كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شح الوقود كصدمة هيكلية تعيد تشكيل اقتصاد غزة

شح الوقود كصدمة هيكلية تعيد تشكيل اقتصاد غزة

تاريخ النشر: 2026-04-23 | 12:01

لم تعد أزمة الوقود في قطاع غزة مجرد أزمة خدمات أو نقص في الطاقة، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة اقتصادية شاملة تضرب مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية، وتدفع الاقتصاد نحو مرحلة من الشلل المنهجي الذي قد يتحول إلى انهيار طويل الأمد في حال استمرار الظروف الحالية.
ويُفترض وفق البروتوكول الإغاثي إدخال 50 شاحنة وقود يومياً إلى قطاع غزة، إلا أن الواقع يشير إلى عدم الالتزام بهذه الكميات، حيث لا يتجاوز ما يتم إدخاله في أفضل الأحوال 7 شاحنات فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب. وبالمحصلة، لا تزيد كميات المحروقات التي تدخل القطاع عن نحو 20% من الاحتياجات الفعلية للسكان، ما يفسر عمق الأزمة واتساع آثارها.
ففي الاقتصادات الطبيعية يشكل الوقود أحد عناصر التشغيل الأساسية، أما في اقتصاد محاصر ومحدود الموارد كاقتصاد غزة، فإن الوقود يمثل شريان الحياة الكامل، حيث تعتمد عليه القطاعات الإنتاجية والخدمية، وحتى الأنشطة الاقتصادية اليومية للمواطنين.
بدأت الأزمة بنقص الوقود والزيوت، لكنها سرعان ما امتدت لتشمل توقف المولدات الكهربائية وتعطل المصانع والمنشآت الإنتاجية وإرباك قطاع النقل والتوزيع وتراجع الخدمات الأساسية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق.
ومع استمرار نقص الوقود، أصبحت المنشآت الاقتصادية تعمل بشكل متقطع أو توقفت بالكامل، ما أدى إلى خسائر اقتصادية يومية متراكمة وانكماش واضح في النشاط الاقتصادي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي أصلاً من مستويات هشاشة مرتفعة.
ويعتمد القطاع الصناعي في غزة بشكل شبه كامل على المولدات الكهربائية في ظل محدودية إمدادات الكهرباء، ومع نقص الوقود والزيوت اضطرت العديد من المصانع إلى تقليص ساعات العمل أو الإغلاق المؤقت.
هذا التوقف لم ينعكس فقط على أصحاب المصانع، بل امتد إلى آلاف العمال الذين فقدوا مصدر دخلهم، ما يفاقم معدلات البطالة المرتفعة والتي تفوق الـ80%. وتشير تقارير صادرة عن البنك الدولي إلى أن اقتصاد غزة يعاني منذ سنوات من ضعف القدرة الإنتاجية نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة، وأن أي صدمة إضافية في قطاع الطاقة تؤدي مباشرة إلى انكماش اقتصادي حاد، نظراً لاعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على مصادر الطاقة البديلة.
ولم يقتصر تأثير أزمة الوقود على القطاع الصناعي، بل امتد إلى القطاع الخدمي الذي يمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد المحلي، حيث تراجعت قدرة المستشفيات والمراكز الصحية وشركات الاتصالات والبلديات والمخابز والمنشآت الغذائية على العمل بكفاءة.
ومع تراجع ساعات التشغيل وارتفاع تكاليفها، أصبحت هذه الخدمات تعمل بالحد الأدنى، ما يهدد استقرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤدي إلى تراجع إضافي في النشاط الاقتصادي.
كما يشكل الوقود العمود الفقري لسلسلة الإمداد، بدءاً من نقل البضائع وحتى توزيعها داخل الأسواق. ومع نقص الوقود ارتفعت تكاليف النقل وتأخرت عمليات التوزيع وانخفضت كميات البضائع المتاحة في الأسواق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وتشير بيانات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي إلى أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد داخل قطاع غزة يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار السلع الأساسية، خاصة في ظل محدودية المخزون واعتماد القطاع على الواردات الخارجية.

كما لا يمكن فصل تفاقم أزمة الوقود عن الدور الإسرائيلي المباشر، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمنشآت الحيوية.
فقد شهدت الفترة الأخيرة تراجعا واضحا في إدخال كميات الوقود، بالتزامن مع تنصل الحكومة الإسرائيلية من استكمال المرحلة الأولى من التفاهمات التي تضمنت إدخال الوقود وتسهيل عمل القطاعات الحيوية، وهو ما يتجلى في الفجوة الكبيرة بين الكميات المتفق عليها (50 شاحنة يومياً) وما يتم إدخاله فعلياً (نحو 7 شاحنات فقط).
هذا التنصل ساهم في تعميق الأزمة، وأدى إلى تراجع قدرة القطاعات الاقتصادية على الاستمرار، خاصة في ظل اعتماد قطاع غزة بشكل شبه كامل على الوقود المستورد.
وتشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن إدخال الوقود يمثل أحد العوامل الأساسية للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والإنساني في غزة، وأن أي تقليص في الإمدادات يؤدي إلى تدهور سريع في الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ويزيد من احتمالات توقف الخدمات الحيوية بشكل كامل.
وتتزايد الخسائر الاقتصادية بشكل يومي نتيجة توقف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتشمل هذه الخسائر انخفاض الناتج المحلي وتراجع الإيرادات وتزايد معدلات البطالة وتراجع النشاط التجاري.
ومع استمرار الأزمة، أصبح القطاع الخاص في غزة يعمل وفق ما يمكن وصفه باقتصاد البقاء، حيث تسعى الشركات إلى تقليل الخسائر بدلاً من التوسع أو الاستثمار.
ويظهر ذلك من خلال تقليص العمالة وخفض الإنتاج وتأجيل المشاريع الاستثمارية، إضافة إلى إغلاق بعض المنشآت بشكل كامل، ما يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تسيطر على بيئة الأعمال.
وتكمن خطورة استمرار الأزمة في أن الاقتصاد في غزة يقترب تدريجياً من مرحلة الشلل الكامل، حيث تتوقف معظم القطاعات الحيوية ويتراجع النشاط الاقتصادي إلى الحد الأدنى، ما يؤدي إلى تراجع القدرة على التعافي وارتفاع معدلات الفقر واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد في غزة يحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي من أي تراجع اقتصادي حاد، خاصة في ظل محدودية الموارد وضعف البنية التحتية الاقتصادية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى حلول عاجلة للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، تبدأ بالضغط الدولي لضمان إدخال الوقود والزيوت بشكل منتظم ودون قيود، بما يضمن استمرار تشغيل القطاعات الحيوية.
كما تبرز أهمية وضع آلية طوارئ محلية لإدارة الوقود المتاح وفق أولويات واضحة تشمل المستشفيات والمرافق الحيوية والقطاع الإنتاجي.
كذلك تبرز الحاجة إلى دعم مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، إضافة إلى توفير برامج دعم طارئة للقطاع الخاص المتضرر، بما يشمل تسهيلات مالية وضريبية تساعد على منع إغلاق المزيد من المنشآت.
ولذلك، لم تعد أزمة الوقود أزمة طارئة أو مؤقتة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على هشاشة الاقتصاد في غزة، الذي يواجه تحديات مركبة تشمل الحصار ونقص الموارد وتراجع النشاط الاقتصادي.

×
أخبار
الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط