كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شارع عمر المختار بحي الرمال " شانزليزيه غزة": سيرةُ مكانٍ لم يتعافَ شارعٌ يمشي بنا… ولا نمشي به

شارع عمر المختار بحي الرمال " شانزليزيه غزة": سيرةُ مكانٍ لم يتعافَ شارعٌ يمشي بنا… ولا نمشي به

تاريخ النشر: 2026-01-29 | 13:08

أكتبُ مرةً أخرى عن شوارع غزة وأماكنها، كما رأيتها بعد سبعةٍ وعشرين شهراً من الإبادة، لا لأستعيد المشهد فحسب، بل لأمنح من غاب عنه فرصة أن يلمس وحشيته. هنا، حيث كانت الشوارع تضجّ بالحياة، ويقيم الفرح عاداته اليومية، صار الركام لغة المكان الوحيدة. تغيّرت الوجوه، وانكسرت الأزمنة، وباتت الخطوات تتعثر بذاكرةٍ مثقلةٍ بما كان. في غزة، كنّا نتذوّق الرائحة قبل أن نشمّها؛ رائحة الخبز، والقهوة، والبحر، وجمال زينة الشوارع، واليوم نتجرّع غبار الفقد في كل زاوية، ونمشي في أماكن تعرف أسماءنا أكثر مما نعرف أسماءها.

لم يعد شارع عمر المختار في حي الرمال طريقاً بهيجاً ملوناً كالسابق، صار ذاكرةً ممدودة، نمشي فيها أكثر مما نمشي فوقه، من دوّار السرايا حتى المجلس التشريعي، كان الشارع يفتح صدره قديماً كمدينةٍ واثقةٍ من جمالها وسحر لذتها. واليوم يفتحه كجرحٍ لم يجد وقتاً ليلتئم، عاد الناس، نعم…
لكنهم عادوا كما يعود المنكسرون إلى بيوتهم المحترقة: بأقدامٍ تعرف الطريق، وقلوبٍ لا تعرف الطمأنينة، الهواء هنا ليس هواءً، إنه مزيجٌ من غبار الإسفلت المهروس، وملح الدموع، وبقايا رائحة فلافل تحاول عبثاً أن تغلّف الحزن بشيءٍ من الشهية، الرائحة تدخل الأنف ثم تستقر في الصدر، تُذكّرنا أن الحياة ما زالت تُقاوم، لكنها مقاومة متعبة، تشبه تنفّس مريضٍ بلا أوكسجين.
الناس يمشون، لا يضحكون، عيونهم زجاجٌ مملّح، وجوههم خرائط خسارة. كل وجهٍ هنا يحمل مدينةً غائبة: بيت حانون في التجاعيد، جباليا في انكسار النظرة، الشجاعية في الصمت الثقيل.
عاد شارع عمر المختار في حي الرمال إلى الحركة، لا إلى الحياة. بدا كجسدٍ ينهض من تحت الركام لأنه أُجبر على النهوض، لا لأنه شُفي. امتدّ الشارع بطوله المعتاد رغم خرابه، لكن روحه كانت أقصر من ذي قبل، مثقلة بما حملته الشهور الماضية من خرابٍ وفقدٍ ونزوح.
في الصباح، يبدأ الناس بالمرور، خطواتهم حذرة موجوعة، كأنهم يمشون فوق ذاكرة هشة. لا ضحكات تُسمع، ولا استعجال. الوجوه شاحبة، والعيون متعبة، وكأن كلّ عابر يحمل داخله مكاناً آخر مدمّراً جاء منه، ولم يستطع تركه خلفه. الهواء مشبع بالغبار، وبشيءٍ مالح لا يُرى، لكنه يُحَسّ في الحلق، مزيج من دموعٍ قديمة وبحرٍ قريب يعرف الحكاية.
كان شارع الرمال "شانزليزيه غزة"، يوماً، واجهة غزة الأجمل والأكثر بهجة وصخباً. فيه المقاهي، والمتاجر، والزينة الملونة والروائح المتراقصة، والأرصفة التي كانت تتّسع للمشاة وذكرياتهم. كان السير فيه طقساً يومياً للاطمئنان إلى أن المدينة بخير ومازالت عفيّة. اليوم، تغيّرت الصورة. المباني التي لازالت واقفة على جانبي الشارع لم تعد تشبه نفسها، واجهاتها مشوّهة، نوافذها فارغة، وبعضها يميل كأنه ينتظر دفعة أخيرة ليسقط، بيوت آيلة للسقوط، لكنها ما زالت واقفة، تؤدي دور الشاهد الصامت على ما جرى.
عند الوصول إلى حديقة الجندي المجهول، يتوقف السرد قليلًا، المكان الذي كان مساحة خضراء للراحة والتنزه صار مخيماً للنزوح، الأرض مجرّفة، الأشجار مبتورة، والخيام منتشرة في كل زاوية. العائلات التي نزحت من بيت حانون، وبيت لاهيا، وجباليا، والتفاح، والشجاعية، وجدت نفسها هنا، في قلب المدينة، بلا خصوصية ولا أفق. التمثال الذي حمل اسم الجندي المجهول اختفى أثره، والمبنى الذي كان يطلّ على الحديقة لم يعد موجوداً. بقي المكان بلا مَعلَم، سوى الخيام وأصوات الأطفال.
الأرصفة التي كانت تنظّم حركة الناس لم تعد موجودة، الأكشاك والبسطات امتدّت على ما تبقى منها، ليس بدافع الفوضى، بل بدافع الحاجة. الشارع صار أضيق، والمشي فيه صار أصعب، خاصة في أيام الشتاء حين تختلط الحفر بمياه الصرف الصحي والطين. المارّة يمشون في منتصف الطريق، يتفادون السيارات القليلة، ويتجاوزون الخيام، وكأن المدينة أعادت ترتيب أولوياتها قسراً.

ورغم كل ذلك، فُتحت بعض المحال. رائحة الفلافل والحلوى تنتشر في المكان، وتحديداً قرب محال قديمة يعرفها الغزيون بأسمائها، يتجمع الناس أمامها، يشترون، ينتظرون، يتبادلون نظرات صامتة. شراء قطعة فلافل أو حلوى لم يعد فعلاً استهلاكياً، بل محاولة قصيرة لاستعادة إحساس طبيعي مفقود. لحظة يقول فيها المرء لنفسه إنه ما زال قادراً على الوقوف في طوابير لا تنتهي.
غير أن هذا المشهد لا يدل على تعافي المدينة. الحركة لا تعني الشفاء، وفتح المحال لا يعني عودة الحياة. ما يحدث هو قدرة الناس على ممارسة الحد الأدنى من الوجود في ظروف قاسية. الشارع ينبض، لكنه نبض متعب، غير منتظم، يُذكّر أكثر مما يطمئن.
شارع عمر المختار في حي الرمال اليوم ليس رمزاً للعودة، بل شاهداً على ما بقي؛ بقايا حياة، وبقايا ذاكرة، وبقايا مدينة تحاول ألا تختفي. إنه شارع يسير فيه الناس لأنهم لا يملكون خياراً آخر، ولأن الاستسلام ليس متاحاً، تماماً كما لم يعد الموت قراراً سهلاً.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط