كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سياسة «عدم الانحياز» بين واشنطن وبكين وموسكو

عندما اجتمع قادة دول العالم النامي في منتصف القرن الماضي لتأسيس حركة عدم الانحياز، لم تكن الفكرة تعبيراً عن الحياد أو الانعزال عن الصراعات الدولية، بل كانت محاولة لصياغة مسار مستقل يتيح للدول حديثة الاستقلال حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن ضغوط الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وفي قلب تلك التجربة وقفت مصر، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، باعتبارها أحد أهم المؤسسين للحركة وأحد أبرز المدافعين عن حق الدول في امتلاك قرارها الوطني المستقل.

ورغم مرور عقود طويلة على انتهاء الحرب الباردة، فإن جوهر الفكرة لم يفقد أهميته. فالعالم اليوم يشهد بدوره مرحلة انتقالية معقدة تتراجع فيها الهيمنة المنفردة لصالح نظام دولي أكثر تعددية وتشابكاً، تتنافس داخله القوى الكبرى على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا وممرات التجارة والطاقة. وفي مثل هذه البيئة يصبح الحفاظ على استقلال القرار الوطني وتوسيع هامش الحركة الخارجية ضرورة استراتيجية لا ترفاً سياسياً.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المصرية خلال عهد دولة 30 يونيو. فالقاهرة لم تتبنَّ سياسة الحياد السلبي، كما لم تنخرط في سياسات المحاور والاستقطاب، وإنما سعت إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية الفاعلة، انطلاقاً من قاعدة واضحة مفادها أن المصالح الوطنية المصرية يجب أن تظل البوصلة الحاكمة لأي تحرك خارجي.

لقد تغيرت طبيعة العالم كثيراً مقارنة بعصر عدم الانحياز الأول. فلم يعد المشهد الدولي منقسماً بين قطبين متواجهين بصورة مباشرة، بل أصبح أكثر تعقيداً، حيث تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والتكنولوجية والجيوسياسية. ولذلك فإن النسخة المصرية المعاصرة من عدم الانحياز لا تقوم على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر ما تقوم على الانفتاح على الجميع دون الارتهان لأي طرف.

في هذا السياق، حافظت مصر على شراكتها الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة، واستمرت في تطوير التعاون العسكري والأمني والاقتصادي معها باعتبارها إحدى القوى الأكثر تأثيراً في النظام الدولي. وفي الوقت نفسه، عززت علاقاتها مع روسيا في مجالات متعددة، كما توسعت بصورة ملحوظة في التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الصين التي أصبحت أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر خلال السنوات الأخيرة.

ولم تنظر القاهرة إلى هذه العلاقات باعتبارها خيارات متناقضة أو متصارعة، بل باعتبارها دوائر متكاملة يمكن توظيفها لخدمة أهداف التنمية وتعزيز القدرات الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي. ولذلك حرصت السياسة الخارجية المصرية على تجنب منطق الاختيار الإجباري بين الشركاء الدوليين، ورفضت فكرة أن تكون علاقاتها مع طرف معين على حساب علاقتها بطرف آخر.

وقد انعكس هذا النهج بوضوح في طريقة تعامل مصر مع التحولات الدولية المتسارعة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وعودة التوتر بين الغرب وروسيا، نجحت القاهرة في الحفاظ على قنوات اتصال وعلاقات تعاون مع مختلف الأطراف، مستفيدة من مكانتها الإقليمية وثقلها السياسي وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.

كما أتاحت هذه المقاربة لمصر هامش حركة أوسع في القضايا الإقليمية والدولية، وساعدتها على تنويع مصادر التعاون والاستثمار والتسليح والتكنولوجيا، بما يقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على طرف واحد ويمنح صانع القرار المصرى قدراً أكبر من المرونة والاستقلالية.

ولعل أهمية هذا النهج لا تتوقف عند البعد الدولي فقط، بل تمتد أيضاً إلى صورة مصر ومكانتها في محيطها الإقليمي. فالدول التي تنجح في الحفاظ على استقلال قرارها تصبح أكثر قدرة على لعب أدوار الوساطة والتقريب بين الأطراف المختلفة، وأكثر قدرة على بناء الثقة مع شركائها، لأنها لا يُنظر إليها باعتبارها امتداداً لأجندات الآخرين أو جزءاً من صراعاتهم.

إن سياسة عدم الانحياز في نسختها المصرية المعاصرة ليست مجرد استدعاء لصفحة مهمة من التاريخ، بل هي إعادة توظيف ذكية لأحد أهم تقاليد السياسة الخارجية المصرية بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي الحالي. فالمبدأ لم يتغير كثيراً، لكن أدوات تطبيقه تطورت، وأصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات المصالح والتنمية والأمن القومي.

لقد أدركت دولة 30 يونيو أن العالم لم يعد يحتمل الاصطفافات الجامدة، وأن الدول التي تحصر خياراتها في اتجاه واحد تفقد تدريجياً قدرتها على المناورة وحماية مصالحها. ولذلك اختارت القاهرة أن تبقى أبوابها مفتوحة أمام الجميع، وأن تبنى شراكاتها على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على أساس التبعية أو الارتهان.

وربما كان هذا أحد أهم أسباب نجاح السياسة الخارجية المصرية خلال العقد الماضي. فبين واشنطن وبكين وموسكو، لم تبحث القاهرة عن موقع داخل صراع القوى الكبرى، بل بحثت عن موقع يحقق مصالحها الوطنية ويعزز مكانتها الإقليمية ويحافظ على استقلال قرارها. وهي معادلة صعبة في عالم مضطرب، لكنها أصبحت أحد أبرز ملامح الدبلوماسية المصرية المعاصرة.

وإذا كانت الحلقات السابقة قد تناولت كيف استعادت مصر نفوذها الإقليمي، وكيف أدارت علاقاتها الدولية وأزماتها الإقليمية، فإن البعد الأفريقي يظل إحدى أهم دوائر الحركة التي شهدت تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة. فمن القارة التي شكلت تاريخياً أحد الامتدادات الطبيعية للدولة المصرية، إلى التحديات الجديدة المرتبطة بالمياه والأمن والتنمية، تبرز أفريقيا باعتبارها أحد أهم ميادين الحركة الخارجية المصرية، وهو ما تتناوله الحلقة القادمة تحت عنوان: «أفريقيا بين حماية العمق الاستراتيجي وفرص المستقبل».

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط