كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شرعية مُعلّقة… وفعل مُعطَّل: من يدير توقف التاريخ الفلسطيني؟

شرعية مُعلّقة… وفعل مُعطَّل: من يدير توقف التاريخ الفلسطيني؟

تاريخ النشر: 2026-04-28 | 11:26

ليست المعضلة الفلسطينية في غياب الشرعية، ولا في نقص المعنى التاريخي أو الأخلاقي الذي راكمته القضية عبر عقود طويلة من الصراع والتجربة، بل في هذا الانفصال المتزايد بين فائض الشرعية من جهة، وبين العجز البنيوي عن تحويلها إلى فعل سياسي منظم وفاعل من جهة أخرى، بحيث تبدو القضية، رغم كثافتها الرمزية والقانونية والأخلاقية الاستثنائية، وكأنها تمتلك كل عناصر القوة ما عدا القدرة على تحويل هذه القوة إلى فعل سياسي ملموس.

وهكذا لا يعود الصمود حقيقيًا ولا فعلاً ينتج تحولاً، بل يتحول إلى حالة زمنية معلّقة؛ يمنع الانهيار من جهة، لكنه لا يفتح أفق العبور من جهة أخرى، وكأن التاريخ نفسه قد دخل في منطقة تعليق طويلة، تتراكم فيها الوقائع دون أن تُنتج مساراً، وتتوالد فيها الأحداث دون أن تُبلور اتجاهاً. ومن هنا يتشكل السؤال الجوهري الذي لا يمكن الإفلات منه: كيف يمكن لشرعية مكتملة من حيث المصدر والمعنى أن تبقى عاجزة عن إنتاج فعل سياسي مكتمل من حيث الأثر؟

من فائض الشرعية إلى عجز الفعل

هذا السؤال، في عمقه، لا يجد إجابته في سطح الأزمة أو في تفاصيلها اليومية، بل في بنيتها الداخلية. فالنظام السياسي الفلسطيني بكافة مكوناته، لم يعد يعمل كبنية قرار موحدة، بل كحقل تمثيل متشظٍ يعيد إنتاج "التعدد" دون أن يمتلك القدرة على تحويله إلى وحدة سياسية ملزمة. وفي هذا السياق، لا يعود الانقسام مجرد خلل في التمثيل، بل يتحول إلى آلية مستقرة لإنتاج السياسة نفسها، حيث يصبح الفعل محكوماً بحدود التعايش مع التشتت، لا بالسعي إلى تجاوزه.

ومع هذا التحول، يتغير معنى التمثيل ذاته بصورة جذرية. فلم يعد السؤال من يمثل الفلسطينيين، بل كيف يمكن للتمثيل أن ينتج قراراً في بنية لا تسمح بتراكم القرار، وكيف يمكن لشرعية موزعة على أكثر من مركز أن تتحول إلى إرادة سياسية واحدة دون أن تمتلك أدوات الوحدة؟ وهنا يتراجع الفعل السياسي من كونه مشروعاً لبناء كيانية وطنية، إلى كونه حركة دائمة داخل بنية تشتت مستقر، حيث يصبح استمرار النمطية المتآكلة بديلاً عن التحول.

هذا الانزياح البنيوي لا ينفصل عن التحول الأعمق الذي أصاب وظيفة السياسة مع قيام السلطة الفلسطينية، إذ انتقلت السياسة تدريجياً من كونها أداة لتغيير الواقع إلى كونها أداة لإدارته ضمن شروط قائمة يُعاد إنتاجها باستمرار. ومن هذا التحول نشأ نمط مزدوج لا ينفك يتغذى على ذاته؛ خطاب سياسي يُبقي التحرر كأفق رمزي مفتوح، وممارسة يومية تُعيد إنتاج شروط القيد كواقع فعلي، بحيث لا يعود التناقض بينهما استثناءً عابراً، بل يتحول إلى نمط استقرار سياسي قائم على تعليق التحول لا إنتاجه.

وفي هذا السياق، لا يمكن للانتخابات أن تُعامل بوصفها مدخلاً شكلياً أو تقنية إجرائية معزولة، بل باعتبارها محطة لاحقة على إعادة بناء التوافق الوطني وتثبيت مرجعية سياسية قادرة على إنتاجها وضمان معناها. فحين تُعزل الانتخابات عن شروطها السياسية التأسيسية، تتحول من أداة لتجديد الشرعية إلى إجراء يعكس عمق الانقسام بدلاً من تجاوزه.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الآليات الديمقراطية فقط، بل وفي غياب البنية السياسية القادرة على جعل هذه الآليات ذات معنى ونتيجة. ولذلك فإن أي مسار لا يبدأ بإعادة تعريف القرار الوطني الملزم وتوحيد مرجعيته، سيبقى أسير إعادة إنتاج الواقع نفسه بأدوات مختلفة.

في ظل هذا التكوين، تصبح إعادة التأسيس مسألة تتجاوز بكثير منطق الإصلاح المؤسسي أو الترميم الإداري، لأنها تتعلق بإعادة تعريف شروط إنتاج الفعل السياسي نفسه. فالمعضلة ليست في من يقرر، بل في الكيفية التي يُنتج بها القرار داخل بنية فقدت صلتها بالواقع ومركزها الموحد، وتوزعت سلطتها بين مستويات متداخلة لا تنتج وحدة بل تفاوتاً دائماً في القدرة على الفعل.

ومن هنا، فإن إعادة بناء مركز القرار لا تعني إضافة طبقة مؤسسية جديدة فوق بنية قائمة، بل تعني إعادة هندسة وحدة الفعل داخل تعددية باتت هي القاعدة لا الاستثناء. وبالمثل، فإن إعادة بناء التمثيل لا تعني توسيعه شكلياً أو إدارياً، بل تحويله من شرعية تاريخية تستمد قوتها من الماضي، إلى شرعية انجاز تُقاس بقدرتها على تحويل المعنى السياسي إلى قرار ملزم. أما الاستراتيجية الوطنية، فهي ليست تعدداً في الأدوات، بل قدرة على تحويل التعددية إلى فعل سياسي متراكم، بدل أن يبقى مسارات متوازية يتآكل بعضها البعض دون أن تلتقي في نقطة تحول.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز غزة ليس فقط كملف جغرافي أو سياسي منفصل، بل وكنقطة الانكشاف الأقصى لأزمة التمثيل وغياب وحدة القرار. فهي تختصر مأزق البنية الفلسطينية بأكملها: تعدد المرجعيات، وتآكل القدرة على إنتاج قرار وطني ملزم، وتعطل القدرة على تحويل الشرعية إلى فعل سياسي موحّد.

كما يبرز  أيضًا الجيل الجديد لا بوصفه امتداداً عضوياً للبنية القائمة، بل بوصفه تحولاً في شروط الفعل السياسي ذاته. فهو يتحرك خارج ثقل الأطر التنظيمية التقليدية، ويعيد تشكيل أدواته ضمن شبكات أكثر مرونة، ويعيد ربط المحلي بالعابر للحدود خارج الوسائط الكلاسيكية للتمثيل السياسي. لكن الإشكال لا يكمن في هذه الحيوية، بل في قدرة النظام السياسي القائم على تحويلها إلى فعل مؤسسي داخل منظومة القرار، لا إبقائها في حالة احتجاج دائم خارج دائرة التأثير.

وهنا يتحدد المفترق الحقيقي الذي ستُقاس عليه المرحلة: إما إدماج يعيد تشكيل البنية من الداخل ويعيد تعريف قواعدها، أو إبقاء هذه الطاقة في حالة تعليق سياسي، حيث تتحول إلى فعل احتجاجي كثيف لكنه غير قادر على إنتاج أثر في بنية القرار.

وفي المقابل، لا تعمل البيروقراطية بوصفها بنية مقاومة للتغيير فقط، بل بوصفها بنية قادرة على امتصاصه وإعادة تشكيله. فهي لا تنفي التحول، بل تعيد تعريفه بطريقة تحافظ على مركز القرار كما هو، وتسمح في الوقت ذاته بقدر من التغيير الشكلي الذي لا يمس جوهر البنية، بقدر ما يعزز السيطرة عليها. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تقاوم البيروقراطية التغيير، بل كيف تنجح في إعادة إنتاجه بطريقة تمنع تحوله إلى تغيير فعلي.

من يرسم حدود الفعل الفلسطيني: الشعب أم القوى المتحكمة؟

لا يقتصر هذا المنطق على الداخل الفلسطيني، بل يمتد إلى الخارج؛ إذ تُدار الحالة الفلسطينية إسرائيليًا كساحة يُراد حسمها عبر تعطيل تبلورها السياسي: تفكيك الوحدة، ورفع كلفة التبلور المؤسسي، واستنزاف يمنع التراكم والتحول. إقليميًا، تُعامل بالمنطق ذاته كعنصر ضمن توازنات أوسع: دعم مشروط، وتحفّظ بدعوى الاستقرار، وتوظيف في صراعات أخرى، بما ينكرها كقوة معرِّفة للمجال السياسي. وفي تقاطع هذا الداخل المعلّق مع خارج يدير شروط الإمكان لا نتائجه، وإقليم يعيد توزيع الفاعلية بدل إنتاجها، يتبدّى السؤال الاستنكاري: أيُّ معنى تبقى للشرعية الفلسطينية، بثقلها التاريخي والقانوني والأخلاقي، إن عجزت عن أن تتحول إلى قدرة سياسية فاعلة.

وكيف يمكن لهذه القدرة أن تتشكل وتستمر في نظام إقليمي ودولي لا يعمل فقط على تعطيل الفعل، بل على إبقائه في حالة ضعف دائم غير مكتمل، بحيث يبقى الحال على ما هو عليه وكأنه "صمود"، بينما يبقى التحول مؤجلاً باستمرار؟!

إنه ليس سؤال مرحلة عابرة، بل سؤال الفعل ذاته: كيف يُنتج التاريخ فعلاً سياسياً حين تُصمم شروطه بحيث يُسمح له بالبقاء دون أن يُسمح له بالاكتمال وبالقدرة على إنجاز التحول والتغيير ؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط