كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سياسة العزل إعدامٌ للنفس وإزهاقٌ للروح (2)

يحلم الأسرى والمعتقلون جميعاً بالتخلص والإفلات من عقوبة العزل، ويرون أنها عقوبة قاسية تهون أمامها كل أشكال العقاب الأخرى، لما لها من أثر قاتل على النفس، ومهلك للروح، وأنها تؤدي بهم إلى الموت البطيء والاكتئاب الدائم، وتفرض عليهم الصمت السلبي، والميل إلى العزلة الدائمة، وتجعل منهم عالة على المجتمع والوسط المحيط، خاملين لا ينتجون، وكسالى لا يعملون، وحائرين لا يركزون، وعبئاً كبيراً يحتاجون إلى من يساعدهم ويعينهم، وينهض بهم ويقوم بحاجاتهم.

ورغم أنهم يرفضون هذه السياسة ويقاومونها بكل الوسائل الممكنة، ويحاولون إبطالها بكل السبل القانونية وغيرها، إلا أنهم وللأسف وعلى الرغم من محاولات الاعتراض عليها بوسائل عدة، منها الشكوى إلى إدارة السجون، ومفاوضتهم ومحاورتهم، ومحاولة إقناعهم والتأثير عليهم، وعمليات الاحتجاج الإضراب عن الطعام، ومحاولات ممارسة الضغط على حكومة الكيان عبر مؤسسات المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان، والجمعيات الأهلية العاملة من أجل الأسرى، إلا أن جهودهم كلها قد باءت بالفشل، ومحاولاتهم الحثيثة لم تنجح في منع سلطات السجون من اعتماد العزل كمكون أساسي من مكونات التعذيب، وأحد أهم الوسائل المشروعة في التعامل مع المعتقلين.

وأخيراً تقدم الأسرى والمعتقلون أنفسهم من خلال محاميهم، وبالتعاون مع منظماتٍ ومؤسساتٍ حقوقية وإنسانية كثيرة، بالتماساتٍ إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في القدس، ضد قرارات العزل والحبس الانفرادي، إلا أن المحكمة العليا ردت التماسهم، ورفضت دفوعهم، وأيدت الأجهزة الأمنية في اعتمادها العزل، وبدا من أحكامها أن بعض قضاتها يؤيدون هذه السياسة، ويوافقون على الدفوع السرية التي يتقدم بها ممثلو المخابرات، وقد أجابوهم إلى طلباتهم بمنحهم الحق في استخدام هذا النوع من العقاب، الذي لا يظهر على الجسد كدماتٍ، ولا يتسبب في انحباس الدم، أو تهيج الجلد، أو تمزق في الأنسجة، وغير ذلك من وسائل التعذيب الأخرى التي تبقى آثارها على الجسد بادية، وقد تسبب في مقتل الأسير أو تعرضه لإصاباتٍ جسديةٍ خطيرة، إلا أن العزل الذي قد يفضي إلى الجنون أو الكآبة الدائمة، لا تظهر عوارضه على الجسد عنفاً أو ألماً.

تحاول المخابرات الإسرائيلية وسلطات السجون تبرير اعتمادها سياسة العزل، بل وتدافع عنها، وتؤكد أهميتها ووجوبها، وتعزز دفاعها المشروع بأنها ليست السلطة الوحيدة التي تستخدم العزل وتلجأ إليه، وترى أن العديد من أجهزة العالم الأمنية تمارس هذه السياسة ضد بعض مواطنيها المعتقلين أحياناً، درءاً للخطر، ومنعاً من التنسيق التنظيمي بين المعتقلين، وفي بعض الأحيان عقاباً مسلكياً وتأديباً لهم.

سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تعجز عن إيجاد وخلق حجج ومبرراتٍ تبيح استخدامها العزل والتعذيب والإهانة ضد الأسرى والمعتقلين، ولا تستحي من عرض مبرراتها، ولا تتعمد إخفاءها، بل تجاهر بها، وتنشط دبلوماسيتها الداخلية والخارجية في عرضها وتبريرها، وترى أنها محقة في إجراءاتها، وأنها تلتزم القانون الدولي في ممارساتها، وأنها لا تخالف الأعراف والمواثيق، وهي إن اضطرت إلى تنفيذها فإن التهديدات الأمنية هي التي تلجئها إلى ذلك، وتحمل المعتقلين المسؤولية عن دفعهم لإتباع وسائل العزل والتعذيب المختلفة ضدهم، وترى أنهم يهددون أمنها، ويعرضون حياة الشرطة والسجانين للخطر، أو يقومون من أماكنهم في محابسهم وزنازينهم بإدارة أعمالٍ عسكريةٍ، وتشكيل خلايا تنظيمية، تضر بأمنهم وسلامة كيانهم، مما يستوجب استخدام وسائل عنيفة معهم، لمنعهم من تهديد أمن كيانهم ومواطنيهم، وتعريض حياتهم للخطر.

ولكن الحجة الأمنية التي تسوقها إسرائيل وهي السلطة القائمة بالاحتلال، لتبرير قيامها بعزل آلاف الأسرى الفلسطينيين، وقتل روح ونفس المئات منهم، وتدمير معنوياتهم، ليست صادقة، وليست مبرراً لانتهاك القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان بصورة اعتيادية وقاسية، فهي تلجأ لعزل الأسرى في الظروف العادية، دون أن يكون هناك أدنى خطر يهدد أمنها، أو سلامة شرطتها وعناصرها الأمنية.

إذ لم تشهد الزنازين الإسرائيلية يوماً هادئاً بلا عزل أو تعذيب، بل إن السجون والمعتقلات تعج بعمليات العزل على مدى سنوات الاحتلال كلها، بما فيها فترات الهدوء الأمني، التي تخلو من الأنشطة العسكرية، الأمر الذي يكذب حجة الإسرائيليين، ويبطل ادعاءاتهم، ويؤكد بأن المبررات الأمنية التي تسوقها سلطات الاحتلال لعزل الأسرى مبرراتٌ كاذبة وواهية، وأنه لا يوجد من الأسباب والدوافع ما يبرر قيامهم بهذه الإجراءات المنافية لمختلف القوانين الدولية وشرائع حقوق الإنسان.

لكن الحقيقة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تهدف من وراء عزل الأسرى إلى إخضاعهم وإرهابهم وترويعهم لإجبارهم على القبول بشروط الاعتقال الإسرائيلية، والتوقف عن المطالبة بحقوقهم وامتيازاتهم، ولردعهم عن المشاركة في أي فعاليات إضرابية ضد إدارة السجون والمعتقلات، ولا يمكن لسلطات الاحتلال أن تنكر هذه الحقيقة، فقد اعترف بها كثيرٌ من ساستها والعديد من ضباطها العاملين في جهاز المخابرات أو من المتقاعدين الذين سبق لهم الخدمة في الأجهزة الأمنية.

العزل في السجون والمعتقلات الإسرائيلية ليس عقابياً دائماً، وقد لا يكون نتيجةً لمخالفة، أو جزاءً لخطأ أو عقاباً على تجاوز، حيث يتم نقل بعض المعتقلين لأوقاتٍ محددة إلى زنازين "إكسات" العزل، وذلك عقاباً لهم على سلوكٍ ما، أو اقتناء ممنوعاتٍ معينة تخالف أنظمة ولوائح السجون والمعتقلات.

بل قد يكون الهدف من العزل في فترات التحقيق خاصةً، التأثير على الروح المعنوية للمعتقل، وإضعاف قدرته على الصمود أمام وسائل التعذيب الأخرى، ودفعه للقبول بما يعرض عليه ليتخلص من حالة العزل التي وضع فيها، والتي تسبب له مضاعفات نفسية، وهواجس وأفكار غريبة، قد تؤثر سلباً على شخصيته.

ولكن الأسرى والمعتقلين يفشلون العدو دوماً، ويحبطون مخططاته، ويثبتون له أنهم أهل الصمود والثبات، وأنهم أقدر على تحمل مختلف صنوف العذاب، وأن العزل لا يفت في عزائمهم، ولا يضعف قدراتهم، ولا يكسر لهم إرادة، ولا يحني لهم هامة.

يتبع ....

بيروت في 2/9/2015

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط