كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية: بين ذرائع الترخيص ومخططات إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية

سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية: بين ذرائع الترخيص ومخططات إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية

تاريخ النشر: 2026-06-10 | 12:44

لم تعد سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلة مجرد إجراءات إدارية مرتبطة بما يسمى "البناء دون ترخيص"، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية إسرائيلية شاملة تستهدف الأرض والإنسان والاقتصاد الفلسطيني، وتسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.

وتأتي عمليات الهدم المتواصلة، وآخرها ما شهدته قرية برطعة جنوب غرب جنين، ضمن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ج)، والتي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتمثل الامتداد الطبيعي للتوسع العمراني والزراعي والاقتصادي الفلسطيني. ففي الوقت الذي تفرض فيه سلطات الاحتلال قيوداً شبه مستحيلة على منح تراخيص البناء للفلسطينيين، تواصل منح التسهيلات والدعم الكامل للمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية وفق أحكام القانون الدولي.

لقد أثبتت التجربة على مدى العقود الماضية أن ذريعة "عدم الترخيص" ليست سوى أداة قانونية وإدارية لتبرير سياسة تستهدف منع الفلسطينيين من التطور العمراني والاقتصادي. فالفلسطيني الذي يحتاج إلى منزل لإيواء أسرته أو منشأة لتأمين مصدر رزقه يجد نفسه أمام نظام تخطيط احتلالي مصمم لإفشال أي إمكانية للبناء القانوني، ليصبح البناء دون ترخيص نتيجة حتمية لسياسة الاحتلال وليس مخالفة تستوجب العقاب.

ولا تقتصر هذه السياسة على برطعة وحدها، بل تمتد إلى مختلف المحافظات الفلسطينية. ففي العيزرية شرقي القدس المحتلة هدمت سلطات الاحتلال منازل ومحال تجارية ومنشآت اقتصادية بحجة عدم الترخيص، رغم أن تلك المناطق تعاني من اختناق عمراني متعمد نتيجة القيود الإسرائيلية. وفي منطقة قلنديا ومحيط القدس تتواصل عمليات الهدم والإخطارات في إطار مخطط يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس ومحيطها، مقابل توسيع المستوطنات وتعزيز الطوق الاستيطاني المفروض حول المدينة.

أما الخان الأحمر، فقد تحول إلى رمز عالمي للمواجهة بين الحق الفلسطيني والمشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فإصرار إسرائيل على تهجير سكان التجمع البدوي وهدم مساكنهم لا يرتبط بأسباب تنظيمية، بل يندرج ضمن مخطط استراتيجي يهدف إلى ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس المحتلة، بما يؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية جغرافياً وعزل شمالها عن جنوبها وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة الأطراف.

وفي محافظة بيت لحم، وخاصة في بلدات حوسان ونحالين وبتير والمناطق الغربية للمحافظة، تتصاعد عمليات الهدم ومصادرة الأراضي بالتوازي مع التوسع الاستيطاني المحموم، حيث يجري التضييق على المواطنين الفلسطينيين ومنعهم من البناء أو استصلاح أراضيهم، بينما تتوسع المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية بصورة متسارعة.

وتبرز الأغوار الفلسطينية كواحدة من أكثر المناطق استهدافاً ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد. فالأغوار التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة الغربية وتعتبر السلة الغذائية لفلسطين، تتعرض لحملة متواصلة من هدم المساكن والمنشآت الزراعية وبركسات الثروة الحيوانية وشبكات المياه والطاقة الشمسية. والهدف الواضح من هذه الإجراءات هو دفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل القسري وإفراغ المنطقة من أهلها تمهيداً لفرض السيادة الإسرائيلية الفعلية عليها.

أما مسافر يطا جنوب الخليل، فقد أصبحت شاهداً حياً على واحدة من أخطر سياسات التهجير القسري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبعد سنوات من الملاحقات القانونية والعسكرية، تسعى إسرائيل إلى إخلاء تجمعات فلسطينية بأكملها تحت ذرائع تتعلق بإعلان المنطقة "ميدان تدريب عسكري"، رغم وجود السكان الفلسطينيين فيها منذ عقود طويلة. وقد اعتبرت منظمات حقوق الإنسان الدولية أن ما يجري في مسافر يطا يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ويرقى إلى مستوى التهجير القسري المحظور دولياً.

إن سياسة الهدم لا تستهدف المساكن فقط، بل تطال أيضاً المنشآت الصناعية والتجارية والزراعية، الأمر الذي يعكس استهدافاً مباشراً للاقتصاد الفلسطيني. فكل مصنع أو ورشة أو متجر يتم هدمه يعني خسارة فرص عمل وتراجعاً في الإنتاج المحلي وزيادة في معدلات الفقر والبطالة. كما أن هذه السياسة تؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود الاقتصادي وتعزز حالة التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.

وفي الوقت ذاته، تترافق عمليات الهدم مع سياسة موازية تقوم على مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها تحت ذرائع مختلفة، منها إعلانها "أراضي دولة" أو "مناطق عسكرية مغلقة" أو تخصيصها للطرق الالتفافية والمشاريع الاستيطانية. وخلال السنوات الأخيرة وضعت سلطات الاحتلال يدها على مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية في الأغوار والقدس والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس وسلفيت وغيرها من المحافظات، في إطار مشروع متكامل يهدف إلى توسيع رقعة السيطرة الاستيطانية.

ويكشف الربط بين سياسات الهدم والمصادرة والاستيطان عن وجود استراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم تقوم على إفراغ الأرض من سكانها الفلسطينيين تدريجياً، ومنع أي توسع عمراني أو اقتصادي فلسطيني، وخلق وقائع ميدانية تجعل من الصعب التراجع عنها في أي تسوية سياسية مستقبلية. فالهدم يستهدف الإنسان، والمصادرة تستهدف الأرض، والاستيطان يستهدف المستقبل الوطني الفلسطيني.

ومن الناحية القانونية، تشكل هذه السياسات انتهاكاً واضحاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة أو مصادرتها إلا لضرورات عسكرية ملحة ومؤقتة. كما تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية التي أكدت عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي ورفض أي إجراءات تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي أو الجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة.

سياسياً، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض تمهيداً لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما أنها تشكل أداة ضغط مستمرة لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية الصامتة من خلال جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة وتعقيداً وحرمانهم من أبسط مقومات الاستقرار والسكن والعمل.

إن ما يجري في برطعة والعيزرية والخان الأحمر وقلنديا وحوسان والأغوار ومسافر يطا ليس أحداثاً منفصلة أو إجراءات تنظيمية متفرقة، بل حلقات مترابطة في سياسة واحدة تستهدف إعادة رسم الخريطة الفلسطينية بما يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. ولذلك فإن مواجهة هذه السياسة تتطلب استراتيجية فلسطينية شاملة تجمع بين التحرك القانوني والدبلوماسي والإعلامي وتعزيز صمود المواطنين على أرضهم، باعتبار أن معركة الهدم ليست معركة على جدران ومبانٍ فحسب، بل هي معركة على الوجود والهوية والحق في الأرض والمستقبل.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجرافة الإسرائيلية لم تعد مجرد وسيلة لهدم منزل أو منشأة، بل تحولت إلى أداة سياسية لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. غير أن تمسك الفلسطيني بأرضه وصموده في مواجهة سياسات الاقتلاع والتهجير يبقى العامل الحاسم في إفشال هذه المخططات والحفاظ على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط