كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

سيمفونية الضجيج وصمت الرصاص: حين ينفصل الخطاب عن الميدان في لعبة الأمم

سيمفونية الضجيج وصمت الرصاص: حين ينفصل الخطاب عن الميدان في لعبة الأمم

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 13:08

في مسارح الحرب،حيث الدم هو الزيت الذي يشعل محركات الهزيمة والنصر،نادرا ما يعكس ما يُقال على المنصات ما يُفعل على الأرض.إذ تتحول تصريحات القادة من مجرد كلمات إلى قطع شطرنج في لعبة دعائية نفسية واسعة،تُرسم فيها خطوط المواجهة بالكلمات قبل أن تُشق بخنادق الرصاص.

غير أن المفارقة الأزلية تظل قائمة: بينما تتصاعد حدة الخطاب السياسي إلى عنان السماء، تبقى أقدام الجنود وآليات الحرب راسخة في حسابات أكثر برودة ودقة،محكومة بمنطق مختلف تماما.فعندما يشتعل فتيل الأزمات، يتحول الخطاب السياسي إلى أداة ضغط موازية للقصف الجوي.

يصبح لغة تصعيد مقابل تصعيد، وتهديد يقابله وعيد،في سجال لا يهدف بالضرورة إلى نقل الحقيقة،بل إلى تشكيل انطباع بالقوة أو كسر الإرادة المعنوية للخصم.وهو فن المبالغة المنظمة،الذي يبحث عن خلق وقائع نفسية قد لا يمكن تحقيقها في الميدان.

لكن الخطر يكمن في أن هذه الطبلية قد تصم الآذان عن سماع همسات الواقع،وقد توقع قائدها في فخ الاضطرار إلى تنفيذ ما لم يكن في الحسبان،لمجرد أن الوعيد قد بلغ عنان السماء.

على النقيض من ضجيج الخطاب،يتحرك الميدان العسكري في صمت،محكوما بمعادلات صارمة لا تعرف المزايدات.إنها مملكة توازنات القوة والردع، حيث الكلفة مقابل الفائدة،والمعلوم مقابل المجهول في غرف العمليات الاستخباراتية.

والجندي في الميدان لا يحارب بكلمة "نذل" أو "جبان" أطلقها قائد الخصم،بل يحارب بجهوزية سلاحه،ودقة معلوماته،ومدى قدرته على الاحتماء والتفوق.والميدان هو الحكم الفعلي الذي يُظهر إن كانت قنبلة الخطاب السياسي فارغة أم مملوءة بالبارود.

ولعل ما نشهده اليوم من تطورات في إطار المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران،يعيد إنتاج هذه الحقيقة الثابتة بصورتها الأكثر جلاء. ففي مشهد دراماتيكي،نرى الرئيس الإيراني يوجه اعتذارا لدول الخليج العربي،مؤكدا التزام بلاده بعدم استهدافها مجددا ما لم تُستخدم أراضيها منصة لإطلاق صواريخ أمريكية.

هنا،يقفز الخطاب الأمريكي ممثلا بالرئيس ترامب ليؤطر هذا الموقف في سياقه الدعائي الخاص،معلنا أن هذا "الاعتذار" جاء كثمرة للضربات الأمريكية القاسية، ومؤكدا أن إيران هي "الخاسر الأكبر" في الشرق الأوسط،متوعداً بالمزيد.

لكن الميدان هنا لا يرد بالتصعيد اللفظي المباشر، بل يرد من خلال وزير الخارجية الإيراني الذي يفتح الباب على مصراعيه: "تريدون التصعيد.. لكم ذلك".إنها معادلة خطابية تحمل في طياتها إنذارا،لكنها في العمق تعيد الكرة إلى ملعب الحسابات الميدانية.

وما يحدث على الأرض،في هذه الأثناء،هو أشبه بسباق محموم ولكن ضمن مسارات مرسومة بدقة. فرغم سقوط الصواريخ والمسيّرات،ورغم سيل التصريحات النارية،يظل نسق المواجهة محافظا على وتيرته المعهودة.

لا مفاجآت استراتيجية كبرى حتى اللحظة،ولا تحولات دراماتيكية في طبيعة الاشتباك.فإيران،التي تلوح بالتصعيد،تعيد توجيه بوصلتها نحو الخليج ليس حبا بجيرانه،بل تقديرا منها لكلفة فتح جبهة جديدة مع قواعد أمريكية متقدمة في المنطقة.

وأمريكا،التي تهدد بضرب إيران "بشدة"،لا تزال تراقب تحركات وكلائها في المنطقة،وتحسب ألف حساب لأي رد فعل قد يوسع دائرة الحرب التي لا تريدها في عام انتخابي.

إنها إذن حقيقة ثابتة في الحروب: الخطاب السياسي قد يرتفع صوته إلى درجة الصمم،بينما يظل الميدان محكوما بخرائط وصور أقمار صناعية وتقارير استخباراتية تهمس في آذان القادة بأن الحرب ليست هدفا خطابيا،بل هي مغامرة كبرى قد يدفع ثمنها الجميع.

وتبقى سيمفونية الضجيج وصمت الرصاص هي اللحن المتكرر في مسرحية السياسة الدولية،حيث يتقن الجميع لعب أدوارهم على المسرح،بينما تبقى الكواليس هي المكان الوحيد حيث يُعاد ترتيب الأوراق فعليا.

لقد أدركت إيران مبكرا أن المعركة مع أمريكا ليست معركة وجود،بل معركة نفوذ،وأن حدود المواجهة مرسومة بسقف غير معلن: "لا نصر حاسما لأي طرف،ولا هزيمة كاملة للخصم".ومن هنا،جاء التوجّه الإيراني نحو دول الجوار الخليجي ليس انكسارا،بل إعادة تموضع استراتيجي،يقرأ فيه المراقبون الحريصون محاولة طهران لتجنيب نفسها حربا مكلفة مع قواعد أمريكية على مسافة صاروخية،وفي الوقت نفسه،رسالة غير مباشرة لواشنطن: "نحن قادرون على ضبط إيقاع الصراع، فهل أنتم كذلك؟".

أمريكا، من جانبها،وإن بدت في موقع الندية والردع،إلا أنها تدرك أن جيل الحروب التقليدية التي تُحسم بالناقلات والطائرات قد ولى،وأن ما تواجهه اليوم في الشرق الأوسط هو "وحش متعدد الرؤوس"لا يكفي قطع رأسه ليموت،بل قد يولد من جديد في شكل آخر أكثر تعقيدا.ولهذا، كانت إدارة ترامب،بكل صخبها،حريصة على توجيه الضربات بدقة جراحية،لا تهدف لإسقاط النظام،بل لإعادة تشكيل معادلات الردع بما يخدم المصلحة الأمريكية في عام انتخابي حاسم.

أما دول الخليج،التي وجدت نفسها مجددا على خط التماس،فإنها تتحرك بحذر بالغ بين شراكة استراتيجية مع واشنطن وجوار جغرافي مع طهران.

والرسالة الإيرانية الأخيرة،التي تحمل اعتذارا ووعدا بعدم الاستهداف،وضعت هذه الدول أمام اختبار دقيق: هل تقبل "الاعتذار" وتتحول إلى منطقة عازلة بين المتنازعين؟ أم تسمح باستخدام أراضيها منصة للانطلاق، فتتحول إلى هدف مشروع في معادلات الصراع؟

وتبقى الحقيقة الأعمق أن هذه المواجهة،بكل أبعادها الإقليمية والدولية،تكشف عن تحول جوهري في مفهوم الحرب ذاتها،فلم تعد ساحات القتال هي وحدها من يحسم النتائج،بل صارت وسائل الإعلام والتصريحات السياسية والحروب السيبرانية ساحات موازية لا تقل خطورة.وأصبح "الرأي العام" الداخلي والدولي هدفا استراتيجيا يتسابق الطرفان لاستمالته،كلٌّ بلغته وخطابه وتبريراته.

في الختام،تبقى الحروب لعبة تدفع ثمنها الشعوب، بينما يتبارى النخب والقادة في إنتاج خطاب النصر أو الهزيمة.وما بين "الضربة القاسية" التي تعلنها واشنطن،و"الاعتذار المدروس"الذي تقدمه طهران،يقف الإنسان العادي في المنطقة يتساءل: إلى متى تبقى الجغرافيا سجنا للأبرياء،وساحة لتصفية حسابات لا تنتهي؟!

 إنها لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، تحتاج إلى قادة شجعان لا يتقنون لغة التهديد فحسب،بل يمتلكون شجاعة السلام قبل شجاعة الحرب،لأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في إشعال الحرائق،بل في القدرة على إخمادها قبل أن تلتهم الجميع.

هكذا،يمضي الصراع في المنطقة كسيمفونية لا تكتمل،بين نوتات التصعيد وإيقاعات التهدئة،بينما يظل السؤال الأكبر معلقا في الهواء: هل نحن أمام هدوء ما قبل العاصفة،أم أن ما يجري هو إعادة ضبط للعبة القديمة نفسها،بوجوه جديدة وأدوات مختلفة؟!

 الأيام وحدها كفيلة بكشف الخيط الرفيع الذي يفصل بين وعيد القادة وصمت الجنود،بين لهيب اللحظة وحسابات المدى المتظور.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط