كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سياسات ترامب الخارجية وشلل النظام الدولي

سياسات ترامب الخارجية وشلل النظام الدولي

تاريخ النشر: 2026-01-08 | 13:55

لم تكن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية مجرد تحوّل في الخطاب أو الأسلوب الدبلوماسي، بل مثّلت نهجًا سياسيًا متكاملًا مسّ الأسس القانونية والسياسية للنظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. فهذا النظام لم يُبنَ على توازنات القوة وحدها، بل على منظومة قواعد هدفت إلى ضبط استخدام القوة، واحترام سيادة الدول، وتعزيز العمل الجماعي متعدد الأطراف.
غير أن سياسات ترامب أفضت إلى إضعاف ممنهج لهذه القواعد، وإلى إعادة تعريف العلاقات الدولية باعتبارها علاقات نفعية تحكمها الصفقات والتهديدات، لا الالتزامات القانونية والشرعية الدولية.
التهديد باستخدام القوة وتآكل الحظر القانوني
اعتمد ترامب خطاب التهديد العلني أداةً مركزية في سياسته الخارجية، سواء تجاه خصوم الولايات المتحدة أو حلفائها.
وقد تجلّى ذلك في تهديداته المتكررة باستخدام القوة، وربطه التزامات واشنطن الأمنية بمقابل مالي مباشر، في سلوك غير مسبوق في العلاقات الدولية الحديثة.
يتعارض هذا النهج صراحة مع المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية.
والخطورة لا تكمن في التهديد بحد ذاته فحسب، بل في تطبيعه سياسيًا، بما يؤدي إلى تفريغ هذا الحظر من مضمونه الإلزامي، وإضعاف الردع القانوني الجماعي الذي قام عليه النظام الدولي.
اعتقال مادورو كنموذج دال، في هذا السياق، يندرج اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو – وفق الرواية الأميركية – بوصفه نموذجًا كاشفًا لهذا النهج، لا باعتباره محور المقال. فالقانون الدولي العام، والعرف الدولي المستقر، يمنحان رؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم حصانة شخصية كاملة تحول دون ملاحقتهم أو اعتقالهم من قبل دول أخرى، إلا عبر محكمة دولية مختصة أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في حكمها الصادر عام 2002، معتبرة أن إصدار مذكرات توقيف وطنية بحق مسؤولين سياديين لدول أخرى يُشكّل انتهاكًا للقانون الدولي.
وعليه، فإن أي إجراء أحادي الجانب بحق رئيس دولة يُعد مساسًا مباشرًا بمبدأ السيادة وعدم التدخل المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ويُسهم في تسييس العدالة الدولية وتقويض مشروعيتها.
تسييس العدالة الدولية وتقويض المساواة السيادية
من أخطر نتائج هذا النهج تحويل مفاهيم المحاسبة والعدالة الدولية إلى أدوات ضغط سياسي، تُستخدم بمعايير انتقائية، فتُفعَّل ضد الخصوم وتُعطَّل أمام الحلفاء.
وهو ما يقوّض مبدأ المساواة السيادية بين الدول، ويفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه القانوني والأخلاقي.
غرينلاند والناتو تفكك المحظورات القانونية ...
طرح ترامب فكرة ضم جزيرة غرينلاند، ولو بصيغة “الشراء”، يصطدم مع مبدأ راسخ في القانون الدولي الحديث، هو حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو الإكراه، ومع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
كما أن ربط التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها في حلف شمال الأطلسي بالدفع المالي يُفرغ مفهوم الأمن الجماعي من مضمونه، ويقوّض إحدى أهم آليات منع النزاعات المسلحة، التي تشكّل امتدادًا عمليًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين.
شلل النظام الدولي لا انهياره الفوري ...
سياسيًا وقانونيًا، لا يعني هذا المسار انهيارًا فوريًا للنظام الدولي، بل إدخاله في حالة شلل بنيوي، حيث تبقى القواعد قائمة نظريًا، لكنها تفقد فعاليتها العملية، وتُشلّ المؤسسات الدولية عن أداء وظائفها، في مقابل تصاعد دور القوة والهيمنة الأحادية.
هذا الشلل يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لاعتماد السلوك ذاته، ما يهدد بتعميم الفوضى القانونية، وتقويض ما تبقى من نظام دولي قائم على القواعد.
فلسطين في قلب الأزمة ...
في هذا السياق، لا تبدو القضية الفلسطينية استثناءً، بل تمثّل التجسيد الأوضح لشلل النظام الدولي.
فقد شكّلت سياسات ترامب، ولا سيما الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، نموذجًا صارخًا لاستخدام القوة السياسية لفرض وقائع غير قانونية، دون أي مساءلة دولية فعّالة.
إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط إضعاف النظام الدولي، بل تعطيل قدرته على حماية حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وتحويل القانون الدولي من أداة إنصاف إلى منظومة انتقائية تُطبَّق حيث تسمح موازين القوة وتُعلَّق حيث تعترضها.
خلاصة القول:
إن سياسات ترامب الخارجية تمثل انتقالًا واضحًا من نظام دولي قائم على القواعد القانونية إلى نظام يقوم على الإكراه الأحادي وتسييس القانون.
واعتقال مادورو، والتهديد بضم أراضٍ، وتقويض التحالفات الدولية، ليست سوى نماذج تطبيقية لمسار واحد أدخل النظام الدولي في حالة شلل قانوني وسياسي، قد تفضي، إن استمر، إلى تآكل بنيته وفقدان شرعيته ووظيفته في حفظ السلم والأمن الدوليين.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط