كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شاستشهادي أم انتحاري؟*

شاستشهادي أم انتحاري؟*

تاريخ النشر: 2021-07-18 | 18:29

حسن عبادي
حسن عبادي

مساء الخير؛

بدايةً اسمحوا لي أن أقدّم اعتذاري على عدم حضوري وزوجتي سميرة لأكون بينكم، جسديًا، برفقة أخي إبراهيم في هذا اللقاء المميّز، ولكن روحي ووجداني معكم؛

واكبت في السنتين الأخيرتين دار طباق وإصداراتها، ودعمها المتواصل لأسرانا وأدب السجون، وتزويدهم، مشكورة، بنسخ من إصداراتها من خلال مشروعي "لكلّ أسير كتاب"، ولها دور رياديّ في هذا المجال، وليس صدفة أن تصدر مسرحيّة "مُمَثِّل انتحاريّ" عن هذه الدار.

هاتفني في حينه زميل الدراسة إبراهيم خلايلة بخصوص نشر مسرحيّة "أساطير الإنس والجانِ في دولة برهان الزمانِ"، سألته عن موضوعها فأجابني: "العودة". حاولت التشبيك بينه وبين جمعيّة أهليّة محليّة، ولكن تعذّر ذلك؛ ونظرًا لموضوع المسرحيّة لم يرد في الحسبان التوجّه للمؤسّسة الرسميّة.

قيل "أعطني مسرحًا أعطِك شعبًا عظيمًا"، فالمسرح هو الشرارة التي تلهم الإنسان العطاء وتدفعه نحو الرقيّ الفكري، ولكنّ المسرح المحلّي يعاني من التضييق والتهميش لشحّ الموارد وكونه بعيدًا عن الأجندة وسلّم الأفضليات رغم كونه محرّكًا أساسيًا للحياة الثقافيّة. ولا يوجد على أجندات أي جهة ثقافية رسمية أو شعبية أي مخططات لدعم المسرح والارتقاء به، ربما لأن للمسرح دورا أكبر من غيره في عملية بناء الوعي.

تناول إبراهيم موضوع "العودة" كموتيف مركزيّ، فالمنافي البعيدة ومخيّمات الشتات تزخر بجموع من تَرَكُوا روحهم وديعة على أرض الوطن، يعدّون الأيام والسنين، يعيشون هواجس العودة، عودة الروح إلى الجسد.  إنّها الأمل الذي يحرّك المشاعر ويثير الشجون  ويخفّف من مرارة الغربة... إنّها زيت المصباح الذي ينير الطريق  نحو الوطن... إنّها الأمنية الحزينة التي يردّدها أهلنا في المنافي والشتات: "تصبحون على عودة"... و"بالعودة".

لاقت تلك المسرحيّة اهتماما كبيرًا ممّا شجّعه على إخراج ما في جعبته من أفكار ومخطوطات؛ تشجع ليخرج إلى النور مسرحيّة "شجر وحجر"؛

يعشق إبراهيم الفن بالفطرة، كعشقه للأرض، فما زال يفلح أرضًا جليليّة ورثها عن أبائه وأجداده، في مسرحيّته خلط بينهما بتوليفة تصوّر بحدّة التجربة والمعاناة الحقيقيّة لشعب اقتلع من أرضه وأمسى لاجئًا! يعالج واقعنا المرير، على أطيافه المختلفة، بجرأة ودون مواربة وتأتأة، بعيدًا عن الأسطرة الشعاراتيّة ليعطي إحساسًا بالحياة والاستمراريّة.

 وجدت في المسرحيّة رسالة تحدّ وانتماء... مسرحيّة ملتزمة؛ نعم، هناك فنّ ملتزم وليس فنّانًا ملتزمًا! وحكاية شعب، تحكي القضية بصوت فنّان ذي رؤية.. ورؤيا، مرتبط بأهله وبلده، مرهف الإحساس... مبدع.

هذه الأرض ليست للبيع أو المساومة مهما ضاقت الدنيا ومهما طال الزمن، علينا حراستها لأنّها أمانة في أعناقنا، الأرض هي الهويّة والكيان... وعنوان الكرامة، وكما غنّى شاعرنا محمود درويش: "من لا برّ له... لا بحر له"، هذي الأرض إلها صحاب، تنتظرهم بفارغ صبرها.

لإبراهيم مشروع مسرحيّ متكامل، في المدرسة الثانويّة كتب ومثّل وأخرج (كان لي حظّ المشاركة في تمثيل مسرحيّة له خلال دراستنا الثانويّة عام 1976!!)، ومن ثم في الجامعة ونشاطه في مسرح الحكواتي في البدايات لسنوات عديدة ليعود إلى معشوقته، المسرح، بعد انقطاع لسنوات طويلة.

أثبتت هبّة الكرامة أنّنا شعب واحد، والتواصل ضروري جدًا ومفيد، ولا بدّ منه ليؤكّد أنّ الشعب العربي الفلسطينيّ شعب واحد وموحّد في الداخل والشتات. ولا يمكن للوطن إلّا أن يحلّق بجناحيه، والتواصل المباشر يزيل الصورة النمطيّة عند البعض عن أهلنا في الداخل وفي الشتات.

وها هو المسرحيّ إبراهيم خلايلة يطبّقها فعلًا لا قولًا، آمن بالكلّ الفلسطيني لكونه صاحب رؤية ورؤيا، فبطل مسرحيّته ممثّل انتحاريّ اختار طريقه بمحض إرادته ورغبته رغم صراع الهويّة "أنا من أعالي الجليل، في الداخل، أنا من هناك وجئت إلى هنا"، ويصل إلى النتيجة الحتميّة؛ لا يهمّ لا هنا ولا هناك. يتناول فلسفيّة الوجود، عبر الاستعداد بالتضحية الروحيّة قبل الجسديّة.

 وها هو يسير على خطاه ليقولها بصريح العبارة على لسان ممثّله الانتحاري: "سأخرج الآن من هنا.. لا أريد سلاحكم.. سأعود إلى هناك.. إلى بلدي وأرضي".

كلمة لا بدّ منها، في لقائي بالأسير وليد دقة حدّثني عن ألمه وحسرته لاحتجاز السلطات حوالي ثلاثمائة جثّة فلسطينيّة ومنها جثمان الشهيد فارس بارود الذي توفيّ خلال فترة سجنه، وما زالت جثّته محتجَزة، وتساءل فارس محدّقًا بوجه سجّانه باستهجان: "هل ستحتفظ سلطة السجون بجثّتي حتّى تنتهي فترة محكوميّتي لتحريرها؟"، ومنها بدأنا التحضير لحملة دوليّة عنوانها "حرّروا الجثامين"، وتمّ تحضير ملصق الحملة وعنوانه "سيلفي الجثامين" وحين التشاور دار النقاش حول تسميته: "سيلفي الجثامين" أو "سيلفي الشهداء"؟ تمامًا كما كانت الحيرة في عنونَة المسرحيّة: "ممثِّل استشهاديّ" أم "ممثّل انتحاريّ"؟ ويبقى السؤال مفتوحًا: من هو الانتحاري؟ ومن هو الاستشهادي؟ وما هو تعريف "الشهيد" في سياق المشهد الفلسطيني، بعيدًا كلّ البعد عن السياق الديني، وها هو إبراهيم خلايلة يطرح التساؤل بجرأة يُحسد عليها.

أقولها بصريح العبارة: آن الأوان لنحترم "الشهادة"، ونتركها وسامًا على صدور أصحابها وألّا نستسهل في استعمالها ،كي لا نرخّصها حين يتداولها العباد.

نعم، ليس كلّ انتحاريّ شهيداً، وليس كلّ أمواتنا شهداء، فارحموا شهداءنا

وأخيرًا، كلّ التحايا للعزيز إبراهيم، زدنا فنًّا ومسرحًا والتزامًا.

                                                                                  

* مداخلة: إشهار مسرحيّة "مُمَثِّل انتحاريّ"، طباق، رام الله 17.07.2021

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط