كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شكرًا، خصوصيّة وغضب

شكرًا، خصوصيّة وغضب

تاريخ النشر: 2024-02-05 | 18:14

هذا الصّباح، أطلّت علينا الشّمس الدّافئة، بعد أيّام متواصلة من المطر، باستحياء أطلّت من بين الغيوم، ترسل أشعّتها النّاعمة لتملأ الأرض بهجةً وإشراقا.

إنّه أجملُ الصّباحات، تفوح منه رائحة الأرض بعد المطر، أكثرُ الصّباحات صمتًا، يبعث السّكينة في النفس، يُنسي البال ما كان بالأمس يشغله، ويملأ النفس فرحًا لا يشبهه فرح. صباحٌ باردٌ بردًا يوقد الأشواق، مغسولٌ بماء المطر وقطرات النّدى. صباحٌ يغري بالكتابة.

شكرا

يمتلئ البال بالخواطر كلّ يوم طوال الأسبوع، معظمها تذهب وتتلاشى في غمرة الأحداث وتسارع الأيام، لكنّ ما يبقى محفورًا في الذّات هو أكثرها صدقًا وعمقًا.

هذا الأسبوع تذكّرتُ جدّي مرة أخرى، عندما سمعتُ أغنية «شكرا»*:

شكرًا لأبطال الحكاية كلّهم

من شكّلوا فينا الحقيقة والخيال

فلكلّ فصل في حياتي قصةٌ

ولكلّ سطرٍ ما يُقال وما يُقال

يقولون إنّنا لا نعرف قيمة الأشياء إلّا بعد أن نفقدها. فكم من مرةٍ لا نقول شكرًا لأناس عبروا من حياتنا، نكتشفُ أنّنا ممتلئون بهم. شكرًا واحدة لا تكفي ولا توفي حقّ جدّي ومنزلته في قلبي، ولا حتى ألف شكر، فهو من علّمني حبّ اللغة العربية، وحبّ الكتب والقراءة وعلّمني ما لم يعلّمني أحدٌ دون أيّ كلام.

وتقول الأغنية أيضا:

شكرًا لمن غرسوا كلامًا طيّبًا

بقلوبنا فغدت ربيعًا لا يزال

ولنا ابتساماتهم كأجمل بُردةٍ

ولهم علينا دائمًا صبر الجبال

وكان السّؤال الذي أثير في بالي: هل هناك فرق بين (شكرا) و (أشكرك) باللغة العربية؟

فخطر لي أنّ شكرًا هي كلمة عامّة جدًّا، تُقال لأيّ أحد، بلا مشاعر خاصّة، وأحيانا كثيرة للمجاملة. لكنّ (أشكرك) هي كلمة موجّهة بشكل خاصّ، محمّلة بالأحاسيس، نابعة من قلبٍ إلى قلب، لها وقعٌ خاصٌّ في القلب، فيها تقرّبٌ، تمييزٌ وامتياز، مملوءة بالمحبة والألفة، تكسر الحواجز بين القلوب.

شكرا أيقظت بي العديد من الأفكار. فقد خطر لي أنّنا لا نستعملها كثيرًا، ليس كما ينبغي ربما، بلغتي الأم الشّركسية، ولطالما كانت مبعثًا للحيرة وربما الحرج لاستعمالها. وقد أكون مخطئة في ذلك.

لماذا؟ هل لأنّها جُملة طويلة؟

«تح ويغبسو» بما يعني: الله يحفظك. وإذا كانت (شكرا) هي (الله يحفظك) فكيف نشكر الله بلغتنا؟ سؤال بقيَ عالقًا في ذهني إلى اليوم بلا إجابة.

هذا الأسبوع أدهشني أحدهم عندما قال لي إنّ طول جملة (شكرا) بالشركسية فيه جُهدٌ وعمقٌ أكثر، وهي تحمل زيادةً في المعنى وتُلغي الغفليّة.

ربما... من يدري*.

خصوصيّة

هذا الأسبوع قرأتُ عن مسلسل «كبرى» الذي يُعرض على نيتفليكس فشاهدتُ الإعلان الترويجي للمسلسل. يظهر فيه رجلٌ وامرأة مستغرقين في حديث، عندما تصل رسالة نصّية إلى الرجل، فتفتح المرأة الرسالة وتقرأها: أنت مختلف.

فتسأله: ما هذا؟

يقول لها: لا أدري.

هل تعرفها؟

لا.

من الواضح أنها تعرفك لأنها تقول لك إنك مختلف.

أنا لا أعرفها حقا.

إن كنت لا تعرفها فلماذا تراسلك؟

لا أدري لماذا، لكنّ هذه المعاتبة للرجل من قبل المرأة بسبب شكّها بأنّه يغازل امرأة أخرى غيرها، والتي نراها ونسمع عنها كثيرا، لا تروق لي. أحسّ فيها شيئًا من الغباء وحتى الإذلال للمرأة، في حال كانت المعاتبة من قبلها، فالحبّ هو الثّقة أولا وأخيرا، وإن ذهبت الثّقة فكيف يبقى الحب؟

 تلك المعاتبة أثارت في ذهني مرةً أخرى خواطر عن الغيرة بين الرّجل والمرأة. أين الحدود؟

هل من حق المرأة (لنفرض أنها الزوجة) أن تفتح رسائل زوجها النصّيّة أو رسائله الالكترونية؟

هناك العديد من الأزواج يطلبون من الشّريك معرفة كلمة السّر لهاتفه الخليويّ أو بريده الإلكتروني ويصرّون على ذلك بادّعاء أن هذا من حقّهم. هل من حقّ الزوجة أن تتابع زوجها خطوة بخطوة وتتدخّل بعلاقاته وصداقاته وخطواته؟ أليس الرّجل هو إنسانٌ أولا ويحتاج إلى شيء من الخصوصيّة ليحتفظ فيها بنفسه، برغباته؟

ألا توجد مساحة شخصيّة بين الأزواج؟

هناك من يدّعي أن لا خصوصية بين الأزواج، يعني كل ما هو لك لي وكل ما هو لي لك.

ما الذي يدفع الإنسان ليجبر أحدًا للتنازل عن خصوصيّته؟

هل هذا هو الحبّ؟ أم الزّواج؟ أم الغيرة؟ أم أنّه حبّ الامتلاك؟

عندما يحاول أحدهم التّحكّم بكلّ تصرّفاتك، كلماتك وعلاقاتك ويعاتبك على كل كبيرة وصغيرة فهذا لا يعني أنّه يحبّك، بل يعني حبّه لامتلاكك والسّيطرة عليك جسديًّا، مادّيًّا وعاطفيًّا، ويعني أنه لا يحترمك ويدلّ على عدم تقديره لذاته حتى تظلّ الشّكوك تراوده. 

كلّنا نحتاج إلى مساحة شخصيّة أو خاصّة بنا بطريقة وإلى حدّ ما، مساحة نشعر فيها بالأمان والاستقلاليّة، ونشعر أنّنا لسنا عرضةً للانتقاد. فيها يمكننا التفكير والتأمّل والتساؤل وتطوير آرائنا ومواقفنا المختلفة بما يتناسب مع أنفسنا، ومنها يمكننا الانفتاح على الآخرين عندما نقرّر ذلك بإرادتنا.

صحيح أنّ الشّفافية مطلوبة وضروريّة في العلاقة الزّوجية، لكنّ الحاجة إلى الخصوصيّة عند الإنسان لا تختفي بعد الزّواج. على العكس، ربما تكبر أكثر. لذا، على الأزواج التوصّل إلى تفاهم بأن العلاقة الزّوجية لا تعني إلغاء الخصوصيّة، بل عليهما احترام خصوصيّة الآخر ومساحته الشّخصية والحفاظ على الثّقة بالآخر.

غضب

هذا الأسبوع أيضا كانت لي محادثة مثيرة للتساؤلات مع إحدى السّاكنات في بيت المسنّين الذي أعمل فيه، والتي وصلت إلى البيت قبل نحو شهرين أو أكثر، مع غيرها من المسنّين والمسنّات الذين سكنوا البيت بعد أن تمّ إخلاؤهم من بيوتهم في شمال إسرائيل بسبب الحرب. إنّها امرأة لطيفة في الثمانينيات من العمر، صاحية وواعية تماما، كانت تعمل في رعاية المسنّين في شبابها، والآن تحتاج إلى الرعاية. منذ سنوات تعاني من مرض الربو، وتنتابها نوبات الربو، ويعني ذلك صعوبة في التّنفس، وما يصعب عليها أيضا أنّها، مؤخرًا، لم تعد قادرة على المشي، وهذا يعني أنّها تعتمد على الآخرين في كلّ شيء تقريبا، وخاصة، في قضاء حاجتها، الأمر الذي تحتاجه مرات عديدة خلال النهار. مكثت في المستشفى لعدة أيام بسبب صعوبة التنفس، ومنذ عودتها إلى البيت كانت مريضة وضعيفة وكثيرة التّذمّر.

جلستُ أمامها وسألتها عن حالها، فقالت: حالي ليس جيّدًا أبدًا، أنظري إليّ. هل هذه حياة؟

أخبرتني عن مدى صعوبة هذا المرض وعدم قدرتها على المشي لقضاء حاجتها بنفسها.

استمعتُ إليها وحاولتُ تشجيعها والتّخفيف عليها قدر الإمكان، فقلتُ لها إن هناك أمورًا لا سيطرة لنا فيها وعلينا فقط مواجهتها والتعايش معها وأنّ ذلك هو قضاء الله.

فقالت: أنا أعرف أنّ ذلك هو قضاء الله وأنا قابلة بذلك، ولكنّني غاضبة أيضا، غاضبة على الله، وأتساءل: لماذا يخلقنا ويعذّبنا؟ هذا مرض صعب جدا، لا أتمنّاه لأحد.

أحيانا، مجرد الحديث عن الصّعوبات يخفّف عنا الكثير، وهذه السّيّدة بالذّات، ربما جزء من معاناتها أنها واعية تماما، بعكس كلّ السّاكنات والسّكان الآخرين في هذا القسم بالذّات من البيت، الذين يعانون من مرض الخرف والزهايمر. وأحيانا قد يساعدنا أن نعرف عن غيرنا الذي يعاني أكثر ويتحلّى بقوّة التّحمّل والصّبر، فأخبرتها عن معاناة سيّدة أخرى أعرفها تعاني أكثر منها منذ الصّغر، وكيف أنّها تحافظ على ابتسامتها وتبقى راضية رغم كلّ شيء، فرأيتُ كيف تبدي تعاطفها معها، وفي نهاية المحادثة سررتُ برؤية الابتسامة ترتسم على شفتيها رغم كلّ شيء. أحيانا، نحتاج فقط إلى من يسمعنا وينصت إلينا، حتّى لو لم يكن بإمكانه فعل شيء.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط