الصانع والمساهم في إعادة بناء مجتمعه، وهي خطوة ضرورية لكسر الإحباط الجماعي وإعادة تفعيل الوعي الإنتاجي الكفاحي، والوظيفة الثانية تتجسد في حماية رأس المال الاجتماعي وإنعاش القطاع الخاص، إذ إن التعافي لواقع العمال ومؤسساتهم النقابية يتطلب تشجيع أصحاب العمل على إعادة تشغيل منشآتهم عبر توجيه التمويل الدولي والإغاثي لدعم أجور العمال والخريجين داخل هذه المؤسسات بدلاً من حصر التمويل في قنوات توزيع استهلاكية تتسبب في تآكل شبكات الثقة بين أطراف الإنتاج. ولا تتوقف حدود هذه الأزمة السوسيولوجية عند العمالة غير النظامية أو القطاعات الهشة، بل امتدت آثارها لتضرب الطبقة الوسطى والموظفين الثابتين؛ حيث تفاقمت ظاهرة سلوكية ومؤسسية خطيرة تتمثل في "متلازمة الموظف المهدد"، فقد عمدت مؤسسات مشغلة شملت قطاعات مصرفية وشركات كبرى وبعض المنظمات غير الحكومية، إلى اتخاذ إجراءات تعسفية تمس بالاستقرار الوظيفي مستغلة ظروف الطوارئ لتمرير قرارات الفصل وتقليص الرواتب، وإن قراءة هذه الظاهرة تفكك أمرين بالغَي الأهمية؛ أولهما أن الوظيفة في المجتمع الفلسطيني ليست مجرد عائد مالي فردي، بل هي شبكة أمان عائلية ممتدة تعيل أسراً مركبة وركيزة أساسية لثبات المواطن على أرضه، وبالتالي فإن تهديد الأمن الوظيفي يساهم بشكل مباشر في تفكيك التماسك المجتمعي، وثانيهما يتجسد في اغتراب "الإدارة عن بُعد"، حيث برزت فجوة حادة بين مراكز اتخاذ القرار الإداري والنقابي التي تدير المشهد من بيئات مستقرة، وبين الكوادر البشرية التي تدفع ثمن البقاء في الميدان، مما يعمق الشعور بغياب العدالة التوزيعية والإنصاف الأخلاقي. تأسيساً على ذلك، يتضح أن سوسيولوجيا العمل في ظل الأزمات الممتدة تتجاوز النزاع الكلاسيكي حول الأجور، لتصبح معركة صمود وطني وتصدٍّ مباشر لمخططات الإفراغ والتهجير، تمس صلب البناء القيمي والاجتماعي للمجتمع، ولم يعد مقبولاً أن تكتفي النقابات بأدوار تقليدية تقتصر على إصدار البيانات أو التحركات النمطية، بل إن الإدارة النقابية في زمن الأزمات الممتدة تتطلب تفكيك الأطر البيروقراطية والتأسيس لعمل نقابي تخصصي يتوزع عبر نقابات قطاعية قادرة على معالجة الخصوصيات المهنية لكل قطاع (ك الصناعة والزراعة، والصيد، والخدمات، والمهن الحرة، والعمل عن بعد، واقتصاد المنصات) وحمايته ميدانياً. أخيراً، إن المخرج العملي والميداني لمواجهة مخططات التهجير يستدعي بشكل عاجل الاستفادة من تراكم التجارب الوطنية والإقليمية في إدارة أزمات الشغيلة، والعمل الجاد على تحويل المنظومة النقابية نحو تفكير مرن يقع "خارج الصندوق"، ويتطلب هذا التحول ابتكار أساليب ووسائل حماية وتنمية غير تقليدية تصون كرامة العمال والكادحين، وتستوعب طاقات الخريجين في مشروعات إنتاجية ومجتمعية منظمة تعزز مقومات صمودهم، مع ضمان استدامة توازن علاقات العمل والإنتاج؛ كما بات من الضروري تفعيل الأدوار التخصصية للنقابات القطاعية لتكون حائط صد أمام محاولات المساس بحقوق العمال والموظفين، ويتوجب على وزارة العمل والنقابات العمالية والمهنية الشريكة فرض رقابة استثنائية صارمة تجرم التغول على حقوق العمال تحت مظلة الطوارئ، مع إلزام الجهات الدولية والإغاثية بتبني استراتيجيات تنموية تمكينية تدعم صمود المنشآت الوطنية وتوجه الموازنات لتمويل فرص العمل والتشغيل المباشر، ضماناً لبناء بنية اقتصادية واجتماعية متماسكة وقادرة على إفشال التهجير وتثبيت المواطن الفلسطيني على أرضه.
×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط