كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"سيد قطب" متخفياً في كتاب "استحالة الدولة الإسلامية" (١ من ٢)

"سيد قطب" متخفياً في كتاب "استحالة الدولة الإسلامية" (١ من ٢)

تاريخ النشر: 2016-08-28 | 09:52

يقود كتاب وائل حلاق المهم والعميق The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (الدولة المستحيلة: الإسلام، السياسة، والمأزق الأخلاقي للحداثة) إلى خلاصات ونتائج عدة، ويعيد فتح أبواب النقاش حول الدين والسياسة، بل يخلط الأوراق في شكل مثير. والأهم أيضاً أن كثيراً مما يطرحه الكتاب جاء على غير ما هدف إليه الكاتب، الضليع في دراسات القانون الإسلامي، والمطلع باقتدار على سجالات الفكر الغربي الحداثوي في مسائل السياسة، والأخلاق، والدولة، والقانون.

الأطروحة المركزية في الكتاب وكما يسطرها حلاق بوضوح في المقدمة، تقول باستحالة تحقق فكرة الدولة الإسلامية، وأن هذه الدولة بمدلولاتها وصيغتها الحديثة لم توجد أصلاً في التاريخ الإسلامي. وما شهده ذلك التاريخ هو أنماط من «الحكم الإسلامي» الذي تأسس على منطلقات ومبادئ وسياسات وغايات (أخلاقية جزءاً وكلاً) تختلف كلياً وجذرياً عن منطلقات ومبادئ وغايات وسياسات «الدولة الحديثة» (المادية جزءاً وكلاً).

يجادل حلاق بأن ثمة تناقضاً ارتطامياً لا يمكن تسويته بين فكرة «الدولة» كما تطورت في الغرب وقدمت نموذجها الخارج من سياق وتجربة غربيَين خاصَين، والإسلام كدين نشأ وتطور في الشرق وقدم نموذجه المتطور من سياق وتجربة خاصَين آخرَين.

يبني حلاق معمارين منفصلين تماماً: الفكر الغربي ومصادره ومنظومته الفلسفية الحداثية القائمة على ظافرية الإنسان وانعتاقه من الميتافيزيقيا والسلطات الدينية، وعلى إرادة تغلبه على الطبيعة، وإيمانه المادي بالعلم والتطور، والفكر الإسلامي ومصادره ومنظومته الأخلاقية القائمة على الميتافيزقيا والشريعة، وإرادة تعبد الإنسان خالقه من طريق ممارسته حياته واجتماعه وسياسته وفق التعاليم الدينية المتساوقة ورؤية كونية للإنسان والحياة الراهنة والأخروية. لا يمكن أن يتصالح هذان المعماران كما نستشف بوضوح من الكتاب، لذلك فمقولة الشاعر الإنكليزي كبلنغ في أواخر القرن التاسع عشر ومن موقع ازدرائي متعال إزاء الشرق بأن «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» تتأكد وتتأبد هنا. والجهد المضني الذي بذله إدوارد سعيد ونقاد الاستشراق، في دحض أية جوهرانية يُوصف (أو يُتهم) بها الشرق، يمضي أدراج الرياح مع أطروحة حلاق الجوهرانية، التي تخلع على الإسلام والشرق طبيعة من نوع خاص تختلف عن باقي البشر، جوهرها طبيعة الدين الذي يحدد حيواتهم ويتحكم بها بتمايز لا نراه عند الآخرين. حلاق ينطلق في كل ذلك من موقع المدافع والمنظر البارع لخصوصية إسلامية جوهرانية متميزة، تجعل المسلمين مختلفين مبدئياً وغائياً عن بقية البشر.

يتناول حلاق في كتابه «الدولة الحديثة» وأسسها ومنطلقاتها، و «الحكم الإسلامي» وأسسه منطلقاته. يفكك نظام «الدولة الحديثة» ومفرداتها الأولية ليثبت عدم إنسانيتها وماديتها وجبروتها الطاغي، وتحويلها ذاتها إلى ذات مقدسة علوية بقاؤها هو الغاية النهائية، ذلك لا يكون إلا على حساب «مواطنها» التابع والخادم لها. لا يترك حلاق مقولة صلبة من المقولات الحداثية التي أعلت من شأن القوة المادية وجسدتها في الدولة إلا وضمّنها نقاشه. وفي قلب ذلك النقاش، استهدف فكرة السيادة التي تستند إليها الدولة وتعتبرها أقنومها المقدس الذي يجب أن لا يُمس. حشد حلاق في إدارة معركته ضد الحداثة ودولتها أقسى نقاد الحداثة الغربيين، متجاوزاً «نقد ما بعد الحداثة» إلى ما هو خارجها تماماً، إلى طرح بديل مختلف كلياً وجذرياً لا يجامل في لفظه الحداثة وكل مشروعها جانباً، وهو بديل «الحكم الإسلامي». دولة الحداثة بالنسبة إلى حلاق هي أصل الشرور الإنسانية الحديثة، فهي مستبدة جوهرياً وإن زعمت أنها ديموقراطية ومساواتية، وسلطاتها التشريعية والتنفيذية متماهية وإن زعمت بوجود فصل للسلطات في آلياتها، وهي في نهاية المطاف متعالية على الإنسان «مواطنها وتابعها» ومستعدة لطحنه من أجل بقائها من خلال مفهوم «التضحية من أجل الوطن». والنخب الحاكمة في الدولة الحديثة تولدت من وسط الناس، من المواطنين، ولذلك اضطرت هذه النخب للبقاء على تواصل مستمر مع الناس تعزيزاً لشرعية وجودها في الحكم، وعن ذلك تولدت آليات الديموقراطية والانتخاب والتمثيل، ثم محاولة تقسيم السلطة على فروع ثلاثة مستقلة عن بعضها (وهي محاولة فشلت برأي حلاق).

في المقابل، في الحكم الإسلامي، ليس هناك شيء اسمه «وطن» تتوجب التضحية من أجله، وليس هناك دولة لها الحق أن تفرض على الأفراد ما تريد. ما يتواجد في الفضاء الإسلامي هو إدارة لأحكام دينية مُسبقة التشريع لا دخل للأفراد أو أي سلطة بشرية فيها، يظل الفرد فيها حراً وطليقاً من أية سلطة مفروضة كتلك التي تفرضها «الدولة الحديثة» (لكنه خاضع للسلطة الأخلاقية للشريعة). السلطة التشريعية في الحكم الإسلامي هي بيد الله، أما القضاة والفقهاء والمفسرون فهم مجرد أداة لتوصيل وتفسير أحكام تلك السلطة، ولا يملك أي كان حتى الحاكم المسلم أو الخليفة أن يتدخل في تلك الأحكام، خصوصاً أن سلطة القضاة والفقهاء قوية ومستقلة عن الحكام. وعززت تلك الاستقلالية مسألة كون الخلفاء والأمراء في معظم فترات التاريخ الإسلامي غرباء عن السواد الأعظم من الناس (مغول، مماليك، فرس ...)، الأمر الذي لم يوجد أية صلات عضوية بينهم وبين المحكومين، وأبقاهم، أي الحكام، معزولين في قصورهم وسرادق حكمهم، فيما القضاة والفقهاء والعلماء يقومون بدور الجسر بينهم وبين المحكومين. هذا التوزيع، أو المقايضة في الأدوار، حفظ «استقلال العامة» عن الحكام، واستقلال القضاة عن الحكام والمحكومين، وفق ما يرى حلاق. الأمر الأكثر جرأة وغرابة ويطرحه حلاق يتعلق بمفهوم المواطنة والتضحية. فوفق ما يرى، ليست هناك «تضحية من أجل الوطن» في الحكم الإسلامي بل هناك جهاد ضد «غير المسلمين». وحتى هذا الجهاد لم يكن يقوم به الأفراد أنفسهم، مجبرين، بل جله قام به أبناء السبي الذين سباهم المسلمون وربوهم في معسكرات خاصة وأنشأوهم نشأة عسكرية حربية بحيث لم يدخلوا في بنية المجتمع المسلم ولا يعتبرون جزءاً منه، بل ظلوا خارجه مهمتم الوحيدة الحرب والدفاع عنه. لهذا يرفض حلاق فكرة التجنيد العسكري التي جاءت بها الدولة الحديثة، ويراها دموية تطلب من الأفراد الموت والتضحية من أجل الدولة، ولا يرى لها نظيراً في الحكم الإسلامي الذي حل المشكلة من طريق السبي وبالتالي حفظ أفراده من الجهاد والتضحية.

والأمر المحير أيضاً في أطروحة حلاق، وتعزز المقولات التي تؤبد تشريق الشرق وتغريب الغرب، يكمن في إعادة إنتاجه فكرة دار الحرب ودار الإسلام، وإعادة إنتاج خطاب الجهاد الحربي وأهدافه في نشر الإسلام بالسيف. لا يلتف كثيراً إلى المقاربات الفكرية والإسلامية التي ألغت أو خففت من صلابة هذه الفكرة وتقسيماتها الدموية للعالم، وهو ديدنه في الاستخفاف بكل جهود تلك المقاربات وبكل ما يراه «مجاملات» غير أصيلة للحداثة ودولتها وأفكارها، وهي «مجاملات» فكرية لا علاقة لها بالمنظومة الأخلاقية الكبرى التي ينطلق منها الحكم الإسلامي. كيف وفق حلاق بين أخلاقيات تلك المنظومة المفترضة وكثير مما يُقره، مثل استرقاق آخرين للدفاع عن الأمة، ليس إلا واحداً من أسئلة كثيرة محيرة تظل برسم الإجابة. في قائمة هذه الأسئلة، وهو ما يناقشه الجزء الثاني من هذه المقالة نواجه التالي: أين هي قيمة الحرية في كل هذا النقاش؟ حرية الفرد وحرية الجماعة والحرية من الاستبداد؟ الحرية هي المسكوت عنه الأكبر في طرح حلاق. ما هي تاريخانية ولا تاريخانية قراءة حلاق في الفكر والتجربة الحداثية لمسألة الدولة الحديثة ولمسألة الحكم الإسلامي، وإلى أي درجة تنطبق مثالياته التي يرسمها في كتابه على التاريخ العملي لحقب الحكم الإسلامي؟ وما هي الحدود الفاصلة بين طروحات حلاق الصارمة حول الحكم الإسلامي، ونزع أي سلطات سياسية تشريعية من الناس وتحويلها إلى الشريعة (أو بالأحرى إلى مفسريها) وطروحات سيد قطب حول الحاكمية، وما أسسته من إسلاموية حركية شوهت الفضاء العربي والإسلامي برمته؟

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط